انحباس الأمطار والجهل بالطبيعة

، بقلم جميل السلحوت

عندما كان المسلمون يفهمون دينهم الصحيح سادوا العالم، بتفوقهم العلمي في مختلف مجالات العلوم، وأسّسوا للعلوم الحديثة، وتنازعوا فيما بينهم، وتفرقوا، وتوقفوا عن العلوم والغوص في بحورها، وتركوا انجازاتهم لغيرهم ليبنوا عليها، الى أن وصلوا ما وصلوا اليه من تقدم في مختلف مجالات العلوم، فعلى سبيل المثال أثبتت الأبحاث العلمية، وتعاقب السنين، أن منطقة شرق البحر المتوسط تخصب سنة من كل اربع سنوات، وهذا لا يشترط الترتيب، بل هذا هو معدل سقوط الأمطار عبر تاريخ هذه المنطقة، وفي هذا العام تساقطت الثلوج على المنطقة في 10 كانون اول-ديسمبر- 2013، وقد تنبأت الأرصاد الجوية في الدول المتقدمة «الكافرة» بتلك العواصف الثلجية قبل نزولها بأسابيع، بناء على دراساتهم العلمية، ونتاج أجهزة الرصد الجوي المتطورة عندهم، وانحبست الأمطار بعد ذلك حتى ايامنا هذه عن منطقة شرق المتوسط، ووجدنا من بعض مشايخنا «العلماء» من يعزو في خطب الجمعة انحباس الأمطار الى "استهزاء السفهاء منا بالعاصفة الثلجية" والى «غضب الله سبحانه وتعالى على الأمة لأنها ابتعدت عن الله سبحانه وتعالى فابتعد عنها»، والى غير ذلك من تفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان، وذلك لعجزهم عن التفسير العلمي للظاهرة، ولم ينتبهوا الى تعاليم الدين الحنيف بالتفكر في خلق السماوات والأرض، يقول تعالى ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )

وواضح من الآية الكريمة أن التفكر "في خلق السماوات والأرض" من صفات ذوي الألباب أي العقول، فأين العقول التي تبحث في العلوم الدنيوية، خصوصا وأن خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام يقول" أنتم أدرى بشؤون دنياكم" واذا كان الغيث لا ينزل الا على المؤمنين- ونحن المسلمين لا نرى مؤمنين غيرنا- فلماذا لا نتساءل عن سبب نزوله على بلاد "الكفار" بغزارة، وأن الخصب يعمّ بلادهم، وأن لديهم فائضا من المياه يزيد عن حاجتهم للشرب، وحاجتهم لريّ أراضيهم؟ بينما نحن نعاني من الجفاف، وحتى النقص في مياه الشرب. فهل يعاقبنا الله دون غيرنا من البشر، ويحبس الغيث عنا؟ وهل يخص "الكفار" بخيره ونعمه دون المسلمين.؟ وهل تنحبس الأمطار بناء على سخرية "سفيه" منا؟ ولماذا لا يستجيب الله لدعوات وصلوات مؤمنينا؟ وهل مسلمو البوسنة والهرسيك واندنوسيا وجنوب شرق آسيا وتركيا وافريقيا باستثناء شمالها العربي، أكثر ايمانا منا نحن المسلمين العرب؟ فهم لا يعانون من القحط والجفاف؟

ان عدم فهم الدين الصحيح، وعدم مواكبة العلوم الحديثة، والجهل والايمان بالخرافات، هي سبب ما نعانيه من تخلف على مختلف الأصعدة، وهذا ما يؤدي ببعض من يدعون العلم بعلوم الدين - وهم في حقيقتهم أجهل الناس فيه- يُكفّرون من يتعارض مع طروحاتهم، ولا يقبلون اشغال عقولهم حتى بفهم حقيقة الدين الصحيح. ويرون في العلوم الحديثة كفرا بائنا، وهم لا يؤمنون بالتخصصات العلمية المختلفة، فقد ظهر أحدهم على شاشة فضائية الام بي سي يفاخر بأنه لم يرسل أبناءه الى المدارس في السعودية بحجة أنها مدارس علمانية، ولما سأله الصحفي الذي يقابله عن علمانية المدارس أجاب:انها تدرس الرياضيات! فهل دراسة الرياضيات كفر؟ علما أن الرياضيات هي أساس كل العلوم الحديثة، وهل علماء الرياضيات كفار والعياذ بالله؟

وفي حوار على نفس الفضائية شارك فيه استاذان جامعيان سعوديان، واحد منهما متخصص في جراحة الدماغ، مع مشعوذ يعالج بما يسميه" الرقية الشرعية"ويستعملون الضرب المميت لعلاج مرض الصرع المعروف، ولم يقتنع المشعوذ برأي الطبيب بأن الصرع مرض يصيب الدماغ، ويعالج بالجراحة، وان"الله خلق لكل داء دواء" والأنكى من ذلك أن جراح الدماغ ذكر أن حالات وصلت الى المستشفى وأصحابها قتلى من ضرب المشعوذين، ولم تفتح ضدهم قضايا جنائية لعدم وجود نص قانوني على ذلك!!

فهل قتل هؤلاء المرضى يبيحه الدين الذي ينص على أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، وأن قتل النفس من الكبائر؟ وهل فضح هذا الجهل كفر؟

فمتى سنتحرر من الخرافات؟ ومتى سنعود الى الدين الصحيح؟ ومتى سنواكب العلوم الدنيوية؟