الكمأ.. والربيع في ذاكرة الماضي

، بقلم نايف عبوش

لم يعد يفصلنا عن الدخول في موسم الربيع سوى بضعة ايام من الان.وتساوقا مع عنوان المقال،لابد من الاشارة الى ان هطول المطر بغزارة في وقت مبكر من الخريف في بعض الأعوام،كان ينظر اليه على انه بشارة يمن تزيح هموم راعي الغنم،وتطرد مخاوف الفلاح،وتزيل غبار الارض المتربة، وتبعث في الناس دواعي السرور، وتكون من واقع خبرتهم معها مدعاة لان تشيع الأمل بينهم بريع غزير،حيث يغمرهم شعور حالم بالبركة، كلما تطلعوا الى السماء وهي تتلبد بالغيوم، وسمعوا قعقعة الرعد،اثر ومضات برقه الوهاجة التي تتداخل مع هطول المطر المنهمر غدقا في بداية الموسم،بما اصطلحوا على تسميته في دارج لهجتهم بالوسم،حيث عبق رائحة الارض التي يثيرها نزول الغيث المبكر،يبشرهم بربيع واعد ، يستجلب لهم معه الرزق زرعا، وضرعا، وكلأ، ومناخا كريما،ولعل من بين اول ما يخطر على البال، بعد نعمة الزرع، هو الكمأ، والفطر، والخباز،والكعوب.وكما هو معروف، ولاسيما لدى ابناء البادية، والريف،فان الكمأ ينمو بكثرة مع الأمطار الغزيرة المبكرة، المصحوبة بعاصفة رعدية، التي تصادف عادة نهاية الخريف، وبداية الموسم الشتوي،وتنعت عندئذ بسنة الوسم،حيث اعتاد الناس ان يستبشروا بمثل تلك المواسم خيرا،حتى قال قائلهم في ذلك عتابة لطيفة منها:
هلي يا غيمة البيها البريجاي

بيها الخير واجد والجما.....

والكمأ نوع من الفطريات التي تنمو تحت الأرض، متعايشة مع جذور نباتات أخرى.فالكمأة وهي بهيئة درنة البطاطا،تنمو مخفية تحت الأرض، من غير زرع أو سقي من احد، فهي منّة من الله تعالى رزقا لعباده، فلا ورق لها ولا ساق، ولا تظهر للعيان الا كنتوء منتفخ في التربة،او بعد ان تتشقق الأرض عنها عند اكتمال اوان نموها بهيئة فقع بسطح التربة، وتعتبر من أطعمة أهل البوادي والريف ،ثم المدينة مؤخرا. وتنمو بكثرة بأرض البرية المتموجة،وسفوح التلال.
وبقدر تعلق الامر بالكمأ كرزق منّ الله به على عباده حيت لا شان لهم برعايته،فقد ورد ذكر المَنّ في القرآن الكريم،في قوله تعالى: ﴿ وَظَلَّلنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)..

كما ورد ذكره في الحديث غذاء ودواء، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءٌ للعين).وهو ما اثبتته الدراسات العلمية في الوقت الحاضر.

وقد عرف العرب الكمأ منذ القدم ،فمن طريف ما يروى ان (تأبط شراً) وهو أحد شعراء الجاهلية الصعاليك الذين عاشوا في بادية الحجاز بديار قبيلة (بني فهم)،قالت له امه في زمن الكمأة، ألا ترى غلمان الحي يجتنون لأهليهم الكمأة فيروحون بها؟ قال اعطيني جرابك،حتى اجتني لك فيه، فأعطته، فملأه لها افاعي،فلما راح اتى بهن متأبطا جرابه،فالقاه بين يديها، ففتحته، فتساعين في بيتها،فوثبت،وخرجت،فقال لها نساء الحي: ماذا اتاك به ثابت؟ فقالت اتاني بأفاع في جراب ، قلن وكيف حملها؟ قالت : تأبطها، قلن:تأبط شرا، فلزمه تأبط شرا.

ويتنوع الكمأ لونا ،وطعما، بحسب نوع التربة التي ينمو فيها،حتى ان احد ادباء التراث الشعبي في الديرة ضرب بتنوعها المثل، لتنوع الناس في سجاياهم عندما قال عتابة منها:

أثاري الناس يا خلّي مجاني... الجما، ما كل اراضيها سوا

وفي عز الربيع عند ما يحين اوان جني الكمأ، كان الاطفال، ورعاة الأغنام، وبعض الهواة من الناس من اصحاب الخبرة في مجاني الكمأ المعروفة بوفرة الكمأ فيها، يرتادون تلك الاماكن لجنيه منها، حيث يمشي الجاني منهم مطرقا رأسه الى الارض،مركزا نظره بعينيه امامه ،حتى اذا ما شاهد نتوءا بارزا ،او رأى فقاعة طينية متشققة ،فانه يبحثها بإبهام قدمه، او بعصاه، او بالة تشبه الفأس،وهي شفرة حديدية مستوية حادة النهاية مثبتة في طرف العصا، مخصصة لاستخراج الكمأ، يطلق عليها في اغلب اطراف الديرة (اللّابوثة) ،ويجني بها الواحد منهم ما يتاح له من رزق من الكمأ، ليملأ جعبته، ويعود بها الى البيت بما رزقه الله منه من الارض الطيبة.كل ذلك كان قبل ان تكون للكمأ مزارع صناعية ،وقبل ان توجد له محميات طبيعية،ليصبح جني الكمأ اليوم عملية تجارية.

لقد كانت ذكريات جني الكمأ في الربيع على الطبيعة ممتعة حقا ايام زمان.