أحزان شجرة البرقوق

، بقلم فؤاد قنديل

بعد قيلولة لم تتجاوز نصف الساعة عصر ذلك النهار المريب،

استيقظ مثقل الجفون وقد أحس أنه لابد نام منذ أسابيع.

ظل مغمض العينين يحس وهناً في بدنه..رأسه كبيرة ولسانه ملتصق بسقف حلقه.. تنبه إلى مواء القطة التعسة التي لا يدري من أين جاءت ولا تكف عن المواء الحزين كأنها فقدت عزيزا.

تبرم من عمق أساها. منع نفسه من أن يسبها وتسلل إليه اعتقاد أن شخصا انتزع منها صغارها.

امتدت يده المعروقة ودارت في الفراش البارد.. لم تكن زوجته إلى جواره.. لعلها خرجت لشأن من شئون البيت.صدمه شحوب الضوء وتأهب المساء للقدوم.

نهض وتوجه صوب باب البيت متوكئا على وحدته، يدعو الله أن يجعل يومه قبل يوم فريدة.

جلس على عتبة الدار يرنو للطريق الخالية..لاحظ النوافذ المغلقة.

كيف تغادر البيت دون كلمة أو إشارة إلى سبب الغياب المباغت
ناداها : أين أنت يا فريدة؟

لم يبلغه رد ولا حتى صدي صوته اليتيم..

تحامل على ركبتيه المتداعيتين وظهره المفكك ليبحث عنها ولو في الجوار والأنحاء القريبة.. الشوارع المتواطئة تتداخل وتتلوى.

اختلطت في عينيه المعالم.. كان الظلام يسبقه ويخفى ملامح كل شيء.. مضي يتنقل بين الأسباب ..يلوم نفسه
أيكون قد اقترف بحقها ذنبا؟.. هل أهمل لها طلبا؟.. ليست لها مطالب.. ترضي دائما بالموجود.. ربما يكون قد تجاوز الحدود في حقها.. أسمعها كلمة جرحت مشاعرها.. أكد أنه طوال خمسين سنة لم يفعل ولن يفعل.. هل يكون قد عاتبها بغلظة على سهو.. توقف إذ تذكر حادثة غرق أحد الكتاكيت في وعاء السقاية. عندما أخبرته بأسف شديد قصة مصرع الكتكوت الحبيب منحول الرقبة. ابتسم ولم يعاتبها، وفي كل الأحوال كان يخفف عنها غياب الأولاد الذين استمرؤا البعاد وأقبلت بدلا منهم الأمراض. تذكر فجأة أنها تمنت عليه أن يزرع من أجلها شجرة برقوق ولم يفعل.. تعلل طويلا بمبررات واهية.. لام نفسه بشدة.

خطر بباله أن يكون الحنين قد عصف بها نحو أخيها.. استبعد أن تذهب إليه فهو بعيد والحركة في الشوارع قاسية ولم تذهب يوما إليه دونه. وهكذا تلاشي من رأسه مطلبها الوحيد.

عندما أدرك أن الدموع تتجمع قرر ألا يسمح لها أن تسيل في الطرقات..استدار وعاد إلى البيت وحيدا ومحملا بتعاسة زائدة.

كافح دموعه التي ضغطت بشدة علي شيخوخته وعواطفه تجاه الرفيقة الغالية. الانهيار هو الأقرب إذا حُم الفراق لحظات.

امتلاء ينابيع الدمع قوّاها فغلبت وسالت ثم فاضت ,

استشعر أن الجدران تتحرك ثم تدور. أوشك أن يتداعي فاستند على طرف السرير.. لحظات واستقرت الجدران وعاد كل شيء إلى موضعه.

أشعل مصباحا صغيرا فوقعت عيناه مباشرة على صورتها المعلقة..ابتسم لما اجتذبت عينيه ابتسامتها. بادلها الابتسام وسألها : أين أنت؟

تسللت الذكريات الجميلة فسقت روحه بنسمات رقيقة.

ربتت على غرفات قلبه.. تنهد بعمق وقد نسى السؤال.. انحط جسمه دون إرادته على مقعد قريب. عاد يحدق في الصورة.. تنبه أخيرا إلى الشريط الأسود المعلق على الطرف الأيسر العالي للصورة. كافح حتى صعد فوق المقعد كي ينزع الشريط.. فوجئ بأن الشريط لا يتجاوب مع أصابعه ولا حتى الأظافر. حاول حتى يئس فهبط وهو يواسي نفسه.. كل واحد منا له شريط.

حاول أن يكبح دموعه التي تفجرت فجأة، كيف لم يتذكر أنها صعدت إلى السماء وأنه بدونها منذ سنوات؟!.

انطلقت عيناه المحمرتان تتجولان في البيت الحزين بينما الصمت المعتم يحيط بكل شيء.. مضي إلى السرير وتمدد وشعر بقدر من الراحة .. تنهد.. قال : هنا أفضل..إذا جاء.. سوف يجدني في المكان المناسب.بعد لحظات تذكر أنه نسي تماما أن فريدة كانت تحب البرقوق و قد طلبت منه أن يزرع لها شجرة برقوق.. ابتسم وظلت الابتسامة مبسوطة على ملامحه لحظات بل أحس بها تنتشر على كل جسمه حتى أصابع قدميه.. عزم أن يذهب مبكرا إلى صاحب المشتل ويشتري شتلة البرقوق.. اتسعت الابتسامة لأنه رأى فريدة وهي تنظر إلى الشجرة بفرح وأمسكت يده بقوة تعبيرا عن شكرها لأنه تذكر ما طلبت.. شمل وجهها هدوء لطيف فتنفست من قلبها من فرط الرضا.