مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب!! «١٢»

، بقلم رواء الجصاني

50- الصكـــار والجواهري

... وإذ تكون هذه اللقطات التوثيقية، عن بعض خصوصيات الجواهري، في طريقها للاكتمال، أو تكاد، في غالبها الاعم على الاقل، حمل الاثير خبراً مؤسياً آخرعن العراق ومن باريس هذه المرة، وذلكم هو رحيل المبدع الجامع، والانسان: محمد سعيد الصكار... وهكذا تُستفز الذاكرة فتطفح ببعض محطات ذات صلة، وأولها حب الجواهري، المعروف، وتقديره للفقيد الجليل . وهو حبٌ متبادل على ما نزعم، تميز بمواقف ووقائع عديدة أشهد أن من بينها، سطور رقيقة أسف فيها الشاعر - بسبب سفره- من تحقيق رغبة الصكار، الزائر براغ، باللقاء معه اوائل الثمانينات الماضية. وقد حملت تلكم السطور، أمانة، لمبدعنا الراحل، حين التقيت معه في باريس، في مهرجان الشبيبة الشيوعي الفرنسي عام 1982 فحملني ردأ قوامه "قبلات بلا حدود" للجواهري، مع مجموعة من الكتابات والاصدارات.

وفي تلكم الفترة، أو بعدها بقليل، يخط الصكار، ويهدي لوحة متميزة، لبيت متميز من شعر الجواهري، ونصّه:
أنا العراقُ لساني قلبهُ، ودمي فراتهُ، وكياني منه أشعارُ

وقد بقي ذلكم الابداع يتصدر صالون مضافة الجواهري في دمشق، ومنذ اواسط الثمانينات، اعتزازاً باللوحة الفنية - الشعرية، وبمكانة صاحبها...

... وبحسب علي وجيه، فأن الأعمال الشعرية الكاملة للصكَار ضمت ثلاث قصائد ذات صلة بما نوثق له، هن: بطاقة إلى الجواهري، أبا الفرات، ورسالة من أبي فرات. ومنها الابيات التي جارى بها الفقيد رائية الشاعر الخالد في رثاء عدنان المالكي في دمشق عام 1957:

أبا الفراتين، هل كانتْ مكابرةً، ألاّ نصدّقَ أنّ الدهر أقدارُ
وهل تجاوزَ قدرَ النفسِ ذو ثقةٍ، منا، وهل خفَّ في الميزان معيارُ؟
أم المروءة أغوتنا، فغالَطَنا، على المروءة قوالون تجّارُ
حتى غدا الليلُ قبراً، والصباحُ دماً، وضاع في غمراتِ الموجِ بحّارُ..

كما أذكر هنا حماسة الصكار، حين تصدى، مع عصبة محبة من الادباء، لما حاول ان يتطاول به ناقد مصري أسمه محمد النويهي، على الجواهري، في مهرجان "المربد" - البصرة عام 1969 فنظم الفقيد بيتين بقيّا معبرين عن موقف جاد، وان جاء بشكل مازح، وقد ثبتهما محمد حسين الاعرجي في عديد من كتاباته، وانقلهما هنا، مع استبدال كلمة واحدة، عن الحلال والحرام!:

نقدُ النويهــــيّ لافذاذنــــــا، منقصةٌ ما بعدها منقصه
قد كتبَ" الدهرُ" على"إستهِ"... سيدخلُ الجنة من بعبصه!!!

وقد استذكرت مع الصكار، ذينك البيتين، خلال مشاركتنا في فعاليات الاحتفاء بمئوية الجواهري في اربيل خريف عام 2000 والتى فاضت بأحاديث، وشؤون جميلة اخرى، كان فيها سيد الجلسات، وملحها، وكعادته.

51- أميرة تحكي عن بعض شؤون ابيها

في احدى اماسي دمشق عام 2000 قالت لي "أميرة" وهي بكر الجواهري، والاحب والاقرب اليه - بشهادة الجميع على ما أدعي- أن والدها كان في البيت أكثر من حنون في العلاقات العائلية. وكان لا يميز بين الابناء الاربعة والبنات الثلاث، فهو خيمتهم جميعا..

واسأل "أميرة" عن بعض يوميات الجواهري وبيتياته، وخاصة في الاربعينات والخمسينات، حين كانت تتحمل شؤون البيت مع الخالة / الام "أمونة" وتقول لي انه كان انسانا اعتياديا، أباً وزوجاً لا يحب البهرجة في الملابس وغيرها، ولا الشكليات الزائفة. قنوعاً في المأكل والمشرب، ودوداً في التعامل مع الغير، ولكنه واثق الخطى والرؤى على الدوام. محبا للجلسات الصداقية وان كانت ليست كثيرة، وأغلبها مع الاقربين.... أما مع والدته، فاطمة بنت الشيخ شريف، فهي اكثر من حب ورعاية وعناية، بل وتقديس.

ثم كان لابد ان ان يتطرق الحديث الى مقامة الجواهري، مزارعاً!! في منطقة "علي الغربي" التابعة للعمارة جنوب العراق، وذلك منتصف الخمسينات الماضية، لنحو عامين. وباستثناء المعروف عن تلكم "المقامة" ثمة حادثة مهمة، وأستثنائية جرت هناك، دفعت بزوجة الجواهري"أمونة" واخته" نبيهة" وأنا صغيراً ذا خمسة اعوام، مصحوباً معهما، للسفر الى "علي الغربي" لملاحقة تلك الحادثة- الواقعة، أو النزوة الجواهرية على الاصح، وقد تفاجأ الشاعر المتمرد بـ"الوفـد" القادم اليه من بغداد، ثم لتحسم الامور بعد فترة وجيزة، وتصبح في خبر كان، كما يقولون. أما عن التفاصيل فقد "منعني" نجاح، نجل الجواهري الثالث، من البوح بها، وها أنذا أستجيب .

52- الجواهري يحتل مكان العروس

كان الجواهري يحضر في براغ، بين حالة وأخرى، وبحسب المزاج، مناسبات عامة هنا، واخرى شخصية هناك، وليبقى خلالها وقتاً محدوداً في الكثير من الاحيان ... ويحدث ان يَعقد كل من "يسار صالح دكلة" و"عبد الاله النعيمي" قرانهما عام 1985 ويُقام حفل اجتماعي بتلك المناسبة في احدى الصالات الانيقة، دُعي اليه جمع واسع من الاهل والاصدقاء والمعارف، يتقدمهم الشاعر الخالد وزوجته، الذي دخل القاعة مرحاً، وكأنه هو العريس
..
ثم، ولمحبته الخاصة لعبد الاله، وكان يسميه بـ "الامير" نسبة للوصي على عرش العراق حتى عام 1958: الامير عبد الاله، يروح الجواهري فيجلس الى جانبه، في صدر القاعة، وفي مقعد العروس بالذات، الذي كان شاغرا برهة. ويستمر الوضع على هذه الحال، فلا احد يستطيع ان يطلب من الجواهري تغيير مكانه، بل ولا حتى ان ينبهه الى ذلك. والى ان انتبه هو شخصيا للامر بعد فترة، فأنتقل لمكان مجاور، تاركاً العروسيين جنبا الى جنب، يستعدان لقفص الزوجية، والذي حصيلته الى الان على الاقل: فارس، وعمر ..

53- موقـــف مع وزير خارجية

بعد ظهر يوم عطلة ربيعي في براغ، عام 1991 كان الجواهري في حانة شعبية لتناول الغداء، وكنا معه: أنا ونجله نجاح، وإذ بوزير خارجية النظام الجديد في تشيكوسلوفاكيا، ييرجي دينتسبير، يصل الحانة ذاتها، مع بعض اصحابه، ليجلسوا قبالتنا، يأكلون ويشربون بكل بساطة وطبيعية ... وبعد قليل لاحظنا ان الشاعر الخالد قد تغير مزاجه قليلا، ثم إرتأى الانتقال الى مقهى أخرى، وما كان لنا ان نطيع.

وفي تساؤلات مع الجواهري بشأن "تعكر" المزاج، تبين أنه كان ينتظر ان يأتي الوزير للسلام عليه، وحين لم يقم بذلك، ضجر وقرر ترك الحانة.. وأذ حاولنا التخفيف من الامر، قال وبكل شموخ: إنه وزير اليوم، ولن يعرفه احد بعد فترة... في اشارة الى مكانته وخلوده، شاعرا ونابغة، بلا وزارة او منصب، ولعله كان يفكر بما قاله عام 1979 :
يموتُ الخالدونَ بكل فجٍ، ويستعصي على الموتِ الخلودُ

وللحديث صلة، في الحلقة الثالثة عشرة


رواء الجصاني

باحث عراقي

من نفس المؤلف