العنف المجتمعي منبع العنف المدرسي

، بقلم محمود سلامة الهايشة

بما أن مصر تعيش حالة من العنف المجتمعي منذ سنوات عديدة، وقد زاد هذا العنف بعد 25 يناير 2011؛ وذلك لأسباب لم يمكن حصرها، ولكننا يمكننا أن نجمعها في تصنيفات محددة كالتالي:

• إما بسبب مثلث: الفقر - الجهل - المرض.

• أو التلوث بكافة أشكاله، والذي يأتي على رأسه التلوث الأخلاقي منبع كل الموبقات.

• النظام الحاكم الذي يُمْسِك في يده بكل مقدرات الدولة، بما فيها البشر والحجر والموارد، وحتى يظل النظام متماسكًا ومسيطرًا على الأفراد، ومن ثم المجتمع ككل، فلا بد من اتباع سياسة: فَرِّقْ تسُدْ.

• كيف تعمل الأجهزة الرقابية، وتطبيق القوانين على الشرائح الدنيا من المجتمع بدون وجود العنف؟

عندما تصفحت الكثير من المقالات والدراسات المنشورة على شبكة الإنترنت عن العنف، وجدت عددًا غير محدود لتعريف ظاهرة العنف، ومثل هذا الأمر في أنواعه وأشكاله، ولكننا يمكننا أن نقول: إنه عبارة عن كل فعل يُمَارَس من طرف، فردًا كان أو جماعة، ضد فرد أو جماعة آخرين، عن طريق التعنيف اللفظي أو الفعلي، مُحْدِثًا أضرارًا معنويةً كانت أو مادية، فهو صراع بين طرفين: طرف فاعل (مصدر العنف)، وطرف مفعول به (مستقبِل لهذا العنف)، والفاعل والمفعول به يمكن أن يكون من وإلى "صغير - كبير، طفل - شاب - شيخ - امرأة، رئيسًا كان أو مرؤوسًا، الحكومة والمواطنين والعكس".

إذًا فمعادلة العنف عبارة عن طرف أيمن، وطرف أيسر:

طرف معتدي، طرف معتدى عليه.

وليس شرطًا أن يكون الطرف المعتدى عليه ضعيفًا جسديًّا أو ماديًّا، ولكنه منخفض في درجة العنف، فمثلاً: في حالة عنف طفل على غيره من الأطفال، أو عنف الطفل تجاه معلميه بالمدرسة.

وبما أن المرأة والأطفال في أي مجتمع يمثلون ثلثيه، وليسوا نصفه؛ ولأنه في أغلب الأحيان هم الطرف الأضعف، أو هم جزء من أي واقعة تحدث داخل البيت أو خارجه، سواء أكان خارجُهُ هذا "الشوارع - النوادي - المحلات التجارية - المواصلات العامة - المدارس - الجامعات... إلخ"؛ لذا إذا حاولنا أن نستعرض كل ما كُتب عن ظاهرة العنف في أي بلد بالعالم، ونَطَّلع على التقارير الدولية والأممية، فسوف نجدها تقريبًا جميعًا، إما أن تتحدث عن العنف ضد الأطفال، أو العنف ضد المرأة، أو العنف ضدهما معًا.

وأهم محرِّض على العنف هي الوسائل التكنولوجية الحديثة، التي تعتبر عاملاً مشتركًا أعظم لكل ما يستخدمه الإنسان المعاصر على مدار الساعة، فالتكنولوجيا في الإعلام (المسموع - المقروء - المرئي)، الشاشتين "الصغيرة والكبيرة"؛ أي: التلفزيون، والسينما؛ حيث لم يعد هناك فرق بينهما؛ لأن ما يُعرَض على شاشات السينما لا يفرقه عن التلفزيون سوى عدة أسابيع ما بين العرض هنا، وإعادة العرض هناك، والتكنولوجيا ما هي إلا صور جميع وسائل الاتصال والتواصل بين كل إنسان وغيره، في أي بقعة من بقاع العالم، وبأقل وقت وجهد ومال، فقد أصبح بالإمكان أن يشاهد الناس بعضهم بعضًا بالصوت والصورة والحركة، وأيضًا اللمس، وقريبًا الشم والتذوق، وذلك عن طريق شاشات تختلف في الحجم والشكل، وكاميرات وسماعات صغيرة للغاية، فيوجد التليفونات المحمولة بكافة أجيالها، والكمبيوتر اللوحي، و"الآي باد"، و"الآي فون"، و"اللاب توب"، والكمبيوتر المكتبي المنزلي... إلخ.

ما هي الموضوعات التي تطرحها وتناقشها الأفلام السينمائية، والمسلسلات التليفزيونية؟ وما هي القضايا والإشكاليات التي يتم مناقشتها وعرضها بالتحليل، والسرد، والتفنيد، في كافة البرامج الفضائية؟ كلها وبكل بساطة لا تركز إلا على السلبيات التي تملأ المجتمع، والتعرض لكافة أوجه العنف في المجتمع وبين أفراده، وإبرازها وتضخيمها، بل وشرح كيفية القيام بتلك الأفعال، وتلميع الطرف المعتدي، وتبرير ما يقوم به من أعمال عنف، وإظهاره في صورة الضحية المظلوم؛ مما يؤدي بالمتلقي لتلك الرسائل السلبية بأن تتغير داخله منظومة القيم، مما سوف يكون له بالغ الأثر في نفسية وسلوك المشاهدين، ومع مرور الوقت الذي كنا نقول في الماضي: إنه قد يصل لعدة سنوات، إلا أنه في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قد تقلص هذا الوقت، وأصبح عدة أسابيع، أو على الأكثر عدة أشهر، ويتحول الفرد إلى مصدر ومنبع للعنف، سواء بالعنف المباشر بأن يكون هو الفاعل المباشر الرئيسي للحدث، أو مصدرًا غير مباشر، بأن يكون مشجعًا أو مُحَرِّضًا على العنف، أو يقف موقفًا سلبيًّا تجاه أي عمل من أعمال العنف يحدث أمام بصره وسمعه؛ لذا انتشرت ظاهرة المشاهدين للسلبيات، واختفاء الفاعلين الإيجابيات، فيما يُعرف بين الناس "بالشهامة والجدعنة"، أي: انتهى الإقدام تجاه أي أمر؛ فالشحن السلبي الذي يُبَثُّ عبر الفضائيات، وعلى صفحات الشبكة العنكبوتية، قد حول الإنسان البشري الآدمي المكون من لحم ودم، إلى إنسان آلي، يحتوي على "هارد وير" و"سوفت وير"، وكافة البرامج التي تحرِّكه مصدرُها أناس لا يعرفهم بشكل مباشِر، ولا يعرف أين هم الآن؟ ومن أي مكان يبثون هذه الإشارة وتلك الترددات؟ لذا يتم برمجة الإنسان المعاصر على مدار الساعة برمجة لغوية عصبية، عن طريق الحوار التليفزيوني أو الإذاعي، عن طريق الأغنية التي تحتوى على كلمات في غاية الخطورة، والتي تحث على العنف والتطرف، فبعد أن كان في الماضي البعيد والقريب يدخل الشُّعَراء في صراع وحرب فكرية وطائفية وقبَلَيِة، فكان سلاحهم هو القصيدة، هذا يهجو هذا، وهذا الكاتب يرد على هذا، فكان الصراع فكريًّا فكريًّا، رأسًا لرأس، أما الآن، ومع انتشار الفقر والجهل والمرض، وانتشار الأمية الثقافية، فقد أصبحت أغنية تُغَنَّى في دقائق تُعد على أصابع اليد الواحدة، تحرك طوائف وفئات وشعوب على بعضها البعض! وقد تحول الصراع والاختلاف والتباين بين المجاميع البشرية إلى حروب على كافة الأصعدة، سواء حروبًا باردة، أو حروبًا ساخنة، في البيت، في الشارع، في المدرسة، في الجامعة، في النادي... إلخ، عُنْف باليد وباللسان، بالأسلحة البيضاء، والنارية بكافة أشكالها!

وخاصة بعد أن اعتبر المتلقي أي كلمة أو همسة تصدر من قِبَل هذا الجالس أمامه بالشاشة كلامًا مرسلاً من رب العالمين، ويصبح هذا الإعلام أكبر مبرمج لعقول البشر، فيستطيع هذا الإعلام في أقل من عشر دقائق أن يقنع عشرات، بل مئات الملايين من المشاهدين، بفكرته ورسالته التي يريد أن يقنعهم بها؛ لذلك فقد وصل سعر الحلقة الواحدة لهذا المذيع أو ذاك، لعشرات الألوف من الدولارات، وهذا نتاج عدم القراءة، فأمة "اقرأ" لا تقرأ.

وأختتم تلك الجولة السريعة جدًّا عن منابع العنف المجتمعي، والتي تظهر جليًّا في تلاميذ وطلاب المدارس المصرية، فأعداد هؤلاء من الصف الأول الابتدائي وحتى الصف الثالث الثانوي بكافة أشكاله ما يزيد عن 17 مليون تلميذ وطالب من الجنسين؛ أي: ما تتراوح أعمارهم بين (6 سنوات، و16 عامًا)، وهذا العدد يفوق تعداد دولة، أو دول بأكملها؛ لذا فقد أصبحت ظاهرة العنف من الأزمات الكبرى التي تضاف إلى مشكلات التعليم الميئوس من حلها، على الأقل في المنظور القريب، بمقولة وزير إعلام النازي "جوزيف جوبلز": "أعطني إعلامًا بلا ضمير، أُعطِك شعبًا بلا وعي"!