برنامج جاري يا جاري

، بقلم زكية خيرهم

أثار انتباهي في برنامج جاري يا جاري «المغاربي» الذي يقدمه تلفزيون «ميدي 1» الفريق الذي يتكون من الممثلة المغربية القديرة منى فتو، المتألقة في العديد من الأعمال السنيمائية والتلفزيونية والمسرحية، والممثل الكوميدي حمزة الفيلالي والاستاذة الجامعية التونسية أيمان عميري والكاتب الممثل المسرحي الليبي ميلود عمروني والاستاذة الجزائرية ياسمين بن حمو الحاصلة على ماجستير في الدراسات والأبحاث التجارية والموريتاني الدكتور في القانون مامادو. يقدم البرنامج عادات وتقاليد وحياة الشعب المغاربي من موريتانيا إلى ليبيا بطريقة طريفة، و يستقبل ضيفا من إحدى الدول المغاربية الشقيقة، ثم تتم مناقشة موضوع اجتماعي عن العادات والتقاليد التي تشترك فيها هذه الدول الخمسة في الاختلاف والتشابه كالعديد من البرامج في الدول الغربية تتم فيها مناقشة المواضيع بطريقة حضارية بعيدا عن الشجار والصراخ الذي عهدناه في العديد من قنوات الفتنة عندنا بغض النظر دينية كانت أوسياسية بل حتى رياضية.

تبدأ الفنانة القديرة منى فتو بأجمل تقديم يقرب الشعب المغاربي أكثر فأكثر مكتشفين أنفسهم من جديد، بعرض التقاليد التي تجعل شعوب هذه المنطقة متقاربة متوحدة وتظهر اختلافات وتقارب يزيد من تميز هذا المغرب الكبير. كم تمنيت أن ينضم إلى هذا البرنامج مصر والسودان لكي يشكل المغرب الكبير من المحيط إلى الخليج. خصوصا وأن كثير من الدول العربية في هذه الحقبة المظلمة العصيبة التي يتغلغل فيها الفساد والحقد الديني والطائفي والعرقي والذي سبب لشعوب هذه الدول بالهجرة والتهجير القسري والانتحارات والتفجيرات والذبح عن الهوية.

تصوّروا، إن أزيلت الحدود بين هذه الدول المغاربية ونسافر ببطاقاتنا الشخصية مستغنيين عن جواز السفر. بطاقات تحمل اسم المغرب الكبير. لو اتحد هذا المغرب الكبير سياسيا واقتصاديا لما احتاج شبابنا أن يمتطي زوارق الموت للبحث عن حياة كريمة ولا للغرق في البحر الأبيض المتوسط لتطفو جثثهم وترجعها الأمواج على شواطئ أوطاننا. فوطننا الكبير مليء بالثروات المعدنية والسمكية والزراعية. مليء بعقول نفتخر بها، عقول مغاربية عبقرية ومواهب، الكثير منها هاجر إلى المهجر يستفيد من طاقاتها الغرب هناك، في حين نعيش نحن في هذا الوطن الكبير على أمل التطور والحياة الكريمة. يمكن أن يحصل ذلك لو تمت الوحدة المغاربية، يمكن أن نصبح دولا متحضرة غنية لو تخلى هؤلاء السياسيون على جنون عظمتهم وأمراضهم النفسية. لماذا علينا نحن الشعوب أن نعيش فقرا وبطالة وهجرة غير شرعية في حين هذا الوطن الكبير غني بكل شيء ويكفي الشمس التي يتمتع بها. هذه الشمس التي يأتيها السواح من اوروبا. كم أحلم بهذا الوطن المغاربي أن يكمل بعضه اقتصاديا وتمد كل دولة الجوار ما تفتقر إليه الدولة الجارة الأخرى، ويعمل المواطن المغاربي في أي دولة من هذا الوطن الكبير ويتنقل هو وعائلته أو يقطن في أي مكان من غير أن أن تصده اسلاك الحدود وأشواكه.

في السنوات القليلة الماضية لاحظنا ظاهرة المدّ الشيعي في المغرب العربي، مما أثار تخوف الحكومات والشيوخ الذي ستنزلق كراسي منابرهم أيضا، فأصبحوا يخطبون فتنة وعدائية للمتشيعين وللشيعة بل بعضهم ينفث حقدا وكراهية للشيعة ويحث عّلى محاربتهم وقتلهم. وأنا أتساءل لم هذا الكره الأعمى لهذه الطائفة؟ ألا تؤمن بالله ونبيه. أصبح العدو الأول لمشايخ السنة هم الشيعة وليس اسرائيل. في اغلب القنوات الاسلامية حرب اعلامية نكراء ضد هذه الطائفة. أليس من حق الفرد أن يؤمن بأي دين أو مذهب يريد. هل هؤلاء الشيوخ يريدون أن يتعاملوا معنا بأسلوب قساوسة القرون المظلمة في اوروبا؟ لا يرضون عنا إلا بمفاتيح مذهبهم وإلا مآلنا جهنم. كم في أمتنا من محيطها إلى خليجها لا دينيين وملحدين، ولا مرة تخوفت هذه الشيوخ من هؤلاء بقدر تخوفهم من الشيعة. يعني اللهم ملحد ولا شيعي واللهم اسرائيلي ولا شيعي. في دولنا اطفال تتسكع في الشوارع من غير مأوى وتتعاطى إلى المخدرات والفقر المزمن ومجرمي المخدرات وخمارات وبارات، لكن الشيعة اشد من كل هذا بالنسبة لشيوخ الفتنة. أين نحن من دول الغرب في انسانيتها ورقيها؟ في دولة النرويج المباركة اجانب من دول مختلفة يعتقدون بأديان مختلفة، فتجد هنا مساجد ومعابد وكنائس وحسينيات. الدولة تدعمهم بالمال لكن هناك قانون فوق الجميع. هل يمكن لدولنا أن ترتقي إلى هذا المستوى تؤمن بحرية الأديان. هل يمكن لشعوبنا أن تكون حرة في اختيار دينها وتخضع لقانون الوطن لايفرق بين سني وشيعي أو غيره. هل يمكن للشعب المغاربي ان تعددت طوائفه في المنطقة ألا ينزلق لسبب أو لآخر لحرب أهلية كما في لبنان وسوريا والعراق؟ ألا يكفينا الحساسية العرقية التي تندلع بين الحين والآخر بسبب نكتة أو همزة أو لمزة؟ متى يمكن لشعوبنا أن ترتقي قبل اعتناق الدين اللاسلامي إلى اعتناق الدين الإنساني الذي يحترم

الانسانية بغض النظر عن عرقها أو دينها. لي صديق قال لي يوما لابد من هذه الثورات العربية حتى يعم الاسلام وتتحقق حلم الأمة الاسلامية الواحدة. قلت له اي اسلام تريده لهذه الامة؟ شيعية ام سنية أو وهابية وأين اخواننا المسيحيين في أمتك هذه؟ أو هل تريد اسلام داعش تتر القرن الواحد والعشرين؟ استشاط غضبا وخرجت من فمه كلمات متقطعة ممتلئة بالأسف ممزوجة باللعاب والأمل، متشبتا بحلمه ودوغماتكيته على أمل أمة اسلامية واحدة.

ما أجمل قول الفنان العالمي الجزائري المغربي الشاب خالد حين قال، "أتمنى أن يضغط الفن على السياسة بالحب وأن تصل بهذا الحب الرسالة ويضيف قائلا، انظروا إلى أوروبا المتوحدة، فلماذا لا يكون هذا المغرب الكبير أيضا متوحدا مفتوح الحدود، تتنقل شعوبه داخل هذا القطر الكبير بحرية مستغنيا عن جواز السفر."

الكاتب والسياسي البريطاني جورج غالوي حين قالت له طالبة لبنانية لا يمكن أن يتوحد العرب مادامت هناك تدخلات من دول كأمريكا وايران والسعودية وبريطانيا. أجابها: "يمكن للعرب أن يتحدوا في أي وقت يشاؤون، لكنهم لا يريدون، وهنا تكمن المشكلة. لقد كانت رسالتي للعرب منذ أربعين سنة حتى الآن. الشيء الوحيد الذي يمنعكم من التوحد هو أنتم أنفسكم. لا أمريكا ولا غيرها يمكنها الوقوف في و جه وحدة اللبنانيين، ولا في وجه الوحدة بين لبنان وسوريا أو بين لبنان وسوريا والعراق. لا يمكنهم منع العرب من أن يتوحّدوا. العرب وحدهم من يقف في وجه وحدتهم بأنفسهم. مادام الناس يجلسون في المقاهي معه نرجيلاتهم ملقين اللوم على الغرب والأتراك وأمريكا وغيرها. فإنكم ستبقون دوما مقسمين. ومادمتم مقسمين فستكونون ضعفاء ويسرقون ثروتكم. هذا ليس علم صواريخ أو أنكم لابد أن تكونوا أينشتاين حتى نفهموا المعادلة. الوحدة قوة . كفوا عن الكره الطائفي والديني. عددكم ثلاث مئة وخمسون مليون نسمة وإلهكم واحد وتتكلمون لغة واحدة. نحن في اوروبا نتكلم مئة وخمسين لغة. تخيلوا القوة التي يمكنكم التمتع بها ان اجتمعتم. لكن ما دمتم تلومون الآخرين على تفرقتكم لم تتوحدوا أبدا. لا يهم الغرب شيعيتكم ولا سنيتكم، إنهم لا يعرفون عنها شيئا ولا عن دينكم وصيامكم، ما يهمهم في تفرقتكم هو تقسيمكم وجعلكم تقتلون بعضكم بعضا.


زكية خيرهم

كاتبة مغربية مقيمة في النرويج

من نفس المؤلف