أحمد حافظ: عالمٌ جائرٌ

لا ضوء فيه إلّا أحداق الذئاب

، بقلم حسين سرمك حسن

أسرني الشاعر الدكتور أحمد حافظ عن بعد – وقبل أن يتحقّق لقاؤنا الشخصي الأول - من خلال جهده المخلص والفذّ في إدارة وإصدار مجلة "فكر" التي يرأس تحريرها والتي أعتقد أنها - بعد توقّف أفضل المجلات الفكرية العربية مثل دراسات عربية برئاسة المناضل الثقافي بشير داعوق – وهل تبقّى لدى الجيل العربي الجديد استعداد لسماع مثل هذا الوصف: مناضل ثقافي؟! وأحمد حافظ ينطبق عليه هذا الوصف تماماً – بعد هذا المنبر العريق توقّفت مجلة الآداب التي حملت شعلة التحديث الثقافي، الشعري خصوصا ، منذ منتصف القرن الماضي.. وبينهما توقفت "فصول" .. وغيرهن .. ولا أعرف كم تبقى من مجلات ثقافية رصينة ومستقلة في الثقافة العربية بعد أن اكتسحت الساحة مجلات الثقافة الخليجية التي صار الكتاب العرب من المحتاجين مالاً وانتشاراً يعرفون الكتابة "الحقيقية" التي تريدها هذه المجلات ليتحقّق "الإفساد الثقافي النفطي" كما سمّاه بحق الراحل الكبير "عبد الرحمن منيف". تصفية هذه المنابر ينتهي – بحسن نيّة أقدار التضخم وسوء نية المخطط الإمبريالي الصهيوني – في مصبّ تصفية المراكز "الأم حضارية" الثلاث وتدميرها : وادي الرافدين ووادي النيل ووادي سوريا ، وتسليم مقادير الثقافة لرعاية الأعراب الذين حذّر منهم القرآن .

و "لا ضوء إلّا أحداق الذئاب" هو عنوان مجموعة أحمد حافظ* أو – وهذا أدق – عنوان "كتابه" الذي يحمله منذ عقود بيمينه العنيد الذي كادت تهشمه الأقدار ذات مرّة . يمين شخصي عنيد يضم كتاب الأمل بقوّة، ويتسلح بروح مقاوم صلب ينفخ مستميتا في جمرة أمل يحنو عليها ويتدفأ بها .. أمل خبا أو يخبو أو يُطمر برماد اليأس اسمه: الأمة والأخوّة والوطن الكبير والحق والعدالة والسلام ، ؟؟ بحثاً عن حجر مقدّس اسمه "أسماء فلسطين الحسنى":

(لعلّك تستغرب هذه الرعشة التي تسري في أوصالك حين تسمع صرخة فيروز: "تقفون كشجر الزيتون". اذهب، إذن، إلى غزة. زرْ بيت السمّولي . ستجد فيه شجرة زيتون عمرها مئة عام، استشهد على ترابها، ذات مجزرة ، تسعة وعشرون فرداً من العائلة، صارت جذورها أعمدة دامية ، وثمارها قناديل ضوء أسود – ص 45) .

وبين قناديل الضوء الأسود وأحداق الذئاب التي تلصف متحفّزة في الظلمة البهيمية العميقة ، لم تبق في لغة الروح الممزقة سوى الـ "لو" يفتتح بها الشاعر الجريح السورة الأولى من كتابه:
(لو كنتُ نوحاً،

لمنعتُ الضباعَ من ركوبِ السفينة – ص 5)

.. لتتلاعب به موجات التمنّي المخادعة ، فيرسم معالجات تحرّشية بالمؤسس المقدّس هي التي تُضمر فعلا الحلول العصيّة ، بستقر أخيرا في قاع:

(لو كنتُ غُراباً ، لدفنتُ قابيل)

.. ولكن قابيل ظلّ طليقاً فاغتال "أيسر" شقيق أحمد حافظ .. قتله عمداّ في ليلة شتائية كما يفتتح أحمد نصّه الرئائي الكبير والخطير : "الجريمة"، الذي يهديه إلى الضحيّة التي لم تحظ بعطف حتى الغراب، بالرغم من أنها ضمن اختصاصه الأسود:

(لا تحضرُ الغربان إلى موقع الجريمة إلّا بعد الشروق
لتنشرَ سوادها حجّة رنّانة ضد بياض
هذه الكذبة الأزلية المسمّاةِ بـ (الصباح) – ص 19)

تحضر الروح السردية لتعزز تماسك نص "الجريمة" التي يتم حدوثها ضمنياً – في سكون ظلمة الكون والضمائر، ويتحقق انكشافها العفوي تحت ظلال التضاد المتواطيء بين سواد الفعل الآثم الذي يعلنه حضور الغربان الشاهدة منذ أول رجفات الوجدان الأسود السحيقة ، وبياض أكاذيب الكائن الأنيس والقاتل المتمترس في الأعماق المسمّى الإنسان. وفي زحمة هذا التواطؤ الأزلي "يشرق" حضور الغربان السود التي ورثت الشهادة على تفاصيل الجريمة القابيلية الأولى - كانت "محارمية" سوداء لكن مبرّرة نفسياً نسبيّاً – لتعود، وقد نفضت أجنحتها من تراب درس الدفن والندم، لتعلن – وبلا تردّد – الدرس الأبدي المنكر تنفّجاً وخديعة والذي يؤكد على أن الإنسان ذئب اخيه الإنسان:

(.. لتُلقي [= الغربان] مستعينةً بوسائل الإيضاح المتوفّرة في مختبر
العراء – من شمسٍ وصمتٍ وأظافرَ وترابٍ مدمّى – درسها
الخالد الرتيب)

ومع سرد الحكاية؛ حكاية الجريمة ، يأتي تصميم "مسرحة" الوقائع حيث المخرج والمؤلف / الشاهد الأسود، والضحية الطعينة المغدورة المرميّة في بياض العراء والخذلان، والجمهور المرتعب الجبان في كواليس المهادنة العفنة المعتمة ، والمجرم الذي تنتظره – بعد سواد ليل طويل - سياط الآثام المتراخية تجربة بعد تجربة.

يقف المخرج المجلّل بالسواد الذي سيشهد ويكتب تفاصيل الحكاية الفاجعة التي فقدت بريق إدهاشها بفعل صدأ التكرار الموصل إلى التبليد ؛ يقف على منصة الواقعة عاجزاً عن تكرار درس الدفن والندم ، وآملاً أن رحلة القرون الطويلة المتخمة بالعدوان والدم قد علّمت المتفرّجين عبرة التدخل بعد سماع نداء الرمق الأخير:

(لتستطيعً أن تأملَ - إذا وجدتْ في الضحيّةِ بقيّةَ رمَقٍ - أن
يلبّي نعيقها اللجوج أحدٌ ما في الجوار : تسرّبَ إلى منامه
دخانُ حريق، أو شوّشتْ صَلَاتهُ شروخٌ في الجدران ، أو
عكّرتْ فنجانه الأوّل رائحة دم) .

ولكن لا أحد يأتي ولا أحد يستجيب .. صمتُ وسواد وخرس ضمائر .. وسيكون على الشاهد التحوّل – بحركة تراجعية على محور الزمان المضطرب - نحو مراقبة فعل المجرم الجالس أمام الضحية المغدورة المسجّاة تحت خيمة السواد الحالك حيث لا ضوء إلا أحداق الضحايا . وهنا تتدخل العين السينمائية للشاعر - وهي من أهم أسرار الحداثة في الشعر الحديث – وهو يحاول إكمال فصل مسرحيّة الجريمة، وإنهاء دوره الذي سيعلق بروحه – حتى وهو يغادر المنصّة بعد أن يقتل القتيل ثانية، وهو يدسّ سلاح الجريمة في يده - إلى الأبد بأذرع الآثام الأخطبوطية السود:

(سيكون على مجرم العتمة، إذن، أن يمضي الليل في
انتظارها مستضيئاً باللهب النافر من حدقتي الضحية (وهو
ما صار نادرَ الحدوث بعد فضيحة قابيل)، أو أن يدسّ
سلاحه في كفّ القتيل، يغسل يديه في أقرب بئر
ويتوارى .. قامة تسحلها الأيام بين كهوف الحُمّى،
وروحاً تموّهُ عواءها بنشيج الندم – ص 19 و20).

يمضي المجرم وتبقى الضحيّة تلفظ أنفاسها .. وعند رأسها الشاهد الأسود – ولاحظ ما تفعله تداعيات إيحاءات العين السينمائية الفريدة – وهو المشهد المكرّر منذ الجريمة الأولى – وهذه هي في الواقع الخطيئة الأولى والكبرى الفعليّة وليست نزوة حوّاء المباركة – حيث الضحيّة ممدّدة عارية يشخب من جسدها الدم والقهر تنظر من خلال غلالة صقيع المهانة وبانخذال إلى عيون المسكونين رعباً – وهم الضحايا المّقبلة - الغافية في الكواليس الدافئة:

(ويبقى الطعينُ طافياً على صقيع اليأس
كلما أفلتَ من دوّامة غيبوبة
انهالت على راسه مطارق الصحو
أنّةً أنّةً إلى أن تقتنع البرّية الظمأى أنّ هذا الجسد لم يُخلق
للتكفير عن خيانات الغيوم
خلجةً خلجةً إلى أن ينزاح حذاءُ السماء القاتمُ
عن خدّ الأرضِ – ص 20)

وهذه الإيقاعية التي تكفّل بها التكرار اللغوي : أنّة أنّة .. خلجةً خلجة .. قطرةً قطرة .. توازي إيقاعية عمل المثكل ، وهو يُزهق - بيدي المجرم - روح الضحيّة ليشكّل خلفيّة مشهد الجريمة الأعظم حيث تتشكل أشباح أسطورة خطيئة الراهن على أشلاء جسد "أيسر" المقدّس ، وحيث تُكمل مخالب المخرج – قابيل الخفي – ملامح مشاهد مسرحية الموت ، التي ستصحو على مرآها المُفزع الرهيب ، العيون الغافية المستكينة:

(قطرةً قطرةً ، ليشهدَ الراقدون في الكواليس الدافئة – إذا
تفقّدوا المنصّة غداً – ماذا أنجز مخرجُ هذا الزمهرير:
أيّةُ خلفيّةٍ تشكّلت أمسِ: سواداً يكتمُ خريرَ الفرات ،
غباراً يهشّمُ مصابيح الأزقّةِ ، صفيراً يذرو بين القناطرِ
مواقدِ السكارى؟)

وخطوةً خطوة يصمّم الشاعر، المخرج والمؤلف الذي لا يموت، حركة أصوات الشخوص والمكوّنات في فضاء مسرحية الموت، لتواكب الإنفعالات النفسية المرعبة العميقة، وتوغل في تجسيدها: من سكون مسرح كون الجريمة الصغير حيث حركات مكتومة لانسراب الغربان الشاهدة، وهواجس الترقّب في البريّة المخذولة حيث جثة الطعين الطافي على صقيع اليأس، وهمود الكواليس الدافئة .. ليٌسقط كل ذلك على مسرح كون الجريمة الأكبر، بدءاً من غروب الإعداد للجريمة حيث زعيق العجلات ورنين الأقفال في الأقبية وخبط الأجنحة العنيف على شبابيك الطغيان الحديدية ، ومروراً بهمهمات المُلقن العجوز تتلوها الريح وهي تُؤدي دور الجوقة النائحة، لتبلغ الذروة في تراشق البروق وتصفيقات الرعود احتفاءً بسقوط إله جديد مغدور؛ إله قتيل حقيقي منذ أن فقدت الأسطورة القديمة بريقها بعد فضيحة قابيل ، لينخمد صوت الرجاء وتُسدل ستارة المطر .. فيحل صمت مدوٍّ جاف حيث لا نأمة إلا أبواق بنات آوى تتصدّى من بعيد في لعبة توازي والتحام الصوت والحركة في هذا المناخ الشكسبيري الجليل والمخيف:

(تمهيداً لأيّ مشهدٍ ، مواكبةً لأي خُطىً، تواصَلَ منذ
الغروب حتى السَحَر زعيقُ العجلات على الإسفلت،
رنينُ الأقفال في الأقبية ، وخبطُ الأجنحةِ على الشبابيك؟
أمامَ منْ كانتِ الريحُ تتلو همهماتِ المُلقّنِ العجوز ،
خلفَ منْ كانت تُنشدُ دور الجوقةِ النائحة؟
بعدَ أيّة صرخةٍ تراشقت البروق بالسهام ، ولأيّةِ انحناءةٍ
زخّت تصفيقات الرعود؟
على أيّ ختامٍ – حين تناهت من البعيد أبواق بنات آوى –
أغمضتِ الأعالي وأُسدِلت ستائرُ المطر ؟ - ص 21) .

وخطوةً خطوة يتحكًم الشاعر ؛ المخرج والمؤلف الذي لا يموت ، بإضاءة مسرح الجريمة منذ الإستهلال ؛ تخفت مصادرها وتتهشّم مصابيحها ليشيع الظلام بعد انزياح الصباح.. يتسيّد سواد الآثام كاسحاً بياض الضمائر . لقد أغمضت الأعالي ، وكمدت حدقات الضحايا، وأسدلت ستائر التطهير الممزّقة.

صفير أخير لريح منخذلة ..
حشرجة روح أمّ متقطّعة ..
زعيق عجلات بعيد يتخافت
صرخات معذّبين يكتمها رنين الأقفال في الأقبية
خبط أجنحة جريحة يائسة على قضبان شبابيك معتمة
صوت تهشّم روح شاعر
صمت مهيب ..
ظلام ..

ستارة المثكل الكونية السوداء .. حيثُ لا ضوء إلّا أحداق الذئاب.

ودائماً لا يحقق الشعر العظيم فعله الجذري العميق في النفس البشرية ، إلّا حينما ينتقل من دائرة الخاص إلى دائرة العام، كما يُقال عادةً ، بحيث يجعل الشاعر انثكاله همّاً عربيّاً وعالمياً لأي إنسان تفتك به مخالب العدوان والطغيان بلا رحمة ومن دون رادع؛ تُستباح حياته وتُقطّع آماله بعيداً حتى عن "تقاليد" الجريمة القابيلية الأولى حيث الشاهد المُربّي : الغراب . وقد حقّق أحمد حافظ هذا الهدف كاملاً محتفظاً بجماليات الحداثة الشعرية وأسرارها . وكنتُ ومازلتُ اقول أن عظمة ايّ نصّ شعري عربي تكتسب واحداً من أهم علاماتها حين يكون قادراً على تقطيع قلب المتلقي "العراقي". رجفة قلب المتلقي العراقي وهو يقرأ النص شرط حاسم بالنسبة لي كناقد عراقي. فلا توجد قوّة شعريّة في الكون قادرة الآن على تحريك هذا القلب الذي أماتته الفاجعات والنوائب لإنسان خلقه الله أصلاً وهو يبكي . وقد قطّع أحمد حافظ قلبي كقارىء يشترك معه في واقعة شقيق مغدور (شقيقي الأصغر الشهيد عبّاس) أولاً ، وكناقد يفتّش عن الجمال النصّي الفتّاك والذي يشعره – في الوقت نفسه - بأن له قلباً . ويتسع تأثير النص من المحلّية إلى العالمية حين يدخل ساحة المحنة البشرية التي لا تُحل .. المحنة الأعظم والأكبر والأعقد والتي بلا حل .. ساحة الموت ، الحيّ الذي لا يموت. الموت هو المشترك الكوني الوحيد بيننا كبشر .. والماساة الفظيعة – ويا للغرابة - هي أن شؤون الحياة تفرّقنا ! ألا يستوي في حضرة الموت الأمير والفقير ؟! هكذا تساءل جدّنا جلجامش قبل خمسة آلاف سنة . ولكي يُصبح النص محلّيا وعالمياً ضارياً لابدّ أن يوغل في محليّته عميقاً عميقاً .. هذا الإيغال الملتهب يوصل النموذج : الشقيق أيسر الذي قُتل عمداً في ليلة شتائية، هو مهماز الإحساس بالإنثكال والأسى الساحق ، وعار أحاسيس الفرجة في الكواليس الخلفية لأي قارىء في مشارق الأرض ومغاربها ، وفي شمائلها وجنائبها . لكن النصّ يفلت من مصيدة الرثاء التقليدي إلى سويداء قلب الإنسانية المكلوم حين يحمل رؤيا (لماذا أكتب الشعر؟) ، مع الرؤية (كيف أكتب الشعر؟).

وقد حقّق أحمد حافظ رؤياه المحكمة عندما جعل مرثيته "الجريمة" تجيء في هذا القسم من كتاب اليمين المبارك الجارح المعنون بـ "منصّة الأعماق"، لتمثل حلقة في سلسلة من خمسة نصوص، حيث مهّد الشاعر - محكوماً بحتمية لاشعوره المثكول – لمرثيّته بثلاثة نصوص: "يومٌ في تدمر"، و"هامش على (طبائع الإستبداد)"، وكوابيس، وختمها بنص واحد هو "الطريدة والصيّاد".

في "يوم في تدمر" – وهي قصيدة تفعيلة - من المؤكّد أن العنوان سوف يثير في ذهن السيّد القارىء تداعيات أمجاد مملكة تدمر الغابرة ، وصعود وانكسار ملكتها زنوبيا . لكن شتان بيننا وبين رؤيا الشاعر وهي تحوم على حدث تاريخي استهلكه البحث التاريخي والأدبي، فصحيح أن عينه الخارجية الآن تنظر إلى أطلال تدمر المتداعية، لكن عينه الداخلية ترصد مشهد انثكاله، وجسد الأخ الطعين المتروك الطافي على صقيع اليأس، وما يرتبط باغتياله من تداعيات تعود لتلوّن ما تشتثيره وقفة الأطلال الصمّاء بلونها الدامي، فإذا بالتاريخ "يشهد" من خلال "شهادة" الشاعر:

(لم اشهدْ في الساحةِ شلّالاتِ الفجرِ ولا أجراسَ الأبد
سمعتُ شهيق نصالٍ تُطلى سُمّاً
وفحيحَ القيدِ العاصرِ مهجة زنوبيا
إذ تنقشُ بالدمِ زأْرتَها الحرّى فوق شوارع روما – ص 9) .

وفي الملاحظة الفاحصة المباشرة ، كان على الشاعر أن يرى بعينه "الخارجية" أطلالاً تنسكب عبى متونها أشعة شلالات الفجر. لكنه ليس سائحاً عاديّاً . لقد جاء "منها" .. من البعيد.. إلينا . فالنصال المطليّة سمّاً قطّعتْ – أو سوف تقطّع .. لا فرق – روحه .. وفحيح القيود اعتصر – أو سوف يعتصر .. لا فرق – مهجته الحرّى .. وقد أسره اباطرةٌ اغتالوا أخاه، وسيغتالون وجوده بأكمله، فيُسقط نقمته اللائبة على المكان، لنتفاجأ به يرى ما لا نراه. هكذا يعرّف الشاعر – كلاسيكيا - بأنه يشعر بما لا نشعر به عادة :

(لم أُبصر شرراً يتطايرُ بين سنابك داميةٍ
بل نُتفاً تذروها الشمسُ
لوجوهِ أباطرةٍ دعستهم ممحاةُ التاريخ )

وتجسّد مفردة "الدعس" - لا المحو الذي تقوم به الممحاة عادة - قوّة القهر المقموع وفظاعة شحنته التي يمرّرها بين أعمدة تدمر منقوعة بدماء "العاصي"، أو مياهه .. لا فرق أيضاً.

الرؤيا تُطرح، بكمالها، بثوب اللغة المنسرح على جسدها، جدائل هذي الواحة الأنثى ليتسق التعبير مع ملكتها المغدورة ، وحوّله قهر الأباطرة المتطاول والإنذلال المهلك إلى "أقنية" عذاب ووحشة فوق ظهور الأسرى الذين يحيا الشاعر بين نعيب معاناتهم، ويلمح بعينه الداخلية ؛ عين لاشعوره المحزوز، عرق أكتاف العبيد الذين حفروا، بالأظافر، سراديب الأمراء، وقد صار هذا السراب الشفيف الناضح بين أعمدة الطلل . هذه هي تداعيات وقفة الشاعر الحديث على الطلل المعاصر؛ طلل تحاصره بين أرجائه نداءات المقهورين وروائح دم المغدورين من أسرى وعبيد:

(كفَّ (العاصي) عن تسريح جدائله في هذي الواحة
وتبقّتْ أقنيةٌ كندوبِ الوحشةِ فوق ظهور الأسرى
وسرابٌ ينضحُ بين الأعمدةِ لُهاثاً
كالعرقِ الفائرِ من أكتافِ عبيدٍ
حفروا بالأظفار سراديب الأمراء – ص 9 و10) .

تحفّزت كلّ هذه المشاعر الدفينة الماحقة في بياض النهار .. أما في سواد الليل فسيصارع الشاعر يقظة مؤرقة حين يكتسح غفوته صوت شريد:

(في الليلِ ، سباني الغفوةَ صوتُ شريد )

والشاعر الحديث يوفّر وحدة قصيدته ، ويحكم تماسك حلقاتها ، حتى بالمفردات الرابطة البسيطة . فقد كنا - في المقطع السابق - وسط سبايا من أسرى وعبيد .. فتأتي مفردة الفعل "سباني" موصولة بوجدان شريد لا يختلف عنهم ؛ شريد معاصر هو الشاعر الوحيد في هذا العالم الجائرالموحش، لا يجد ما تتدفّأ به روحه غير أغنيته الحزينة:

(في الليلِ ، سباني الغفوةَ صوتُ شريدٍ:
أيقنَ أن لا نار تدفّئهُ
فأوقدَ تحتَ الشرفةِ أغنيةً
وتدثّر بالحمّى – ص 10) .

هذا الصوت الشريد هو واحدة من عطايا كتابة التاريخ بيدي وروح ورؤيا شاعر . بخلاف المؤرخ الذي "يذهب" إلى أعماق الحوادث ، ولا يعود .. وإن عادَ ، عادَ إلينا "نظيفاً" محمّلاً بالحجارة ، وجثث الأباطرة الطغاة المعطّرة . الشاعر "يرحل" إلى عصور تدمر السحيقة مختلطاُ بعبيدها وأسراها المسحوقين، ليطلق من "هناك"؛ من أغوار المعاناة الإنسانية - وهي واحدة في كل العصور – أغنيّة الجياع والمحرومين العزّل الدامية .. أغنيتنا نحن .. أغنية أرواحنا المرعوبة الجبانة التي تعفّر هامة الشاعر الجسور ، وتبجّل قامة المؤرخ المنافق. إنها أغنيتنا المكتومة المكبوتة التي تجرّح ارواحنا منذ قرون .. أغنيتنا هذه التي شظّت – الآن – في راس أحمد حافظ ، وأحسّ بها بمجسات روحه المنثكلة أو التي سوف تنثكل قريباً. وها هو يصدح بها بجسارة، بعد أن سرت من أعمدة تدمر ورمالها الغبراء، أو انسربت من قبوٍ أو سجنٍ قد يكون قريباً منه كما هو معروف، أو في بابل، أو في اي صقع من اصقاع العالم حيث الناس مهانون مستضعفون (وصقعه، ضربه على رأسه. فهل هي نفس تشظية دمدمة المقهورين أصابت رأس الناقد عفواً ؟) :

(شظّت رأسي دمدمةٌ في السقف :
صدى ما ينفثه الآنَ – بقبوٍ ليس بعيداً –
مجلودونَ
يسنّونَ على حجر ِ الآخِ مخالبَ نقمتهم
شاقّينَ بهاماتهمِ الزرقاءِ جليدَ الجدران )

ويوسّع الشاعر حرقة رؤياه "العملية" في النصّ الثاني: "هامش على (طبائع الإستبداد) " ينبّهنا إلى ما فات عبد الرحمن الكواكبي – الذي لا أدري متى نغادر الوقوف على جثّته المعطّرة وقد مات قبل أكثر من مئة سنة ونحن نلهج كالببغاوات بأطروحة صارت عادية جدا ومستهلكة بعد قرن من التغيرات العاصفة ؟! .. هل أصبحنا ضمن "العوام" الذين شخّصهم كقوّة للمستبد لكن في الترداد الفكري ؟! - . يصحّح أحمد حافظ جانبا مهماً مما فات الكواكبي :

(فات الكواكبيَّ أن الإستبدادَ مشتقٌ من (الأبد)
فضاءٌ يوقدُ الأرضَ مطبخاً لشهوات السماء
ويسوقُ النهاراتِ زحفاً إلى حظائرِ الليل
هواءٌ ينحت الأشكال سنابل لمناجل الموت
ويمزّقُ المعاني موجةً موجةً فوق صخور السكوت
ترابٌ يعبُّ دماء الحاضر سماداً لبذور الأمس
ويرصفُ الخطى أدراجاً نحوصقيع الهاوية – ص 11) .

ولكن الشاعر يذكّرنا – شعريّاً طبعاً - بأهم انتباهات هذا الداعية حين التقط حقيقة خطيرة - ولو أنها استهلكت، لكن الشعر يتكفل الآن بفرك الصدأ عن وجهها – حين تُصبح الجموع المقهورة من مصادر قوّة قاهريها، وتصير السبب الأكبر في تطاول عذاباتها وطول أمد حياة طغاتها الأباطرة . قال الكواكبي في "طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد":

(العوام هم قوَة المستبد وقوته، بهم عليهم يصول ويطول ، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه علي إبقائه حياتهم، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، واذا أسرف في أموالهم يقولون كريما، وإذا قتل منهم ولم يُمثِّل يعتبرونه رحيما ).

وقد صارت الأطروحة هذه مكرّرة لا تهزّ أدنى شعرة دهشة في روحي المقبوضة وقد قتل الأمريكان الخنازير الطغاة وطني العراق في الشارع العام الدولي وتركوه ذبيحاً يُحتضر . لكن أنظر إلى ما يفعله الشعر . لا تصدّق أن المفكر الفلاني والداعية العلاني هم الذين يحرّكون الشعوب للثورات .. هؤلاء يثقّفون ويكشفون حقائق ويلاعبون العقول المضيّعة . لكن من يخز الأرواح المستكينة البليدة للتحفّز والإنفجار والثورة هم الشعراء حين تتحوّل كلماتهم إلى طعنات مواض:

(عِصِيٌّ أطولُ من التاريخ ، أغلظُ من اللعتات
أمضى من الصواعق
يهشُّ بها الرعاةُ على القطيع المتموّج
من دفقة الصلصال حتى نفير الصُور :
للسارحين في مروج الــ (نعم) ، الخاشعين لشبّابات
اليقين ، الطافحة ضروعهم حمداً ورضا، فسحاتٌ
يصرّفونها كيقما شاءوا: ثغاءً، قفزاً، اجتراراً ، سفاداً،
تناطحاً ... كلٌّ ومطالهُ ضمن الطابور القويم المؤدّي صباحاً

إلى ماكينات الحَلْب، ومساءً إلى باب المسلخ – ص 11 و12). أمّا النافرون بشمم – ومنهم الشاعر - من مسار القطيع الذليل ، فمصيرهم وعلاجهم هو الإقصاء . وهو علاج مخفّف كثيراً عن مصير المجلودين الذين شظّت دمدمتهم رأس الشاعر الأرق، وهم يسنّون مخالب نقمتهم على حجر "الآخ" المسنّن في قبو ليس ببعيد عن أرتال العبيد والأسرى في مركز تدمر:

(وفُرادى يُقصى النافرون إلى صحارى اللّا ، أو أدغال
الحيرة ، أو قمم العزلة
حيث لا نسيمَ إلا سياطُ الظمأ
ولا ضوءَ إلا أحداقُ الذئاب – ص 12) .

ولا أعلم هل يرضي نهج أحمد حافظ المخلص لهموم الإنسان المسحوق المعذّب ، وتعامله "المباشر" المخلص - ليس هنا حسب بل في كل ما يكتبه وفي سلوكه اليومي أيضاً – مع خسارات الناس المعذّبين المذلّين ، وتعرّضه شعراً لداعية "قديم" بطر يتحدث عن العامّة والسياسة والإستبداد والطغيان وطبائعه وغيرها، أقول هل يُرضي هذا التناول فرسان الحداثة الأشاوس؟ لقد قتلوا الشعر وعزلوه عن الناس وجعلوه مجموعة ألعاب لغوية تستر عجزهم وعزلتهم . لقد جرّدوا البشر المتعبين عندنا حتى من الشعر كمتعة وكسبيل تطهّر وانتفاضة روح أرهقتها الخسارات اليومية الجسيمة. كان الشاعر يكتب قصيدته فتتلقفها أيادي العشرات إن لم نقل المئات . أمّا الآن فالشاعر يكتب قصيدته لعصبة من النقاد والقرّاء يدّعون فهمهم لأطروحاته حول ألياف النحاس الهابطة من السماء وصندوق بانادورا وإسقاطات المربع الأزرق .. إلخ.

وبعد ان يوسّع أحمد حافظ أبعاد رؤياه وأعماقها بصورة مؤذية وفاضحة لمضاعفات الإستبداد وحال مسوخ الإستعباد الذي يجعل (اللفظ سلطاناً على المعنى، والزمن آلةً يديرها بنا (وعلينا) سادة الأمكنة) كما يقول، يوسّعها من الناحية الفكرية والسياسية العمليّة، يثير الرعب في نفوسنا بتحوّله المباغت نحو عوالم الداخل المظلمة حيث لغة الحلم الرمزيّة بتكثيفاتها وصورها اللامعقولة. يتحوّل ليكشف البعد النفسي الدفين لرؤياه في "الكوابيس" (ص 16 – 18) التي افتتح بها نصّه الثالث الذي حمل العنوان نفسه ، وخصوصاً الأول منها ، الذي صاغه في مشهد سينمائي مرعب يعجز عنه بعض مختصّي أفلام الرعب:

(.. سيلٌ يغمر شارع مدينة غريبة ، تحتضن طفلك . تلفُّه
بالمعطف ، وتركض . تركضُ . تـ .. ر .. كـ .. ضُ .. بحثاً عن
أيّة محطّة . حين تدركُ ، دائخاً ، أنّك لن تصل ، تكشفُ
الغطاءَ : أنفاسُ الطفل بطيئة ، وجههُ شمعٌ ، عيناه
تتدحرجان في الداخل .. – ص 16) .

وغالباً ما تُرسلُ الكوارث المقبلة رسلها قبل وصولها الفعلي .. تستشعرها مجسّات اللاشعور .. تلتقط أدقّ علاماتها لترسلها أحلاماً أو كوابيس تقلق عالم النوم؛ رسائل مفزعة لا يمكن فك ألغازها إلّا إذا تعاطينا مع معناها على مستويين: مستوى المعنى الظاهر – manifest content الذي يكون مضطرباً أو مفكّكاً لتحقيق التمويه على صراعات اللاشعور المنسربة في أحوال كثيرة (سيل يغمر مدينة .. تحتضم طفلك وتركض .. لا تصل .. عيون الطفل تتدحرج في الداخل .. إلخ) ، والمعنى الكامن – latent content حيث تلوب المخاوف والهواجس المقلقة التي تعلق بالنفس عادة من عالم النهار المرعب . والكوابيس الثلاثة تعكس القلق الدفين ، بل الخوف الداهم المروّع من "الإخصاء" وإفناء الوجود الشخصي ، واجتثاث "الأنا" الذي تحاول الفرار به بايّة طريقة وإلى اية محطة عصيّة . ومصادر التهديد بالعدوان تتجسد مصوّرة في الكوابيس الثلاثة عبر آليات الحلم في: السيل الكاسح ، وسمكة القرش، والعمالقة ذوي اللحى البرّاقة كالفؤوس على التوالي. أمّا الأنا المرتعب ، والوجود المفزوع المهدّد، فقد صوّره عمل الحلم – dream work الذي ينقل الصراع اللاشعوري المقموع والمكبوت من شحنات قلق إلى "صورة" - فقد ركّزه الحلم في : الطفل / طفل الآمال المُجهضة، وعصا المايسترو الدامية بين فكي سمكة القرش، وأخيرا جذوع الأشجار المجزوزة، وكلّها تعكس أيضاً رمزيّة الذكورة ، وهذا ما يبرع المحلل النفسي في إفساده في تحليل النصوص عادة .

لكن أحلام وكوابيس النوم ستصبح مضاعفة أمام المتلقي – قارئاً أو ناقداً - بعد "الصحو" ، أو "الإنتصار بالصحو" - كما يصفه الشاعر - والبدء بالتساؤلات التفسيرية الإستفهامية، لأن نصّ المبدع هو حلمه في الحقيقة، ويتراكب معناه في طبقتين: معنى ظاهر وآخر كامن. ويأتي الحلم النصّي التفسيري عبر سؤالين تصويريين: الأول يتساءل فيه الشاعر عن مصدر هذا "الصوت" المخلّص الذي أنقذه من دوّامة الكابوس الخانقة :
(لمن هذا الصوت؟

لطفلٍ لقّنه عراك الأشباح في القبو البارد مهارة كسر
زجاج النوم بأحجار اليقظة؟

أم لرجلٍ اعتاد أن يرى سهام حواسه في أبدِ الوحشة
الفاصل كلّ ليلة بين مقبض الباب والسرير؟ - ص 17) .

أما السؤال الثاني، فيتساءل فيه الشاعر عن السرّ الذي جعل هذا الصوت يبقى متّقداً مشرع الإمكان كل هذه السنين ، فينتفض فوراً، ويمزّق شبكة الكوابيس السوداء:

(ما الذي أبقاه كلّ هذه السنين متقداً قريباً :
وهمُ الفتوّة أنّ المنامَ مسرحٌ والصحوَ ميدان ؟
أم يقينُ الكهولةِ أنْ لا نجاةَ من تنّور اللجةِ إلّا بفيء
الشاطىء ؟)

ويأتي الفعل الإنقاذي لهذا "الصوت" ، الخفيض الحازم المنبثق من الأعماق ، بصورة سحريّة سريعة وناجزة ، وهي من عطايا الحلول الشعرية الحلمية التي تنجدنا حتى في حالات اليقظة ، ولولاها لأهارتنا المحن ، أو سلبتنا عقولنا ، وجُننّا . ويطرح الشاعر الحل الذي يترتب على الصحوة المخلّصة ، ويوصل إليها بخبرة توازي أو تفوق خبرة محلّل نفسي ، وليس غريباً أنّ معلم فيينا كان يرفع قبّعته للمبدعين ، ويؤكّد على أنهم حلفاؤنا ، بل وأساتذتنا نحن المحللين النفسيين:

("سأنتصر عليكَ بالصحو"
أيةُ ستارةٍ تُسدلُ ، فجأةً ، على منصّةِ الأعماق قبل
اشتعال الحبكة!
أيّةُ عصيٍّ يدسّها النهارُ في عجلات الليل!
أيُّ حبلٍ أملسَ يُدلّيه الوعيُ إلى بئر الباطن! – ص 18) .

هذا الشاعر المُحاصر بالكوابيس التي يواجهها بإرادة اليقظة الحديدية، هو في الحقيقة "الشخص" الحلمي – النيجاتيف - الذي سيتم "تظهيره" بعد قليل حين يُقتل عمداً، مغدوراً في ليلة شتائية، ويُترك طعيناُ طافياً على صقيع اليأس . لقد تمثّله الشاعر، وتماهى به ومعه، وسوف يعيّن هويّته في خنام حوار الدهشة أسئلة وإجابات، من خلال سؤالين بمفردتين، وإجابتين شعريّتين مفارقتين ، لتمثل كلمة السؤال غطاء المعنى الظاهر، وتشكّل عبارة الجواب نسيج المعنى الباطن:

( تنتصر؟
لو اطّلعتَ على ما تحت الجلدِ لرأيتَ شظايا كسورٍ وأخاديد
أنينٍ وكدماتٍ حارّةٍ لا تُحصى.
بالصحو ؟

هل الصحوُ إلّا ماءٌ مسمومٌ يرشّهُ جلّاد الوقتِ على غيبوبةِ السجينِ ؟)

ثم يأتي نصّ جريمة القتل ، ليعقبه النص الأخير في هذا القسم، وهو نص "الطريدة والصيّاد" الذي يحصل فيه توسيع مكمّل وهائل لرؤيا الشاعر، ولكن على مستوى فلسفي ووجودي عميق الآن . تتوسّع الرؤيا الآن من خلال موضوعة الصراع السرمدي بين الليل والنهار، وكأن الشاعر – حتى لو عن طريق انتباهات لا وعيه، لأن شعور الشاعر يكمن في لا شعوره – يبغي، وعبر الإيحاء الإلتفافي - وهو في صلب عملية الحداثة الشعرية - رسم صورة مشروعة "وربّانيّة" - لنقل ميتافيزيقية - للصراع كقانون أزلي في الحياة البشرية، وسيدوم هذا الصراع أبداً، ليحفظ توازنها ، بخلاف ما يبدو من توقّعات ونتائج عنفيّة وإكراهية في هذا الصراع الذي قد يكون دامياً .

والتصوير الذي يقدّمه أحمد حافظ، هنا، هو من عيون الجهود الشعرية في هذا المجال . قرأتُ الكثير عن موضوعة الصراع كقانون حياتي وكوني مرسوم، فلم يعلق بذاكرتي منها سوى قلة قليلة تفجّر مغازي التناقض الكوني المرسوم والمقدّر المستترة التي لم نعد نلتفت إلى معانيها العميقة بسبب الحرب على كل "قديم" التي تقودها العولمة، ومراوحة الوعي البشري في "الآن" المتكاثر المتحرك والمتلاشي بسرعة خرافية ليمزّق الهوية التي تتأسس على صخرة الإستقرار ، والذي لا يتيح لأي "عبرة" أن ترسخ في عقل وروح المتلقي. هذه هي نتائج معركة ظفر حضارة الصورة على حضارة الكلمة .. ولهذا يقتلون الشعر. ومحاولة أحمد حافظ لا تكتفي بتفجير معاني الصراع ومغازيه حسب، بل تنقل هذه الدلالات إلى الراهن المتخم بالصراعات "المحرّفة" التي تفرّغ هذا الدرس الكوني الصراعي من فلسفته ، لتجعله وسيلة لإشباع غريزة الموت، فتحوّل الصراع من مهماز للتطوّر ومفتاح للرقي بالمسيرة البشرية نحو الأعالي الروحية السامية، إلى جريمة قتل واغتيال. يستعين الشاعر بالروح السرديّة وبالعين السينمائية لرسم الحركة الأولى لليل / الضحيّة / الطريدة في القصيدة:

(حثيثاً، مطمئناً ، عارياً
باتجاه النبع
يمشي الليل .. إلى أن تباغته شِراك الفجر
بضع احتلاجاتٍ، وغمغمة، ثم يخمد – ص 22).

وهي عملية أسر مباغتة، و"اغتيال"، يقوم بها النهار للّيل السائر "في الليل"، في غفوة الطمأنينة الخدرة إلى دوره؛ يخفي النهار دور الليل ويصطاده ، يعطّل مسيرته، ليمارس، هو، دوره الضروري، ويبدأ مسيرته المرسومة .. ويمضي باتجاه "نبعه" حرّاً وحثيثاً ، مطمئناً وعارياً أيضاً. يمضي إلى "شغله" من دون أن يُلحق بالليل أيّ أذى .. لا يقتله ويتركه طعيناً طافياً على صقيع اليأس، ولا يعطّل سيره فقط. يأسره، فحسب، أسراً "ضرورياً" لحفز عجلة الكون الجبّارة اللازمة لبقائنا:

(لا يعرف النهارُ ماذا سيفعل بهذا الكائن الضخم
الصموت
يُحكم عليهِ الأقفالَ، ويمضي إلى شغله )

ولكن الأسير لا يستكين ولا تقرّ إرادته، لأن طبائع سيره الحثيث اليومي صارت جوهر وجوده وكنه حياته .. وتعطيلها أو تجريده منها تعني موته وفناءه، ولذا فهو يستميت من أجل انتزاعها واستعادة سيرورتها الدؤوب من جديد . هذا درس لنا في أهمّية الحرّية، وكرامة الإرادة، وضرورة الوجود الحرّ والسير الحثيث الآمن والعاري في الحياة تجاه نبع حياتنا. درس من الليل، وهو يدمي الجدرا ، ويشرخ البا ، ويشعل النوافذ ، لانتزاع حرّيته، وتحقيق الإنعتاق من ربقة أسر النهار :

(حين يعود [= النهار] إلى البيت ، يلقى الجدران دامية
الباب مشروخاً، والنوافذ مشتعلة
فيُطلق الأسيرَ .. فَزَعاً ، أو غيظاً، أو رأفة )

ومن جديد، لا يشتبك الطرفان ، الليل والنهار ، ولا يقتل أحدهما الآخر ، ولا يدمي الليلُ النهارَ طالباً ثأره. إن عين كلًّ منهما على "نبع" تجربته الضرورة التي يجب أن لا تتوقّف. ولم يكن التعطيل الذي سبّبته عملية الأسر أكثر من مقدار دور النهار ؛ مسافة بلوغه النبع وعودته .. وسوف تتكرّر التجربة غداً .. وكلّ غد .. وهكذا دوالَيكَ:

(.. دوالَيكَ ..
لا الليلُ يسلكُ درباً آخرَ آمناً
ولا النهارُ يقوى على قتل الطريدة )

وهذا هو درس الصراع الأكبر الذي يقدّمه أحمد حافظ . ويعتقد البعض أن الطبيعة حبلى بدروسها بصورة "آليّة"، لكن هذه الدروس، وبهذه الطريقة، هي دروس فجّة للعقول البليدة التي ستركد بالملاحظة الرتيبة المكرورة . وهذا ما يحصل, بل حصل فعلياً، وها نحن "نمرّ" بدرس الليل والنهار منذ آلاف السنين، عابرين متثائبين بلا اكتراث. الشعر هو الذي يفجّر العبر المستكينة في احشاء دروس الطبيعة وحركتها ، ويتلاعب بها، ويتخمها بالدلالات الفلسفية والوجودية العميقة، ويشحنها بالروح الدرامية المؤثرة التي تنفذ في نفوسنا ، وتصفع أذهاننا السارحة بعيداً، والغارقة في دخان الإستبداد وغبرة الإستعباد. لقد كشف الشاعر وجهاً آخر لا يخطر على بالنا من وجوه صراع الليل ضد النهار. فقد ترسّخ في وجداننا الجمعي أن النهار يُسلخ من الليل بهدوء، وأن أحدهما يغشى الآخر بسلام، وأن هذا سنّة كونيّة . ولم نكن نعرف مقدار عذابات الليل الدامية وجسامة معاناته بين أسر وانعتاق. لم نكن ندري أيّ آلام يتحملها هذا الليل القاتم الكتوم من أجل أن يتحرّر وينطلق ليكون لنا لباساً وأمناً . ولا الكيفية التي يتعامل بها مع أسره. لكن هذه هي دروس وعِبّر العلاقات الكونية الحكيمة بين الموجودات المادية أو المكوّنات المجرّدة، وليست علاقات بني آدم الذين أحالوا العالم إلى ساحة منازلة دائمة قاحلة ومظلمة حيث لا ضوء إلا أحداق الذئاب. لكن تبقى عملية التطويع والتحوير ، بل القلب الجذري لعلاقة الليل بالنهار، التي قام بها أحمد حافظ ، والتي طُبعت بالإحتدام النفسي والشعور العميق بالقهر والأسى بسبب "الجريمة"، منتقلاً من نصًها إلى نص الطريدة والصيّاد، تبقى هذه العملية في إطار التمنّي .. التمنّي الذي افتتح الشاعر نصوص كتاب يمينه بحرفه (لو) :

(لو كنتُ إبراهيم ،
لاعتذرتُ لإبني عن قسوة منامي .
لو كنتُ يونسَ ،
لكتبتُ روايةً عن جوفِ الحوت.
لو كنتُ من اصحابِ الكهفِ ،
لنقشتُ يقيني صوراً على جدرانه .
لو كنتُ نوحاً ،
لمنعتُ الضباعَ من ركوبِ السفينة
 
لو كنتُ غراباً
لدفنتُ قابيل )

وسلسلة الـ (لو) هذه تضمر روحاً تحرّشية بالمؤسس ، روح تحرّشي ينعش الشعر، ويوقظ أحاسيس النفس البشرية بالإقتدار والتحكّم ، فكل (لو) تعني التمنّي المغاير أو المناقض لما ثبت في الوجدان الجمعي لأزمان طويلة، ومجموعها سيمثل متناً داخل المتن الكتابي أو المتون الكتابية المقدّسة المعروفة. وهو متن جديد لو تحقّق – وهذا مستحيل في كون استعصى على الإنسان فيه أن يكون في مستوى غراب شاهداً ومربّياً ! – لما أصبح عالمنا مظلماً ولا ضوء فيه إلّا أحداق الذئاب.

هامش:

* حيث لا ضوء إلا أحداق الذئاب – أحمد حافظ – دار التكوين – دمشق – الطبعة الأولى – 2012 .


حسين سرمك حسن

ناقد عراقي

من نفس المؤلف