اغتيال الموسيقى

، بقلم سعيد مقدم

كان حر المدينة على أشده،

خرجت من كوت عبدالله متجهًا إلى الكواخة؛ كنت آنئذ ابن الثامنة عشرة.
رفعت يدي مؤشرًا إلى السيارة القادمة، فوقفت أمامي وركبت؛
كان يومًا مكفهرًا، طلبت من السائق أن يشغل المسجل لنستمع إلى أغنية ما؛
قال ونظره يراقب الجادة من المارين:

إن جهاز المسجل تعطل اليوم، ولايفر الأشرطة بتاتا!
رجوته أن يناولني شريطًا لعل حظي يشغلها فتخرجنا من هذا الجو المتعب وتنسينا بعض هموم اليوم.
مد يده تحت كرسيه وناولني ثلاثة أشرطة.
وضعت الشريط في المسجل وحاولت أن أشغله،

بدا وكأنه ميت، امتحنت الشريط الثاني والثالث، وعبثا ما حاولت؛ يبدو أنه بحاجة إلى تصليح كامل.
فوضعت الأشرطة أمام السائق على لوحة العداد.

ونسي أن يرجعها إلى مكانها، حيث كانت مخبأة تحت كرسيه.
والكل يعلم أن الحكومة كانت قد حرمت الموسيقى، سوى الأناشيد الدينية وتلك التي كانوا يسمونها ثورية.
وصلنا إلى حاجز تفتيش، وحاول السائق أن يخبئ الأشرطة، لكن أحدهم رآه.
أمرونا أن نترجل من السيارة، ثم بدؤوا يفتشونها حتى أخرجوا الأشرطة المغناطيسية جميعها.
ولولا الأشرطة الثلاثة التي نسي السائق أن يخبئها، لمررنا بسلام.
قال السائق والاضطراب بائن على ملامحه:

إنها أشرطة مآتم ولطم، وبعضها أناشيد الثورة الإسلامية؛ ثم إن جهاز المسجل معطل.
حدج مسؤولهم السائق بارتياب ثم قال:
سأمتحن المسجل والأشرطة، فإن كانت كما تدعي، تمرقون دون أن تتعرضوا لأي أذى، وإلا سأدمرها على رأسك!
نظر السائق نحوي وهمس مبتسمًا: الحمد لله أن المسجل معطل.
ودخل رئيسهم في السيارة ووضع الشريط في المسجل وضغط على زر التشغيل؛
وإذا بصوت عبدالأمير دريس يصدح عاليًا:

(مرمرني الصبر والشوق مرمرني)!

نظر الرئيس إلى السائق شزرا وقال: لابد أن هذا صوت (آهنكران)؟! (وكان آهنكران منشد الثورة آنذاك).
ثم وضع الشريط الثاني وكان صوت سميرة توفيق والثالث داخل حسن وهلم جرا.
نزل الرئيس والشرر يتطاير من عينيه، أحضر صخرة – ولم يعر اهتمامًا لرجاء السائق - وأمام أعيننا دمر الأشرطة كلها.

ومن يجرؤ على الاعتراض؟!

ثم دفع السائق نحو سيارته قائلا: انقلع أيها الكذاب المنافق! ترتكب الذنوب في وضح النهار، ولا تستحي.
سرنا والحزن رائن على وجه السائق، والامتعاض جلي على وجهي.
قلت أكلم نفسي:

إن لم يكن هذا، التحجر بعينه؛ فماذا عسى التحجر أن يكون؟!

وساد السكوت بيننا إلى أن بلغنا الكواخة.