تدريس القواعد العربية للإعدادية والثانوية

، بقلم محمد خليل

أهيب بحضرتكم جميعًا، أن نعمل معًا، أو كلٌّ من موقعه، بكل الوسائل المتاحة وبأقصى سرعة ممكنة، لدى دائرة المعارف العربية حتى تتراجع عن قرارها القاضي بإلغاء تدريس مادة القواعد العربية من خلال الكتاب، وفق ما ورد في ((منهج اللغة العربية الجديد)) الصادر عن وزارة التربية والتعليم: لغة، فهم، تعبير، للمرحلتيْن الإعداديّة والثانويّة (الصّفّ السّابع- الصّفّ الثّاني عشر)، ٲورشليم القدس 2013.

ليكن معلومًا لدى الجميع، بأن المنهج الجديد المذكور أعلاه، يلغي بشكل تام، استخدام الكتب المدرسية الخاصة بتدريس مادة القواعد العربية من أيدي الطلاب والمعلمين للمرحلتيْن الإعداديّة والثانويّة، ويستعيض عنها ويكتفي بتدريس مادة القواعد من خلال النّص. لنقرأ "أتى هذا المنهج بديلاً عن منهجي القواعد للمرحلتين الإعداديّة والثانويّة (القدس 1990(، و(منهج التعبير والفهم 1993)، وذلك لاعتماده المدخل التكامليّ الّذي يعتبر مادّة اللّغة العربيّة مادّة دراسيّة متكاملة" (ص8، منهج اللغة العربية، 2013). بادعاء النظر إلى اللغة العربية كوحدة واحدة لا تقبل التجزئة كما هو واقع الحال اليوم: أدب، وقواعد، وتعبير، وبلاغة، الخ... وذلك وفق المبدأ الاستقرائيّ "الذي يعتمد النصّ أساسًا للانطلاق فيستقرئ التلميذ ويستنتج القاعدة من النصّ بعد أن يفهم وظيفة الكلمة في الجملة، ودورها الوظيفيّ في فهم النصّ" (ص12، منهج اللغة العربية، 2013). وفي سياق متصل نقرأ "لذا لا تُدرس المادّة (مادة القواعد م. خ.) بمعزلٍ عن النّصوص، كمادّة مستقلّة، بل نعلّمها من خلال النّصّ، مؤكّدين دورها في سياق المعنى" (ص58، منهج اللغة العربية، 2013)!

الكلام في غاية الوضوح، استغناء المعلم والطالب والمدرسة استغناء تامًا عن كتاب القواعد العربية، وفرض نهج جديد بديل، من خلاله، يصبح تدريس مادة القواعد العربية من دون كتاب في متناول يد المعلم والطالب، أي كيفما اتفق أو عفو الخاطر!

قد لا نستغرب أن يصدر ذلك القرار المجحف عن المؤسسة الرسمية، لكن ما نستغربه ويؤسفنا حقًا، أن يكون من بين أعضاء اللجنة المقرّة والمقرّرة أسماء من بيننا، نجلها ونحترمها، ويشار إليها بالبنان، هي في موقع المعرفة والمسؤولية وحكم الاختصاص! إن الأمر ليحزننا جميعًا لما يمكن أن تؤول إليه لغتنا العربية، في عتمة ذلك القرار!

لنعلم جميعًا، بأن تلك الخطوة تعد سابقة خطيرة بكل المقاييس، لما سوف تلحقه من ضرر في صميم اللغة العربية، وعلينا كأفراد ومجتمع. هل لنا أن نتصور للحظات، التراجع الذي يمكن أن ينجم في مستوى طلابنا وطالباتنا، والفوضى التي يمكن أن تحدث في غياب كتاب القواعد؟؟ هل انتهت الحاجة إلى الكتاب والمكتبات؟؟ وهل ولّى عصر الكتاب إلى غير رجعة؟؟ وهل نفهم أنه، منذ الآن فصاعدًا، لم تعد حاجة لأحد بالتأليف ولا بالنشر؟؟ وهل نترك طلابنا وطالباتنا نهبة للعبث والتسلية وإضاعة الوقت بلا جدوى، من خلال أجهزة الاتصال الخلوي بأنواعها؟؟ جميعنا يعلم اليوم، بأن وضع اللغة العربية لدى الغالبية العظمى من طلابنا وطالباتنا، مع وجود الكتاب بين أيديهم، غير مرض ولا يسر أحدًا، فكيف والحال هذه ستكون حالنا بدون الكتاب؟! أعتقد بأن واقع الحال يثبت بأن العكس تمامًا هو الصحيح، وأن الحاجة الماسّة إلى الكتاب ما زالت قائمة، ولا غنى عنه أبدًا، وأنه، إلى الآن، سيبقى الكتاب الوسيلة الناجعة والمثلى في جميع المؤسسات التربوية والتعليمية بمراحلها المتعددة. ما زلنا نذكر ونتذكر، نحن ومن سبقنا، كتب القواعد العربية التي تتلمذنا عليها ونهلنا القواعد العربية على أصولها من منابعها، مثال ذلك: كتب الشرتوني، والأشموني، وعلي الجارم ومصطفى أمين، وكتب القواعد الجديدة، وألفية ابن معطي، وألفية ابن مالك.

نحن لا نتكلم، هذه المرة كما في كل مرة، عن تفريغ المواد المقررة من مضمونها الوطني والقومي كما هو واقع الحال اليوم، ولا عن إقصاء تاريخ شعبنا العربي الفلسطيني وتهميشه إلى درجة تجاهله وحذفه بالمرة من مواد المنهاج المقرر، بشكل متعمد، ولا عن نص من هنا أو نص من هناك، للشاعرين الراحلين محمود درويش وفدوى طوقان، على سبيل المثال لا الحصر! إنما عن عنوان اللغة العربية، أسها وأساسها، عن قواعدها! يعلم جميعنا بأن تقويض أو هدم ركن أساسي في البناء قد يؤدي إلى هدم كامل البناء وانهياره، فكيف إذا كانت القواعد؟! لأن القواعد هي الأساس، وعليها تقعد اللغة العربية! وهل لنا أن ننسى بأن لغتنا العربية هي الرافعة الحقيقية والحامل الأول لكل ما هو عربي، من ثقافة وفكر وعقيدة وتراث وشعر في مختلف العصور والدهور؟؟ فكيف وماذا يتبقى لنا لو تنازلنا عن تدريس القواعد العربية؟!
يقينًا، بأن مثل تلك الخطوة، سوف تلحق، حاضرًا ومستقبلاً، تراجعًا خطيرًا، وضررًا فادحًا في واقع لغتنا العربية على المستويين الفردي والجمعي على حد سواء، قد يكون من الصعب جدًا تصحيحه. ولا يختلف اثنان بأن كل مسٍ بلغتنا العربية هو مسٌّ في صميم هُويتنا الوطنية والقومية، وخطر حقيقي يتهدد وجودنا في بلادنا، كأقلية أصلانية تعيش في وطنها. أليست اللغة هي الهُوية والهوية هي اللغة؟! أو يبدو أنه قد جاء الآن دور اللغة العربية لكي تُغتصب؟؟ ولا يقولن أحد بأن الأمر محض مصادفة! لا يوجد شيء اسمه مصادفة!

كلي أمل، أن نتنبه جميعًا، إلى مدى خطورة ذلك القرار القاضي بإلغاء تدريس مادة القواعد العربية من خلال الكتاب. فنصحو هذه المرة، ونتجاوز مرض التشخيص والتوصيف إلى الفعل والتنفيذ؟! فهل من مجيب أو مستجيب؟؟
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام