الاستثمار في الجاهلية

، بقلم عثمان آيت مهدي

استفحلت ظاهرة ـ في الآونة الأخيرة ـ بمدن الجزائر، وبخاصة منها العاصمة، اشتباكات واقتتال بين شباب الأحياء المرحلة عائلاتهم حديثا بشباب الأحياء القديمة المجاورة لهم. لم تكن هذه الظاهرة موجودة إبّان الاحتلال الفرنسي للجزائر، لأن الشعب آنذاك كان كالجسد الواحد أفقيا وعموديا، إذا اشتكى عضو من أعضاء الجسد تألمت لشكواه بقيت الأعضاء، وكذلك لا يقوى عضو أن يحل محل العضو الآخر، فالأعضاء بحكم طبيعتها تصلح لمهمة معينة تكلف بها وتتحمل مسؤوليتها. كذلك هو حال الشعب الجزائري قبل الاستقلال، شعب متلاحم، يخضع لسلطة الكبير لا مكانة للمراهق ولا للطفل الصغير فيما يقرره الكبار.

غير أنه مع الاستقلال، وتخلي الأولياء عن دورهم في تربية الأبناء، وانفجار تكنولوجيا الإعلام والاتصالات، تمكّن هؤلاء المراهقون من افتكاك الكثير من الحقوق، ومساحات أوسع للحرية، انسحب الأولياء من الساحات والشوارع وتركوها في يد أبنائهم المراهقين الذين ملأوها ضجيجا وفوضى، وما زاد الطينة بلة تقاعس الدولة في أداء دورها وتحمل مسؤوليتها، وتركها الحبل على الغارب.

يكبر شباب الحيّ على سلوك غريب وعجيب، فلكلّ حيّ سيّده وتوابعه، يأمر فيطاع، يتسع نفوذ الجماعة ليصبح دولة صغيرة داخل الدولة الأمّ، وتتقوى بمرور السنوات. وقد يقع أحيانا أن تبني الدولة سكنات جوارية محاذية للحيّ القديم، ترحل إليها قاطني الصفيح أو ساكني حيّ قديم آيل للهدم أو طالبي السكن بصفة العامة.

يجد سكان الحيّ الجديد صعوبات في التأقلم مع البيئة الجديدة، يشعرون وأنهم مرفوضون من سكان الحي القديم. يملأ الشباب المراهق ساحات الحيّ، تبدأ المناوشات لتصل إلى الخدش والركل واللكمات، تمرّ العاصفة بسلام في البداية، إلا أنّ الشحناء والبغضاء تجد متسعا في قلوبهم، فتتراكم وتتكاثر لتصل إلى منتهاها.

يجتمع الخصمان مساء ـ في الغالب بعد صلاة العشاء، وإخلاء الحيين من المارة والسكان ـ كلّ يحمل بيده ساطورا أو قطعة حديد، أو سيفا، أو حجارة.. يتبادلون أنذل عبارات الشتم والقذف، ثمّ تقوى جاهليتهم فيحولون الكلام الفاحش وسوء الخلق لخالقهم الذي جمعهم في هذا المكان والزمان، ويقسمون بأغلظ الإيمان على أن يتم محو أحدهم الآخر من الوجود. وبعد تبادل الشتائم، يبدأ الصياح ورمي الحجارة، ويبدأ الكر والفر في ظلمة الليل، تتعالى صيحات الغاضبين ويشتد نفير المعركة، يهشم فيها زجاج السيارات ويحرق بعضها، تمتد ألسنة النيران برمي الملوتوف إلى البيوت، يختلط صراخ الأطفال والنساء والأولياء، تشتعل النيران في كلّ جهة ليصبح المشهد أكثر وضوحا وجلاء. تشتدّ الحمية وتقوى العصبية بصراخ امرأة من أحد الحيين وإعلانها عن مقتل ابنها، عند هذا تختفي كلّ مظاهر الإنسانية وتبرز كلّ مظاهر الحيوانية في الذات الإنسانية.

تتأخر الشرطة ـ عن قصد أو دونه ـ عن الوصول إلى الحيين، تشتبك في البداية مع الشباب، فيتراشقون بالحجارة والقنابل المسيلة للدموع، تضطرّ الشرطة في الأخير إلى استدعاء المزيد من القوة، وتبقى المعركة إلى بزوغ فجر جديد.

هذه الظاهرة التي أرجعها بعض علماء الاجتماع إلى سوء الأوضاع الاجتماعية كالسكن الهش، والفقر، والتسرب المدرسي، والبطالة، إلا أنّ كلّ هذه الأسباب رغم صحتها كانت منتشرة قبل الاستقلال، حيث كان الشعب الجزائري في غالبيته العظمى فقيرا فقرا مدقعا، أميّا لا يعرف للمدرسة وجودا في القرى والمداشر، أمّا في المدن فكانت للفرنسيين والمعمرين، يسكن أكواخا من طوب، ويقتات أحيانا من الحشائش والنباتات وبعض ما يصطاده من الحيوانات، إلا أنّ أنّه كان أبيا، عزيز النفس، تجوع الحرة ولا تأكل من ثدييها. ما أعظمك أيها الشعب بالأمس! وما أحقرك اليوم!

لماذا هذه الجاهلية في التنامي والاتساع؟ لماذا ترك الأولياء الشارع لأبنائهم، يسيّرونه كما شاءوا؟ لماذا هذا التقاعس من طرف الدول المكلفة، أولا وقبل كلّ شيء، بتوفير الأمن للشعب؟ أليس من العار أن تحدث حروب داحس والغبراء في الجزائر في مطلع القرن الواحد والعشرين؟ أليس من العار أن نتقاتل بيننا لأتفه الأسباب؟ هل نحن، حقا، شعب متحضر يصلح ليعيش هذا العصر الذي توحدت فيه دول مختلفة لغة ودينا وشعبا؟

لا أرى جوابا لهذه الظاهرة سوى استثمار الساسة في جاهلية الشعب، لتسهل قيادته واستغلاله. شعب جاهل، شعب سهل الانقياد.