كان صبت اندبي وكان حبست اندبي

، بقلم فتحي العابد

يحكى أن رجلا يسكن في مدينة على ساحل البحر، زوج ابنتيه، واحدة في الجنوب، والثانية في الشمال، وكان الأول صاحب واحات نخيل..

والثاني صاحب أغنام وخضر، وقمح وشعير..
طلبت منه زوجته بعد مرور سنة الذهاب لزيارة ابنتيه ليتعرف على حاليهما وكيف يعيشان..
فقصد أولا ابنته الساكنة في الشمال، وكان الفصل خريفا.
وصل لابنته، فرحت به هي وزوجها فرحا شديدا، وأكرماه أيما إكرام.. في اليوم الثاني بعد أن جال في حقول صهره، ورأى منتوجها، سأل ابنته عن حالها وحال مولى بيتها، فقالت: "الحمد الله بخير ونعمة، لا ينقصنا إلا الغيث من السماء، كي ينموا محصولنا وتسمن شياهنا وتتكاثر.. بل كلما كان الجو صحوا كلما وصل حزنا حد بالبكاء خوفا على قوتنا وقوت توئمينا الرضيعين وماشيتنا"

فقال لها: "ربي يغيثنا أجمعين.." وودعها في اليوم الموالي بعد أن حملته هدايا لأمها، وقصد ابنته الثانية..

وصل ابنته، ففرحت به هي وزوجها وأكرماه حق الإكرام، حتى خجل من نفسه.. وأخذه صهره ليجول به في الواحات التي يملكها، فرأى أنواعا من التمور لم يكن يعرفها من قبل، منها الدقلة، العميري والخلوط، وغيرها كثير..

في اليوم الثاني اختلى بابنته وسالها عن سير عيشها في هاته البقعة من الأرض مع زوجها فحمدت الله وأثنت على رب بيتها.. لكنها كلما أغاثت السحب السماء تستغيث ربها أن يحبس عنهم القطر وإلا هلك محصولهم من التمر ولا يستطيعون حتى توفير مصروف خدمة واحاتهم..

ودعها في اليوم الثالث عائدا إلى منزله بعد أن حملته تمورا لأمها، وكامل الطريق وهو يفكر في ابنتيه، ويتعجب من أمرهما.. وخاصة الثانية وهو يردد "هذه قالت لهم اسكتوا"..
وصل إلى زوجته، وفي جوابه على سؤالها التقليدي عن حال ابنتيها، أجابها: "كان صبت اندبي وكان حبست اندبي.."