بعض الحياء في الثقافة الجنسية داء لا دواء

، بقلم نضير الخزرجي

في مطلع الثمانينات من القرن العشرين كنا مجموعة من الشباب متفاوتي الأعمار أقلنا عشرون عاما وأكثرنا 25 عاماً، نتقاسم مرارة الحياة في الغربة، حيث طهران التي قدمت اليها من دمشق بعد رحلة هجرة قسرية سرية من مدينة المسيب جنوب بغداد الى مدينة الرطبة على الحدود السورية- العراقية ومنها الى منطقة السيدة زينب في دمشق، ولا يعرف علقم الحياة في المهجر لشباب انقطعت بهم السبل إلاّ من ذاقها، ولكن الحياة ليست كلها أسوداً وأبيض وإن كان الطابع العام للغربة هو النصب والتعب.

وحيث عبرنا العقد الخامس من خريف العمر ونحن في لندن، فإن الذكريات تعود بنا بين الحين والآخر لتلك الأيام بحلوها ومرّها وحتى حلوها مر، وقد أرجعني كتيب "شريعة النكاح" للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 72 صفحة من القطع الصغير، الى واحدة من تلك الأيام الخوالي، حيث تخلص أحدنا من سلسلة العزوبية ودخل قفص الزوجية، وكان أكبرنا سنّا، بيد أنه يختلف عنّا بأنه يعيش بين أسرته التي أُبعدت عن العراق قسراً، وبعد أيام من زواجه قررنا زيارته وتقديم فروض التبريك والتهنئة وتناول طعام الغداء البيتي الذي افتقدناه لضرورات النضال السلبي، كما يُقال في المفردات السياسية، ولأن واقع الجيب لا يسر فكلنا اشتركنا في هدية واحدة وفقاً لمعيار الوضع المادي لشباب وهبوا الحياة من أجل خدمة الوطن، ولكن العرّيس كان أكرم منّا، فلم نخرج من بيته إلا وبيد أحدنا هدية، كنا نظن أنها علب حلوى اكتظت بها غرفته راح يوزعها علينا لكثرة مهديها من أسرته وبني عمومته، ولكن المفاجأة أنّ الهدية ما كانت طعاما فرشنا له بيت المعدة، وإنما عبارة عن كتاب قديم من تأليف القاضي التركي شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا المتوفى في الاستانة عام 940هـ (1534م)، المسمى بـ: (رجوع الشيخ الى صباه في القوة على الباه)، التفت العرّيس باسماً بعد أن شاهد علامة التعجب وقد ارتسمت على محيا الشباب العزاب، فقال لا تتعجبوا من الهدية، فإنها عربون محبة لتشجيعكم على الدخول فيما دخلت أنا فيه حتى تحرزوا النصف الآخر من دينكم.

ولا يخفى أن الكتاب على ما فيه من مسائل في مجال النكاح يشبه في وقتنا الحاضر الشبكة البينية والتلفاز والحاسوب، يقع على الانسان حرية الاختيار والتمييز بين الصالح والطالح من البرامج، ولكن المؤلف رام في نهاية الأمر تقديم وصفات طبية وغذائية وتجارب عملية في هذا الحقل لمساعدة الزوجين وبالذات الرجل، ولأن الكتاب خرج من حريم القصور الى الأسواق وصار في متناول العامة دخل في حيز الممنوعات، فهو محظور الطبع في كثير من البلدان، ويتم تداوله بعيداً عن أعين الرقابة وبأسعار قياسية في بعض الأحيان، غير أن الكتاب في حقيقة الأمر أصبح مع الثورة في عالم وسائل الاتصال الحديثة شيئا مألوفاً إن لم يكن أقلّ من ذلك بدرجات كبيرة.

حقائق في النكاح

من المفروغ منه أن ميل الرجل الى المرأة وبالعكس هو ميل طبيعي فطري، بل هو جزء من التكامل الإنساني. فالعزوبية حالة استثنائية لا تميل اليها النفس الانسانية السليمة، وليس المنقطعون عن الحياة والمعتكفون في معابدهم ومساجدهم وصوامعهم بأفضل حال من الأنبياء والأوصياء والأئمة الذي يتناكحون ويتناسلون ويمشون في الأسواق ولا ينقطعون عن الليل وقيامه ولا النهار وصيامه، وهم عند الملمّات أسودها.

