امبراطورية قاف علي الصراف

لن يمكن لأي أنسان أن يعثر على أعظم من "امبراطورية قاف". إنها أشبه بمغارة "إفتح يا سمسم" من حيث الثراء. كما أنها محصنة الأسوار بفضل الصداقة والتحالف مع الطيّبين والأشرار، حتى إذا ما تعرضت الى شر، هب الطيبيون لنجدتها. أما إذا أصابها خير، اقتسمه الأشرار معها.

قد تعيش هذه الامبراطورية على قطعة صغيرة من الأرض، إلا أن طموحاتها ضخمة، وتحدياتها كبيرة، وارادتها على فعل الخير أو الشر لا حدود لها.

ولأنها تجمع بين الخير والشر، فان أميرها أمير خير أحيانا، ولكنه شرير احيانا اخرى. ولهذا فأنه يُدعى "الملك الخرّير".
تعتقد "امبراطورية قاف" انها تستطيع أن تفعل كل شيء. وانه من حقها أن تختار بين فعل الخير أو الشر متى ما أرادت. والسبب وراء ذلك، يعود الى أنها تستطيع أن تجد أدوات تكفي للعب أي دور. ويحلو لها أن تلعب دورا بنّاء في بعض البلدان (الاجنبية) أو دورا تخريبيا في بعض البلدان (العربية)، خدمة لما يسمى "عُقدة الخواجا"، أو عقدة الشعور بالنقص تجاه الأجانب.

والأمر كله بالنسبة لها لعبة، وهي تلعبها من دون معايير وضوابط. لكي لا تلزم نفسها بأي شيء. وهي، هنا، أشبه بحكم مباراة لكرة القدم، ولكن من دون "فيفا". وهكذا، فان الحكم يستطيع أن يمنح لاعبي أي فريق ضربات الجزاء التي تعجبه، حتى ولو كانت المخالفة قد ارتكبت خارج منطقة الجزاء، بل وحتى ولو لم تكن هناك أي مخالفة.
ذلك أن الملك "الخرّير" أو "الامبراطور قاف" يحكم كما يشاء. والحياة كلها بالنسبة إليه مجرد لعبة يلعبها بطريقته هو، ووفقا لتقديراته. وعلى هذا الأساس، فانه يُعلي من يشاء، ويذل من يشاء، بغير حساب، معتقدا انه، بما يملك، يستطيع أن يتصرف مثل رب العالمين.

في يوم من الأيام، صحا "الامبراطور قاف" وكان مزاجه متعكرا، ويشعر بالملل. فاستدعى وزراءه، ومستشاريه، من أجل أن يمنحوه بعض الأفكار، إلا أن أحدا منهم لم يكن عبقريا بما فيه الكفاية ليصل الى مستوى قدرته على تحقيق ما لا يمكن أن يخطر على بال.

في البدء، اقترحوا عليه، شراء نادي برشلونة. فقال: ليست هذه. فاقترحوا عليه، تنظيم مبارايات كأس العالم. فقال هذه ليست مشكلة. فقال أحدهم، ما رأيك سيدي الامبراطور أن نخرب بيت أبو الجيران، ونقعد نتفرج على ما سيحصل. فضحك وقال، هذه ماشيين فيها. ابحث عن شيء آخر. فقال له آخر، ما رأيك لو أننا عقدنا قمة عربية تشارك فيها إسرائيل، فقال هناك شيء أهم. فاستفاق الحاضرون وظنوا أنهم اقتربوا من معرفة ما يريد. ولكنه استدرك قائلا، ليس صعبا علينا أن نجعل مقر الجامعة العربية في تل أبيب. فهذه قضية وقت. ولما ضاق بهم الذرع، وعجزوا عن ارضائه بمقترحاتهم الفاشلة. جلس يتأمل، وبدا وكأنه يقلب الأفكار التي تدور في رأسه.

وبعد صمت طويل، تنحنح، وغمغم، وأزال حشرجة في صوته، وقال "لقد قررت أن أجعل يوم القيامة أقرب".
ذُهل الجميع، وبدوا وكأنهم لم يفهموا كلامه. فاعاد عليهم ما قال: لم نكن موجودين عندما خلق الله مخلوقاته، في تلك الأيام السبعة القديمة. ولكننا موجودون الآن ونستطيع أن نغير الظروف بحيث يأتي يوم القيامة أقرب من موعده.
فنهض واحد من أكثر مستشاريه قربا اليه وقد توّجته الحيرة، وقال: أيها الأمير النحرير والملك الخرّير، لماذا تفعل ذلك؟ نحن مرتاحون الآن، فلماذا نستعجل على يوم الحساب. وأنت تعرف أننا لم نشبع من الدنيا بعد. وعلى أكتافنا ذنوبٌ لم نستغفرها بعد. وأننا لن نأخذ منها بعد الرحيل مثقال ذرة. وأن قرصة بعوضة قد تجعلنا نترك كل شيء وراءنا. وأن قبورنا لن تتسع للأموال التي تتكرم بها علينا. وأننا لن نعيش إلا سنوات معدودات. فأرجوك دعنا بسلام، وأهنأ أنت بما منحك الله. وكلها أيام وتنقضي. ولن يطول بنا الزمان حتى نعتمر الشيخوخة، فلا مال ينفع، ولا نساء تُغري، وكلها سائرة الى زوال. فلماذا الاستعجال؟

فضحك الملك الخرّير، وانسبطت أساريره وزال عن وجهه الهم والغم. وقال لمستشاره: لا تخف. انا لم أقصد أن نحرق الأرض والسماء. ولا أن نُفرغ البحر من الماء. ولا أن نُعطر الجيفة، ولا أن نشتري الفيفا. ولكني قصدت أن أقلب عاليها سافلها في أحد البلدان، لكي نرى كيف يستبيح الإنسان أخاه الإنسان، وكيف نحيق بها الخراب، ونسوم شعبها سوء العذاب.
فاشتدت حيرة الحاضرين. وسألوه: أي البلدان تعني؟

فقال: أنها بلد (سماؤها سماء)، و(وردها ياسمين)، و(ريعها عطر)، و(ينابيعها مدرارة)، و(أنورها نوّارة). ولسوف تنتهي الى هباء.

فقالوا: كيف؟

قال: إذا طلبتم جنودا عميان، من قمامة الزمان، فاليكم العنوان: جماعة الاخوان. ندفع لهم المال والسلاح، وهم يتكفلون بالباقي. فيفتحون أبواب الجحيم، ويجعلون يوم القيامة أقرب.

فشعر الحاضرون بالارتياح. وسقوا الراح بالراح. فلما حل الصباح، وكفت الكلاب عن النباح، تناهى الى مسامعهم، البكاء والنواح.

* هذا المقال جزء من كتاب، بنفس العنوان، يصدر قريبا عن دار إي-كتب البريطانية، وسوف يوزع مجانا.