حائطيات طالب المقعد الأخير ١٢

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

قبل أن أقول لك إن سعادتنا برسم البيع
الموسم هذا العام ليس دافئاً والعصافير التي تحب أشجار التوت
لم تنتظر المطر
مرّ الوقت سريعاً تماماً كتلك الغفوة التي تتلو منبه الصباح
والمدينة التي ركضنا فيها كانت تعج بالأحصنة
كان يجب أن نردم الخنادق كي لا تضيع سفننا الورقية
البحر أصبح طفلاً سميناً فقد زر بنطاله
أتنفس هواء الحدائق برسم دخول
وأشاهد البحر ببطاقة دخول
ولا أذهب إلى السينما
في الصباح ألبس بدلة العمل وربطة عنق
كما كنت ألبس بدلتي المدرسية و«فولاري» الجميل
لكن أين تلك الخمس ليرات التي كان فيها عطر أبي!
قبل أن أقول لك إني سعيد معك لا تغيبي عني طويلاً
أكره البحث عنك في هذا العالم الافتراضي
ولا أعلم إن كنتِ قد سمعت مثلي أن غوغل يخطئ في الأسماء كثيراً هذه الأيام
 
***
لا دكاكين عطر في حارتكم، إذن حدّثيني عن الغد
أعرف أن الموضة حزينة هذه الأيام وأن اللون مفرقعة تكبر بأول شظية
وأنا لا أحزن كثيراً إلا حين أغلق باب الغرفة وحيداً
وأفجر نفسي حينما أفتح حقيبتي القديمة
كان القمر يزور قريتنا ويحمل في جيوبه قطع نقود قديمة
لا تكفي الولد ليشتري قطعة حلوى
ولا أذكر أن أحداً من قريتنا كانت هوايته جمع النقود القديمة
كنا نبيع عشر حبات بيضٍ بقطعة بسكويت
ونعلق على أفخاذ القمر البيضاء أمانينا
أن نشتري جراراً يحرث الأرض ويحمل الفلاحين أيام الشتاء
لا دكاكين عطر في حارتكم والقمر أحدب هذه الأيام كقطعة موز
وهذا العالم كبير كالغوريلا
مع ذلك وضعتُ ربطة عنق حمراء ولبست طقمي الفاخر
وأعرف أن الطريق إلى بيتكم موحل
***
أحبكِ لأنك تشبهين قريتي فاحفظي سري حين أسافر إلى المدينة
صار لي زمن لم أشاهد مباراة كاملة
ألبس الشعارات وأبتلع الهتافات
منذ أن تشاجر الفريقان في الملعب وألقوا القبض على الجمهور
لم أعد ألبس قميص فريقي المفضل
قالت لي أختي هذا الصباح إن أمي تنظف البيت كثيراً هذه الأيام
وإن الضيوف بأحذيتهم الترابية يدعسون سجادة بيتنا
تلك السجادة التي نسجها جدي ذات صيف مقمر
عندما كانت جدتي بمشيتها المقوسة تنقل الوسائد الثقيلة إلى السطح
لدي الكثير من الأسرار، والبحار هنا أرهقتها السفن
أعرف أنك كقريتي تخبئين أسراري حين يشتد الليل
وعند الصباح توزعينها على النسوة اللاتي يجلسن أمام عتبة البيت
بالمناسبة هل قلتُ لك إني
كنت ديكتاتور طفولتي
ألعب الكرة بالحجارة
وأمزق ألعاب أولاد الجيران
وهل تعلمين أنك الآن حدقة عيني التي لا تصل لها الدماء
مهما امتد الجرح في جسد هذا العالم
***
البطاقة التي سقطت مني في السوق ربما
أو في القميص الذي وضعته أمي في الغسالة في يوم جمعة ما
كانت تقص آخر حكاية قبل أن أقص قالب الحلوى
لا تسألي الدخان الممتد كالشرائط في الأسواق المكتظة عن رائحة حطب القرى
ولا تسألي عن الذي مر عارياً في هذا الشتاء العاري
لمَ حدّق طويلاً في البطانيات الرمادية تلك التي رسمت عليها النمور
لم تغره الشفاه الساخنة ولا جوارب المومس الطويلة في هذا الشتاء الطويل
هل قلت لك إني أحب الحياة وحين أسهر مع الأصدقاء
أسرد ذكرياتي مع جارتي حياة
البطاقة التي سقطت منّي سقطت مني كما يسقط الجميع
لا تسأليني لمَ أضع يدي كثيراً عند عتبة الأبواب
ولا تطبقي الباب على أصابعي النحيلة حين تخرجين