فالنكاح الذي يعني كما يذكر الفقيه الكرباسي في المسألة الأولى من "شريعة النكاح"، الكتيب الذي تضمّن 182 مسألة مع 22 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري : (هو مقاربة الزوج مع زوجته بشكل شرعي، وقد يُطلق على عملية الزواج برمّتها، من العقد والمعاشرة الجنسية بين الزوجين)، في واقعه يعد من الأمور اللازمة في حياة كل كائن حي، ولولا الرغبة الجنسية والميل المزدوج بين الذكر والأنثى لما قامت الحياة على أركانها، ولما استقامت، ولما تكونت المجتمعات والأمم والشعوب والمدنيات والحضارات، ولما بادت أمة وقامت أخرى، وبتعبير الفقيه الغديري، ان المقصود من النكاح هو: (تقرّب الرجل للمرأة وبالعكس بالسبب المشروع، وهو الممارسة الجنسية التي يهدف منها التوالد والتناسل والتمتع الفطري والأنس الطبيعي، فهذه الأمور بما هي تقتضيها الفطرة الانسانية من دون علاقة اللون واللسان والبلد والمكان بل ولا دخل فيه للمُعتقد).

ولأن النكاح عملية مقاربة بين جنسين، فإن الفقيه الكرباسي وهو يمهد لأحكام النكاح يضع مجموعة من الحقائق، مفادها:

أولا: إن الله خلق كل الأشياء من جنسين في نفس واحدة وفي تجانس بديع، حيث يقول تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) سورة الذاريات: 49.

ثانيا: إن الانسان بفطرته وبالشكل الطبيعي يميل الى جنسه الآخر ضمن حدود الغريزة المودعة فيه، وفي ذلك قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) سورة النحل: 72، فكما لا تتكون الطاقة الكهربائية إلاّ من التقاء السالب بالموجب، فإن البنين يأتون من نكاح الرجل والمرأة، والذي يقارب مثيله فهو من الشذوذ الجنسي على مستوى الذكرين أو الأنثيين.

ثالثا: تضافرت نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة على دفع المرء نحو الزواج للأهمية في خلق انسان سوي ومجتمع سليم، فهو شديد الاستحباب.

رابعا: أودع الله في المرأة والرجل غرائز ومواصفات تجذب أحدهما الآخر، ولابد لهذه الغرائز من حدود تمنع طغيانها، لاسيما وان الإنسان بطبعه يميل الى المتعة النظيفة وإلى الآخر النظيف، والتجارب حاكية عن هذا الواقع، فحتى الإنسان الذي ترك الحبل لشهواته على غاربه في الحلال والحرام وبلا حدود فإنه إذا أراد أن يستقر ويسكن الى المرأة فإنه يبحث عن ذات الحسب والنسب، وكذلك يختار لابنه المرأة الحسنة ولابنته الرجل الصالح، فهو مهما شرّق في المتعة وغرّب فسيعود الى فطرته السليمة، وكما قال الشاعر:

ألا ان النساء خلقن شتى
فمنهنَّ الغنيمةُ والغرامُ
ومنهنَّ الهلالُ إذا تجلّى
لصاحبه ومنهنَّ الظلامُ
فمن يظفر بصالحهنَّ يسعدْ
ومن يُغبن فليس له انتقامُ

خامسا: من الطبيعي ان الأسرة المتكونة أساساً من الأب والأم لا تتكاثر إلا بالنكاح كطريق طبيعي تسالمت عليه البشرية، بغض النظر عن عملية الاستنساخ الحديثة. والزوجة لا تشعر بدفء العائلة إلا مع الأطفال. فالأمومة هي الأخرى شيء فطري مغروس في ضمير المرأة، والأب لا يرى في مواصلة الحياة بعد الموت إلا في الأبناء، وهذا هو الآخر أمر فطري سليم، وعملية التوالد هي النتيجة الطبيعية للنكاح، وقد سخَّر الله لها أدواتها الجسمانية لدى المرأة والرجل. وكما يشير الفقيه الكرباسي انه: (لولا هذه الدوافع الجنسية وآلياتها المتبعة لانقرض النسل البشري منذ بدايته).

