لو كنت أصغر

، بقلم فيصل سليم التلاوي

ما
كنت أصنعُ يا تُرى لو كنتُ أصغر؟
لو كان قلبي لا يزال يمورُ بالتذكارِ
والأشعارُ تقطرُ رقةً وتذوبُ سُكَر
لو أن قافيتي التي هَرِمَت
تعود لها نضارتها
فتشرقُ مَبسمًا وتشعُ جوهر
ما كنتُ يا سمراءُ ساعتها
ضللتُ الدربَ أو حُلمي تبعثر
سمراءُ يا سحرَ الوجودِ
وبسمة الثغر المُعطَّر
ووجيبَ هذا القلب، خًفقَتهُ
إذا يومًا توجعَ أو تذكَّر
سمراءُ لو وافيتني والعمرُ أبكر
لنثرتُ حقلكِ لؤلؤًا
وبذرتهُ مسكًا وعنبر
وجعلتهُ كرمًا على دربٍ *
وقِبلةَ عاشقينَ وصحنَ مرمر
لو كنتُ يا سمراءُ أصغر
لو دارت الأيام دورتها
أعادتني لرأس النبعِ
للدربِ الطويلِ
لخطوتي الأولى
ولَوْ خطوي تَعَثَر
لكسرتُ ريشتيَ التي صَبَغَتْ تلاويني
وأشعاري التي غنيتُها دهرًا
لكنتُ حبستها في قُمقمٍ
ما احتجتُ قرطاسًا ودفتر
لذَريتُها في الريحِ
واستبدلتها قيثارةً
بفمِ الزمانِ إذا تباهى أو تبختر
قيثارةً أزليةً تنسابُ بالشَجِنِ المُقَطَّر
لو كنت أصغر
لو كنت أدري أن هذا العمر أيامٌ وساعاتٌ وأقصر
لضننتُ باللحظاتِ أنفقها
لأَبلُغَ مادِرًا أو صرتُ أقتَر**
لو أن هذا الشيب أبطأ أو توانى أو تأخر
لأتيتُ من لهفٍ إليكِ
أغُذُّ سيريَ، أنهبُ الفلواتِ
أطوي عَرْضَها والسَّمْتُ أغبر
 
لو كنتُ يا سمراءُ أصغر
لبذرتُ أيامي على الطرقاتِ
ثم قعدتُ منتظرًا لأحصد موسمًا
يأتي به حقلٌ وبيدر
لكنهُ الوهمُ الذي منَّى، تدَلّى، ثم أدبر
لا الموسمُ المنشودُ هلَّ
ولا الجنى المأمولُ أثمر
أغفى على زَبَدِ الوعودِ
فما تقدمَ أو تأخر
 
لو كنتُ يا سمراءُ أصغر
كنتُ استمعتُ لناصحٍ
وعذرتُ لومةَ لائمٍ
وعَذَلتُ هذا القلب
عن هَوَسٍ أطار بِلُبهِ
ورماهُ مشجوجًا مُعَفَّر
كنتُ استرقتُ خُطايَ
ما نَهَشَتْ سراديبُ المتاهةِ وقعَ أقدامي
وكنتُ رجعتُ أدراجي على مهلي
وكان الدربُ أخضر
ولكنت ساعتها أفقتُ
وقلتُ ما قال الحكيمُ وقد تدبَّرَ أو تَفَكَّر:
" لا البعثُ بعثي، لا ولا الجندُ الذين تنكبوا،
قلبوا لنا ظهر المِجَنِّ، أَعُدُّهُمْ في الناس عسكر.

*( كرم عل درب ) عنوان كتاب للأديب ميخائيل نعيمة.

** مادر: رجل يضرب به المثل في البخل.

*** ( لا هذا البعث بعثي ولا هذا العسكر عسكري ) عبارة تنسب لميشيل عفلق وقد قالها عندما تمرد عليه ضباط البعث وعزلوه وأبعدوه عن سوريا في انقلاب عام 1966.