بائع الليف...

، بقلم عبد الجبار الحمدي

جاوز السبعين عاما من عمره المتليف هما، ركب الموت صهوته متى ما أعياه التعب حوله، يُلَوح له بسيف المنايا، يراه هو ثم يستعرض وجهه بابتسامة خالية من طعم المرح، فقد ضاعت بين أخاديد وجهٍ تموج قهرا من عدم تغيير حال، رافقه كهف فم مظلم بعد ان فقد كل سكان باحته، فما عادت تضفي بياض أمل، فقالت: أتراك تخيفني حيت ترفع سيفك فوق رأسي؟ أم تظن أنك أنتصرت؟ يا لك من ابله إن حسبت أني أخافك! كن واثقا أني قد مددت سنون عمرك قضبان طويلة بارت صدأ من تلوثها بأيام رطبة، لم أعد أكترث لمفاصل حياتي فيها، أني رفعت الراية البيضاء حين فات قطار عمري مسرعا دون توقف... لا أخفيك أظنه مرة أو أكثر توقف هنا وهناك، حين كنت أشد رحالي بعنفوان شباب، لم أكترث لعواقب دهرك، لكن ما الذي تقوله لإنسان زحفت القوارض الى خزين حنطته عِللاً، فقط كونه لا يروم العيش بين من باعوا سنابل الحياة الى تجار الطواحين الجديدة، لاشك أنك ستقول هذا حديث رجل خرف؟ أدرك هذا لقد سمعته من قبل، هاك أنظر إلي فما زلت غير عاجز عن كسب قوت يومي ودون مِنًة منك أو الآخرين، ها أنت تراني أحيك الليف لأبيعه، ليس من أجل تلك اللقمة التي يدبرها من خلقني وخلقك .. لا بل من أجل محاولة لبث رسالة بأن يغتسلوا من الرذيلة التي اكتسبوها ألبسة جاهزة، أرتدوها على قاذورات اجسادهم النتنة التي تفوح منها نواياهم الفاسدة، ماذا تريدني ان اقول لك؟ وأنت الذي طفت الأرض وحصدت الكثير من الاعمار الملونة في بقاء أرض، لكنك لم ترضى إلا ان يكون وطني مقامك الأبدي، آليت على نفسك فتح بوابات عهد جديد، بعد عهد مظلم، ظننت وظنك صحيح أننا مجرد قضبان عبور لمن تشتريهم ببطاقات مختومة برحلة اللاعودة، لذا تراهم يقطعون تذاكرهم من شباكك ذاك، الذي نَصًبت نفسك عليه بائعا لأعمار ومقدرات، بمعايير دنيوية من دماء الابرياء، ما أمكرك!! بل ما أمكر من ترومهم صواميل لقضبان أعمار شريفة، تعمد أنت بإشارة منك على فكفكة عرى فواصل وطني بهم، أنظر يا أنت الى ما احمله ليف وعكاز، هذا ما جنيته منك وممن رافقوا برحلة الشتاء والصيف... الذي باعوا ثمار الكثير بأسعار مبتورة مستحصلين خبايا اتفاقات جانبية، غير عابئين بمن يتسخ بقاذورات افعالهم، وسؤال أسألك هل تبقى تحوم حولي كثيرا؟ أم أنك ستبتعد الآن؟ دعني فقط أمرر عكازي على أرضي فقط لتشهد رائحة التربة التي حفرت فيها لنفسي قبرا بإرادتي، لست ممن ينشدون الغربة وطن، رغم أنك بسلطانك وجبروتك أجبرت الكثيرين على الهرب من جورك وظلمك، لكن ايضا هناك من عاد وهو يحمل بذور نواياك في تمزيق الصحيفة، أتذكر تلك الصحيفة التي أرسلت لها أرضتك ومزقتها إلا من بسمك اللهم... ما أجرأك على الله، أتراك تحب الجبروت سلطانا حتى تنصب نفك قاضيا وجلادا...

كان صاحب الموت يحمل منجله المعقوف على كتفه، ينصت بكل حذر الى ما يقول... طفقت تلك الجمل تشعل غيظه لم يستطع صبرا فرد قائلا: مهلا يا هذا ... مهلا..!! ما لك تكيل لي اللوم وانت أدرى بحال أممك السالفة والحاضرة، فما أنا إلا ملك مأمور احمل مناياكم مخطوطات بعناوين ومسميات، قُدر لي ان أكون فيها حكما وقاضيا وجلادا، لست ممن يغتصبون الاعمار إلا حين تسقط أوراقها، بعدما ثقلت بكل ما سطر فيها... قد يكون البعض ضحية؟! وذاك ليس جريرتي، فأنتم خَلَقُ لا يفقه معنى الحياة وقيمتها، نظرتكم دنيوية تتقاسمون أرزاق الغير شرها بين مرتادي المستنقعات الآسنة كاالخنازير، ثم تحولونها الى قطع حلوى... تلهمونها رغم تلك المرارة في آخر طعمها، لا تلمني على قذارة نفوس توشجت حتى أضاعت رأس خيطها، لا تنظر إلي بعين لا تتعدى مسيرة قضبانك، فأنا يا هذا .. ركبت السحاب دهورا أقعدت فيها طواغيت وجبابرة، انبياء ورسل.. على صراط الله المستقيم، فمنهم من سقط ومنهم من عبر، وما هؤلاء إلا امتداد لبذور عفى عنها الزمن وعفنت، إلا أنها نبتت على بلاء الآخرين وربت على اعمار ومقدرات من رفعوا الراية خنوعا وخذلانا، كيف لا أقتص ممن ترك أن يكمل مسيرة حياته لينزل في محطات غير المقدرة له؟ إني شرعت بسن هاته القوانين كوني مكلف، أما أنتم فمخيرون بين من يكمل الى مسيرته الى الفردوس، او يكملها الى جهنم، قد تختلف اشكال المنايا واساليب قصقصة الاعمار، لكن لابد لها من ريح عاتية تسقط اوراق التوليب التي تغطي عورات ما بداخل النفوس... أنني يا هذا أرفقُ كثيرا بأمتكم، لكن ما باليد حيلة، فأنتم أمة رغم ما بكم من نعمة، إلا ان دعوة سلطت عليكم لنفاقكم وفرقتكم، ما لكم سرحتم بالدين كأنه سلعة تباع وتشرى، تقسمونه عاما وتمنعونه عاما، توالون تارة من ينثر الاوجاع فرص بيع وشراء فقط كونكم خارج قوس الأذى، ألا تخجلون ممن أفاض لك بالروح والنفس، أم تشرع لي بالقول بأن النفس أمارة بالسوء، أي سوء أدهى وأمر مما تفعلون بأبناء أنسانيتكم؟ أنك يا بائع الليف قد أخطأت بالحكم... لا تظن أن ليفك هذا يستطيع ان يغسل طنان الأدران الذين أحاطوا أنفسهم بها، إنك كمن يريد ان يزيل بقعة سوداء بماء أسود، ثق أني حزين على أعمار تطايرت نتيجة خلاف دنيوي... فكلكم لآدم، وظني يا هذا أنكم خلقتم للدمار! فقد أختار الله البعض منكم وإن إختلفت المراحل والالوان بمن هو أرادهم، تماما كما اختار ان تكون له السطوة والجبروت حقا كونه المالك الأول والاخير، بل هو المكون الأول والأخير، لا أطيل عليك انه قدركم الاسود، هو الذي يحيك لكم مع عملاء تشبهوا بديانتكم وجلدتكم حتى يعيثوا في الارض الفساد, إذهب وحاول أن تجد من يمكنك ان تغسل أدرانه حتى لا يقتضي ان يقف في محطة غير محطته، إعمد على نصحهم بأن يبقوا نظيفي السريرة، لأنها هي الصواميل التي لا يمكن تحريكها إلا بقدرة من كونهم، ولا تحزن على من لا يصون العهد، تذكر العهود التي كُسرت عُرى وثاقها الأمم الغابرة، وجريرة الرياء والنفاق، حتى تقنع انك لا تعلم إلا ما ترى وتسمع، هاك أمسك بهذه...

تطلع فإذا به يرى ورقة شجر خضراء بثلثين أصفر، فسأل ما هذه؟؟

إنها ما بقي لكم من ارث في حياة، تلك يا هذا ما فعله من هم على شاكلتك، ممن باعوا الليف لغسل درون منذ الخليقة، ارايت الآن؟؟ انك لن تستطيع ان تزيح ما ظننت أنك قادر على فعله...

إنها نفوس ألفت الحياة الدنيوية قرابين بدماء الآخرين، حسبهم سلطان يورث من خلال دساتير كتب بأقلام وتسويات بشرية، تماما حسب رغبات اسلامية، حملت مقاييس الشرع والعقيدة بهتان الفجور والنتانة من ذلك المستنقع الذي راق لهم مذاقه، تذكر يا بائع الليف دوما أن الحياة الكريمة لابد لها ان تحيا عبقا سرمديا، رغم شرور النفوس العفنة، أمسك عليك ليفك وعد الى صومعتك وانتظر لقائي الاخير بك، واعلم أنه لا يمكنك ان تغير شيء حتى تغير النفوس قانونها الانساني، ألا وهو الرحمة والعدل.