ولا يخفى أن الضد العقيدي الآخر حاول التلاعب بالموازين الإنسانية والفطرة السليمة من خلال بث الأفكار الداعية الى ممارسة الجنس بعيدا عن الأخلاق وعن حريم الفطرة وتجاوزا على الأعراف الإنسانية والدينية والمجتمعية تحت مدعى الحرية الجنسية، وفي المقابل شجّع على العزوبية بعد أن هاله كثرة عدد المسلمين. وكما يشير الفقيه الكرباسي، لقد: (لجأ العدو الى وضع أسس للتقليل من أعداد المسلمين، فتارة بالوسائل الدعائية والدعوة الى تحديد النسل بدعوى الصحة أو عدم إمكان التربية أو عدم السيطرة على توزيع ثروات الأرض على تلك الأعداد الهائلة، وتارة يذهبون الى اقامة الحروب ويجعلونها احدى الوسائل لتخفيض نفوس المسلمين).

الثقافة الجنسية

هل أخطأت البرامج التربوية الغربية عندما جعلت الثقافة الجنسية جزءاً من المناهج الدراسية المفروضة على الطلبة في سنّ مبكرة؟

تختلف الإجابة من مدرسة دينية لأخرى، فحتى المدارس العلمانية اختلفت في السن واختلفت في حجم المواد الثقافية الجنسية المعروضة وعمقها، بيد أنه وفي نهاية الأمر هناك شبه اتفاق على أهمية الثقافة الجنسية للطلبة، بخاصة وان الاختلاط بين الجنسين هي الصفة الغالبة للمدارس الغربية، إذ يرون أنه لابد للطالب أو الطالبة من التعرف على بعض الأمور الجنسية لتلافي الوقوع في الخطأ.

وفي اعتقادي أن الثقافة الجنسية أمر ضروري لكل فرد وأسرة ومجتمع، أي لابد للمسلم من التعرف على أحكام النكاح، فليس من الغريب إذا عدَّد المرء مفطرات الصوم ولا يرى النكاح منها، وليس من الغريب إذا اعتبر الزوجان القبلة في شهر رمضان من المفطرات لشبهة التقاء رطوبة الفمين ولا يرون في الجماع من المفطرات رغم حتمية التقاء الختانين، فليس من الغريب أن يصوم المراهق ولا يعرف أن البقاء على الجنابة (احتلام أو استمناء) دون غسل من المفطرات، أقول ليس من الغريب وذلك لقلة الوعي الجنسي والثقافة الجنسية، فلا الآباء يطلعون الأبناء عليها بفعل طقوس اجتماعية تدفع عكس هذا الاتجاه، ولا الأمهات يطلعن البنات عليها، فهناك فواصل بين الأسرة خلقتها الأعراف الاجتماعية الخاطئة تحرم الأبناء من التعرف على أحكام النكاح، بل حتى الآباء يجهلون بعضها رغم مضي العمر بهم، وبعضهم يحرّم على الآخر نكاحه وزواجه من باب الضدية، فعلى سبيل المثال فإن من قال بعدم جواز الزواج المؤقت لا يكون ذلك مدعاة للقول بعدم حلّية زواج المسيار لأن الزواج الأخير، كما يؤكد الفقيه الكرباسي في المسألة السادسة والسبعين: (إن احتوى شروط الزواج جاز، حتى وإن كان في السر أو من دون شهود شرط أن لا يُشترط ضمن العقد بشروط تنافي أصل الزواج).

من هنا، فإنَّ التعرف على أحكام النكاح للمرأة والرجل هو جزء مهم من الثقافة الجنسية التي تدرأ الأفراد من الوقوع في الخطأ أو الاستمرار في خطأ غير مقصود أو خطأ ظن صاحبه فيه الصحة والصواب، وهذا ما يتكفل به كتيب "شريعة النكاح"، حيث عمد الفقيه الكرباسي إلى بيان النقاط الرئيسة بما يساعد الآباء والأبناء على استيعاب مسائل الجنس بصورة سليمة تسهم في تقليص عقبات الحياة اليومية. وكما قال الفقيه الغديري في خاتمة التعليق: (وأما هذا الوجيز فقد ذكر فيه المؤلف المحقق سماحة الدكتور آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي حفظه الله ورعاه ما يجب أن يلتزم به كل مؤمن ومؤمنة، واختار أسلوباً رائعاً في بيان أحكام النكاح من موارد حلاله وحرامه، مكروهه ومستحبّه، وهو جدُّ مفيدٌ لمن أراد الاطلاع على مُجمل القوانين الشرعية للموضوع)، وهو كذلك، فليس في تعلم أحكام النكاح حياء، فالحياء في مثل هذه الأمور داء لا دواء.