سيرة محمد حلمي الريشة الشعرية

، بقلم جميل السلحوت

صدر كتاب"قلب العقرب-سيرة شعر"للشاعر محمد حلمي الريشة عام 2014،عن بيت الشعر الفلسطيني.ويقع الكتاب الذي صممت غلافه نغم الحلواني، وقدم له الراحل علي الخليلي، والدكتور محمد سمير عبد السلام في 354 صفحة من الحجم المتوسط.

عندما قرأت " طفولتي" للأديب الروسي مكسيم غوركي "28 مارس 1868 - 18 يونيو 1936"أذهلني بصدقه، وحديثة عن الطفولة الذبيحة التي عاشها، والتي هي أكثر قسوة وحرمانا من طفولتي وأبناء جيلي من أبناء شعبي، ولاحقا قرأت"كيف حملت القلم" للروائي السوريّ المبدع حنّا مينا، ووجدتها تشكلّ انعطافا في كتابة أدب السيرة عند العرب، لمصداقية كاتبها وحديثه عن الحرمان الذي عاشه، ويبدو أنّني حينها وجدت نفسي أمام تساؤلات كبيرة، خصوصا وأنّني قد قرأت في سنّ مبكرة الكثير من السِيَرِ الشعبيّة لأبطال شعبيين، مثل "الزير سالم" و"عنترة بن شدّاد" و"معن بن زائدة" و"أبو زيد الهلالي" وغيرهم، كما قرأت الكثير من مذكّرات وسِيَر بعض الأدباء والسياسيين عربا وأجانب، وجميعها ملأى بالبطولات الخارقة، وتنقصها المصداقية.

وفي اليومين الماضيين انصببت على قراءة "قلب العقرب-سيرة شعر" للشاعر الفلسطيني محمد حلمي الرّيشة، فوجدت نفسي أمام انفجار بركان شعر وثقافة، تخطّه ريشة الشاعر الرّيشة الهادئ بطبعه، والذي يرضى بما تيسّر له، دون المزاودة على أحد، أو الصّدام مع أحد، لكنّه يختزن في ذاكرته بما له وما عليه، ويبدو أنّ قلبه الذي تعب من المعاناة قد أملى عليه بأن يبوح ببعض من مكنوناته.

واللافت هنا أنّ شاعرنا لم يكتب سيرة ذاتيّة، وإن تخلّل كتابه شيئا من ذلك، لخدمة الهدف الرئيس وهو كتابة "سيرته الشعريّة" وهذا تَفَرّد للشاعر، وهناك شعراء تكلّموا بشكل عابر عن ملكتهم الشعريّة وعلاقتهم بالشعر في سِيَرِهم الذّاتية، أو في مقابلات صحفية، لكنّهم لم يكتبوا سيرتهم الكاملة مع الشعر-حسب معلوماتي المتواضعة- وإن كان هناك من فعل ذلك فإنّه لأسفي لم أطّلع عليه، وهذا بالتأكيد قصور منّي. ومع ذلك فإنّ الشاعر محمّد حلمي الرّيشة قد كتب عن بدايته وحتّى بدايات العام 2014، وهو لا يزال في أوج عطائه، ويواصل مشروعه الشّعريّ مستفيدا من تجربته ومن تجارب غيره أيضا.

والقارئ " قلب العقرب-سيرة شعر"سيجد نفسه يعوم في بحر هائج من اللغة الجميلة السّاحرة، وقد استغلّ الكاتب مخزونه اللغويّ الثريّ بشكل جيّد، ليؤكّد من جديد مقولة "أنّ الشعراء هم أفضل من يكتبون النّثر" وشاعرنا ذو اللغة الشاعريّة الجميلة في نثره، لم يقصر سيرته الشعريّة بالعزف على أوتار جماليات اللغة فحسب، بل تعدّاها الى الكتابة عن فلسفته الشّعريّة، مستفيدا من غزارة ثقافته واطلاعه على تجارب شعراء ومفكّرين وفلاسفة وأدباء كثيرين من عرب ومن عجم، ولولا سعة اطّلاعه لما تأتّى له أن يكتب ما كتب. وتجربته هذه تشكّل مدرسة للشعراء والكتاب الشّباب عليهم أن يستفيدوا منها. فالموهبة وحدها ليست كافية لنبوغ شاعر أو كاتب، ولا تنمو المواهب إلا بزيادة المعرفة.
وفي مسيرته وسيرته الشعريّة يعترف شاعرنا بخيباته أكثر من نجاحاته، ولا ينكر جميل من وجّهوه وأخذوا بيده مثل الشاعر الكبير الراحل علي خليلي، وغيره أيضا.

وسيرة شاعرنا الشعريّة لا ينقصها عنصر التشويق، رغم جدّيّة موضوعها، وبعدها عن عناصر الاثارة، وهذا يدفعنا لسؤال الشّاعر عن سبب عدم كتابته للرّواية حتى الآن.

و" قلب العقرب" هذه تدفعنا أيضا الى سؤال وزارة الثقافة عن دعم تبنّيها للمبدعين أمثال الشاعر محمد حلمي الرّيشة؟ ولماذا لا توفّر لهم عملا يضمن لهم حياة كريمة، فشاعرنا يعمل في بيت الشعر في رام الله، وينام على كنبة في المكتب بعيدا عن أسرته التي تسكن نابلس؟


جميل السلحوت

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف