الثلاثاء ١٤ تموز (يوليو) ٢٠١٥
بقلم هيثم نافل والي

الإنسان الفنان

يمتلك هشام ذاكرة مصيبة أقرب إلى اللعنة، إذ ما يريد أن ينساه ينساه برمشة عين. لحظتها يختفي كل شيء من عالمه وكأن شيئاً لم يكن كماء إنساح على صخرة! لكن، ما يحب أن يبقى عالقاً.. سبحان الله.. معاول العالم كلها متجمعة لن تستطيع أن تحفر أو تنبش في ذاكرته لتهدم منها مليمتراُ واحداً.. قوة عجيبة لا يستهان بها!

ما علينا.. اتصل بمكر بصاحبه العتيد الذي لو آمنا بوجود الشياطين على الأرض يكون هو أرذلهم، لبشرته الضبابية بياض ناصع كبياض شحمة ألّية الخروف، لا يمكن أن تصدق بأنها تعود إلى رجل من الشرق لضبابيتها المذهلة، ذي صوت ملعلع جهوري يهز أركان أضخم بيت يصيح بداخله عندما يمارس هوايته المهروشة تلك كمارد جبار مجروح.. ذلك الذي عارض مقال هشام يوماً عندما كتبه الأخير بحرص ودقة حول الإرادة الواعية، سائلاً وهو لا يبغي غير جرجرته إلى ما يريد دون أن يصرح بمغزى ما يروم به لأنه لم ينس موقف صديقه المارد الجبار صاحب الحنجرة الداهية:
- أصدقني القول يا صاحبي: هل لك يوماً أن فقدت أعصابك؟

- هي..هي..هي... كركر كالطفل، شعر هشام (ولا يعلم لماذا) بأن صاحبه كان يدق على كرشه أثناء قهقهته كأنثى الغورلا ثم تحولت على وزن البحر المتقطع كذئب حشرت في بلعومه قطعة لحم وهو يعوي: أو... و.. أووو... أو..و... أوي..ي..أو...و.. قصف الله رقبته، كيف أستطاع أن يأتي بكل هذه المقاطع المرعبة ويدخلها في قهقهتة؟ وبعد أن شبع كركرة حاول الكلام ولم تسعفه حنجرته، خانته، تحجرت الكلمات في حلقه، أحسَّ هشام وقتها بأن صديقه سينفق أو يطق لا محال وكأنه يعاني من حشر ما لا يعلم بأمره غير الله.. فأعاد سؤاله الماكر الذي ينوي به الشر:
- لم تقل بعد: هل حصل وأن فقدت أعصابك يوماً؟

هدأ ثم نطق، فقال:
- ومن تظنني، أبا الهول؟ طبعاً، فأنا كعود الثقاب، ما إن تحركني وتحكني قليلاً على أرض خشنه حتى أشتعل.. ولأن قلبي رحيمٌ، غالباً ما أحرق نفسي فقط ثم أنطفئ.. وقتها لا أصلح لشيء!
صاح بإبتهاج لا نظير له:
- عظيم.. عظيم جداً.. تعترف، لا توذي الآخرين، تحرق نفسك عندما تفقد أعصابك لأمر ما؟
بعدم ارتياح متردداً كمن يسير في طريق أظلم لأول مرة:
- ن ن ن نعم!
- وماذا بعد؟
تغير أسلوبه الطفولي وتحول فجأة إلى شرير لا يعرف غير التعدي:
- بعد ماذا؟
بعاطفة جياشة كسيد نبيل خانه الدهر:
- أقصد، ماذا تفعل غير حرق النفس؟
رجع إلى طبعه البشوش المنفوش وكأنه تذكر موقفاً لا يمكن له أن يتذكره دون أن ينقسم وسطه من الضحك.. (وصحَّ تخمين هشام)، فرد وهو يضحك بحذر:
- أعض يدي، ألوح برأسي كالكرة وأضربه بالحائط، أهرش فروة رأسي وكأني أريد سلخ شعري، أحك بطني بقوة، أحطم أشياء لا يمكن لي من تحطيمها وأنا في حالة وعي، وفي أحيان ألطم كالنساء العربيات في المآتم الصاخبة.. أفعل أشياء كثيرة لا تخطر على بالك!
صاح منبهراً، مهتاجاً لما يسمعه:
- يا رررجل.. أشياء كثيرة لا تخطر على البال! مثل ماذا؟
- قد لا تصدقني إذا قلت لك!
بخبث متناه كخبث ابن عرس:
- بلا، سأصدق كل حرف تقوله.. أنت الآن في أسمى وأجمل لحظات التسامي والتجلي الصادقة.. قل ولا تتردد.. سأصدقك دام عزك، أقسم لك على ذلك..
أبداً وجلالة ربي.. ففي مرة كنت لحظتها مهتاجاً لا أطيق نفسي، كثور مجروح لا يعرف أين يذهب وبأي اتجاه يسير، عصبياً جداً، ساعتها لو رأيت ناموساً يقترب من أنفي لطاردته حتى أقضي عليه! كنت حانقاً إلى درجة لا تتصورها على نفسي والكون والحياة وكأني أعاني من لوثة لن أصحو منها إلا بموتي.. فكرت بالانتحار وتراجعت خوفاً من نهايتي المفجعة! فتخليت عن أثمن وأعزّ ثيابي التي أحتمي بحماها وخرجت إلى الشارع عارياً كما نزلت من أمي بعد التكوين! ولولا ستر الرب (جذبني جاري وأدخلني داره)، لكنت لحد هذا اليوم من نزلاء مسشفى الأمراض العقلية.. أبعدنا الله عن قواويشها وغرفها عالية الجدران والسقوف التي تشبه السجون القديمة!
- يا سلام.. صاح هشام، وأضاف مترنماً سعيداً بالنتائج وهو يشعر بأن الخبث عمّده:
- هل تفعل هذا عندما تكون بحالتك الطبيعية؟
اخترق صوته الجهوري طبلة أذن هشام وهو يطلق صيحة مرعبة:
- ماذا تقول، هل تحسبني مجنوناً؟ كيف أعض يدي، وأهرش شعر رأسي وأخبطه وأكاد أحطمه بالحائط عندما ألوح به كالكرة هناك عند الجدار مرات عديدة حتى أفقد وعيي والدم الحار يبدأ بالفوران كالنافورة منه، أو أحك جلدة بطني بقوة وأجعلها تحرقني كمن يضع الفلفل اللعين في عينيه، وأخرج عارياً في الشارع وأنا في حالتي الإعتيادية الطبيعية؟ طبعاً لا.. أفعل هذا فقد لحظة جنوني، اللحظة التي لا أسيطر فيها على نفسي، لحظة لا أفرق فيها بين أمي وأبي، ولا أعرف الذي أمامي إن كان إنساً أو جاناً! وبعد أن بلع ريقه الذي يبس أضاف مترنماً: باه.. لحظات لا يمكن أن تنسى.. مخجلة ودين ربي!
بهمس مقصود لا يستعمل إلا في السجون الفكرية للتعذيب كفحيح الأفعى:
- لماذا يا صاحبي؟ هل يمكن لك أن تفسر هذا التحول الذي يصيبك في لحظات أو دقائق أو لنقل ساعات تكون فيها منهاراً، منزعجاً، أو متضايقا؟
ومن قال لك بأنني طبيب نفساني؟ ثم أردف كفاقد الحيلة:
- من أين لي أن أعرف؟
بشموخ:
- إذن تعترف بأن الإنسان يمكن أن تمر عليه لحظات ينسى فيها نفسه، بل لغة أمه التي ينطق بها ويجيدها، ويتحول إلى مخلوق آخر، لا يعرف وقتها أهله، أمه عن أبيه كما قلت للتو؟
بإنكسار وخيبة كشعور مراهق أتمَّ عادته السرية لتوه:
- هذا صحيح! ثم وعى على قوله وللمطب الذي وقع فيه نبر: ماذا وراءك؟ أقصد، إلى أين تريد أن تصل؟
اندفع هشام كالبركان وهو ينفخ حممه ككتلة من نار تلتهب:
- تستكثر على الفنان المبدع الحقيقي صاحب العبقرية الفذة في لحظات معينة خاصة نجهل منبعها أن يتحول من إنسان واعٍ إلى مخلوق متجلٍّ لا يفكر في لحظة إبداعه إلا بما يلهمه الله من إشارات، أو همسات، أو إيحاءات يصهرها بقلمه، أو بريشته، أو بآلته ويحولها إلى كلمات، أو خطوط، أو أنغام.. لقد ضحكت عليّ عندما قلت هذا في مقالي عن الإرادة الواعية وها أنت تعترف أمامي وأمام الجميع الآن (لأنني سأكتب أعترافاتك قصة قصيرة وأنشرها على الملأ) بأنك في لحظات غبية وليست عبقرية تعض يدك وتنطح الحائط وتحرق نفسك وتمشي في الشارع عارياً ولا تميز الواقف أمامك إن كان ذكراً أم أنثى، قريباً أو بعيداً.. فما بالك لو كان ذلك الذي نتحدث عنه إنساناً، فناناً؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى