الجمعيات الخيرية في مصر وحجم انفاقها

، بقلم عادل عامر

إن الجمعيات الخيرية في مصر قد يصل عددها إلى 24 ألف جمعية بعد أن بلغ حجم التبرعات الخيرية فى العالم ما يقدّر بنحو 655 مليار دولار سنويا عام 2016، وبعد أن بلغ تقدير الإنفاق السنوي الخيرى فى مصر ما يقترب من 52 مليار جنيها تمثل نحو 2.9% من حجم ودائع البنوك التي حال عليها الحول، علما بأن غياب الشفافية والحوكمة كان سببا في عدم دقة التقديرات وأن هذا التقدير يتوسّع فى اعتبار كل ودائع البنوك تخرج زكاة المال حتى ودائع غير المسلمين، لكنه يتحفّظ فى اعتبار أن الزكاة تخرج على أموال البنوك فقط وأن الناس لا يتصدقون بما هو أكبر من قيمة الزكاة المفروضة.

وفي حقيقة الأمر، يشكل الإنفاق المباشر على المساعدات الخيرية، والذي يشكل نسبة من إجمالي الإنفاق العام، العنصر الأكثر أهمية في عمل الجمعيات الخيرية والمؤسسات الناشطة في هذا المجال، لأن سرعان ما يترجم ذلك بشكل إيجابي يسهم في تنمية المجتمع، ويتحقق الهدف الذي وجدت الجمعيات من أجله أصلا.

وعلى الرغم من اختلاف التقديرات ومنهجيات التقدير فإنه لا يمكن أن نتصور أن التحويلات الخيرية فى مصر تقل سنويا عن حسبة المليارات لا الملايين، تهافت شركات الدعاية والإعلان على تلك الأنشطة خير دليل، وأسعار الهواء معروفة للجميع فقد وصل سعر الباقة الإعلانية الواحدة فى إحدى القنوات الفضائية نحو 11 مليون جنيها مصريا مساحة الإعلان الواحد 30 ثانية فقط

هذه المليارات تمارس دورا اجتماعيا مهما مكملا لدور الدولة، كما تلعب أيضا دورا مهما في التأثير على القرار السياسي، الأمر الذى قد تتحوّل معه بعض تلك المؤسسات إلى مراكز قوى فعلية مؤثرة على صانع القرار وعلى أسلوب إدارته للدولة، كما يمكن أن يتم توظيفها سياسيا لخدمة أغراض بعيدة تماما عن دورها المجتمعي.

يُعرف العمل الخيري على أنه مساهمة الهيئات والأفراد في أعمال التنمية الاجتماعية، سواء بالعمل أو التمويل أو بأي شكل من الأشكال، وتتميز المؤسسات الخيرية بأن لديها استقلالاً ذاتيًا عن الحكومة وأنها منظمات غير ربحية.

وتحثنا ثقافتنا العربية والإسلامية على العمل التطوعي ودوره في تنمية المجتمع، إلا أن العمل الخيري أو التطوعي بمفهومه الصحيح لا يزال غائباً حتى وقتنا الحالي عند الكثير في المجتمعات العربية، بالإضافة إلى أنه يواجه العديد من المشكلات التي دائمًا ما تثير الشكوك حول مدى معرفة الناس بأهمية العمل الخيري،وما ينبغي أن يكون عليه تصاعد إنفاق المصريين على أعمال الخير بصورة كبيرة وملموسة خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح التكافل الاجتماعي بين فئات الشعب المختلفة، فقد بلغ حجم الأموال التي تَمّ توجيهها أعمال الخير نحو ‏4.5‏ مليار جنيه خلال العام الماضي وحده وهو مبلغ تدفق من ‏15.8‏ مليون أسرة مصرية يشكلون ‏86‏% من إجمالي عدد الأسر على مستوى مصر، وتوزع هذا المبلغ بنسبة ‏1.8‏ مليار جنيه على بند الزكاة- بمتوسط‏ 120‏ جنيهًا تنفقها كل أسرة سنويًّا‏.‏ كما شمل المبلغ أيضًا نحو ‏200‏ مليون جنيه سنويًّا يتم إنفاقها على موائد الرحمن خلال شهر رمضان المبارك، أن بعض الجمعيات الصغيرة التي أسست كوسيلة لتوفير فرص عمل بدأت في التسويق بأساليب دعائية منخفضة التكلفة، مع التركيز على أن الدعم المادي يمثل عائق أمام اتجاهها لفعل الخير، وذلك لجمع أموال أكثر.

أشهر الجمعيات التي تقدمت هذا العام من أجل الحصول على ترخيص جمع مال في 20 جمعية مثل جمعية مكافحة التدخين وأمراض الصدر التي حصلت على ترخيص مركزي صادر من الوزارة من أجل جمع تبرعات تصل قيمتها إلى 170 ألف جنيه أيضا "جمعية مكافحة التدخين" بإمبابة والتي حصلت على ترخيص بجمع مبلغ 03 ألف جنيه في نفس المدة..
ثم جمعية "الضمير الحى" بأبوالنمرس لجمع 219 ألفا و400 جنيه عن طريق حفل خيرى، وجمعية "الخطوة الأولى" التي حصلت على ترخيص مركزي لجمع مليون جنيه وأخرى يطلق عليها "صوت بلدى" تتبع إدارة الهرم إلا أنها لم تستوف أوراقها، وجمعية "الأرض الخضراء" التي تقدمت من أجل جمع مبلغ 80 ألف جنيه تليها "الجمعية المصرية لتنمية الخدمات" بإدارة الهرم التي تقدمت بطوابع ودفاتر من أجل جمع نصف مليون جنيه، وجمعية "قلوب مصر" لرعاية مرضى القلب والتي تقدمت في منتصف أبريل الماضي من أجل عمل حفل خيرى لجمع تبرعات، وكذلك نادى روتاري نورس "6 أكتوبر "وجمعية "جلوبال" لرعاية مرضى الأورام بالوراق والتي تقدمت لجمع تبرعات عن طريق البنوك حتى منتصف نوفمبر القادم..

و"جمعية خدمة وتطوير الإسعاف بالعمرانية" والتي تقدمت لجمع مبلغ 50 ألف جنيه عن طريق طوابع محددة القيمة حتى أواخر العام الحالي.. وجمعية "هبة الخير" لرعاية الأسرة من أجل جمع مبلغ 100 ألف جنيه وجمعية "بنت الخير للخدمات الاجتماعية" بمديرية أكتوبر عن طريق إيصالات غير محددة وجمعية الضمير الحى للتبرع عن طريق الصناديق، وجمعية قلوب مصر لرعاية مرضى القلب لجمع مبلغ 300 ألف جنيه وجمعية بداية الخير من خلال طوابع غير محددة وجمعية أبناء حصلت على ترخيص لجمع مبالغ عن طريق البنوك، وجمعية "أبناء مصر" لرعاية الأيتام إدارة كرداسة وجمعية الأورمان الخيرية بواسطة ترخيص جمع مال عن طريق البنوك ونادى روتاري كايرو رويال لجمع مبلغ 200 ألف جنيه.

وتمثل هذه القيمة مساهمة القطاع العائلي في موائد الرحمن والتي تبلغ نحو ‏400‏% من إجمالي الإنفاق على هذه الموائد‏.‏ أما إجمالي حجم التبرعات والصدقات فقد استحوذ على نحو ‏2.5‏ مليار جنيه سنويًّا، حيث بلغ متوسط ما تنفقه الأسرة المصرية على التبرعات والصدقات نحو ‏272‏ جنيه سنويًّا‏.‏

فإن العطاء الخيري في مصر يتخذ عدة أشكال وصور، فهناك ‏97‏% من الأسر المصرية التي تقوم بأعمال الخير يدفعون أموال بغرض الزكاة، وهناك ‏21‏% من الأسر تقوم بدفع تبرعات أو مساعدات أو صدقات‏.‏ وحول أوجه إنفاق التبرعات تشير الدراسة إلى أن نحو ثلاثة أرباع التبرعات تكون في صورة نقدية،وأن استهداف الفقراء بصورة مباشرة يستحوذ على النصيب الأكبر من التبرعات، حيث إن أكثر أوجه إنفاق التبرعات تتمحور حول مساعدة الفقراء والمحتاجين أو مساعدة الفتيات اليتيمات على الزواج‏.‏ وتأتي المساجد في الترتيب الثاني، حيث تستحوذ على ‏23‏% من أوجه إنفاق التبرعات‏.‏ تظهر أهمية التطوع والحاجة إليه كلما تقدم المجتمع وتعقدت العلاقات الاجتماعية، فكلما كانت العلاقات بسيطة ومباشرة تكون الجهود التطوعية جهوداً فردية ومباشرة أيضاً، وترتبط بالموقف ذاته، وتكون إحدى سمات العلاقات الاجتماعية، فمجتمع القرية لقلة حجمه، وتداخل علاقاته يتصف بالتساند والترابط، والتطوع فيه يؤدي وظيفة ضرورية، ويرتبط ذلك عند الناس بقيم الشهامة والمروءة والكرم.

أن حرص الأسر المصرية على وصول أموال الزكاة إلى مستحقيها جعل أكثر أوجه إنفاق هذه الأموال تذهب مباشرة إلى المحتاجين من الفقراء والمساكين، هذا هو الحال في مصر فإن العمل الخيرى أو ما نسميه التبرعات له في الخارج مفهوم مختلف عما نراه لدينا، فهذا العمل الذى تشجعه جميع دول العالم ويقبل عليه الكثيرون من مختلف الجنسيات والثقافات ليس عملا فرديا في دول العالم أي أن المواطن الأمريكي على سبيل المثال لا يفضل التبرع لأشخاص، بل يميل أكثر إلى التبرع لمؤسسات خيرية موثوق فيها ولها مصداقية.

وتخضع جميع المؤسسات الخيرية لرقابة صارمة من مؤسسات تعرف باسم مؤسسات الرقابة على العمل الخيرى. تقوم هذه المؤسسات الرقابية بفرز المؤسسات والإعلان عن الجاد منها، وإطلاع المتبرعين على حجم التبرعات التي وصلت كل مؤسسة سنويا فيما أنفقت المؤسسة أموال التبرعات والإنجازات التي حققتها.

بينما تأتي المساجد في المرتبة الثانية، ثم الجمعيات الشرعية، وهنا تبدو مفارقة أن الذكور أكثر ميلاً إلى إيداع أموال الزكاة في المساجد، بينما تميل الإناث إلى إعطاء أموال الزكاة إلى الأسر المحتاجة مباشرة‏.‏ وحول توقعات الاتجاهات المستقبلية للإنفاق الخيري في مصر،
أن غالبية الأسر المصرية ترى أن العطاء الخيري مهم ويجب التزود منه، وأن ‏77‏% من يقومون بالعطاء الخيري أشاروا إلى أنهم يقومون بزيادته عند زيادة دخولهم، وترتفع هذه النسبة في الوجه البحري لتصل إلى ‏81.3‏%‏.‏

ان حجم الإنفاق على العمل الخيري والعمل التطوعي عدة تجارب ناجحة في هذه المجالات، ومنها تجارب بنك الطعام وجمعية رسالة الخيرية ومؤسسة مصر الخير ومستشفى سرطان الأطفال. أن أكثر الجهات الخيرية التي تعمل بصدق هي، بنك الطعام والكساء، لاعتماده بشكل أساسي على التبرعات العينية من ملابس ومأكولات،

أن جمعية الأورمان تضع خططًا مستمرة لرفع المعاناة عن الأسر المصرية، حيث بدأت عدة مشروعات العام الحالي بميزانية بلغت 53 مليون جنيه لإعادة بناء وتأهيل المنازل في 12 قرية مصرية، بمعدل 40 منزلًا في كل قرية، بتكلفة تصل إلى 35 ألف جنيه للمنزل الواحد، وبتكلفة قدرها 16.8 مليون جنيه، إلى جانب إجراء 800 عملية قلب بتكلفة إجمالية قدرها 17.6 مليون جنيه، وإجراء 700 عملية متنوعة بالعين، بتكلفة قدرها 2.1 مليون جنيه، إلى جانب القيام بـ 335 زواج يتيمات بتكلفة 1.675 مليون جنيه. يجب أن يكون الهدف الرئيسي طويل الأجل لمؤسسات العمل الخيري هو غلق هذه المؤسسات، لأنه من المفترض أن تكون هذه المؤسسات قد قامت بدورها بعد وقت من الزمن في القضاء على الفقر، ومن ثم على الجميع أن يدرك أن مؤسسات العمل الخيري لها دور مرحلي في القضاء على ظاهرة الفقر. قيمة التطوع تصل على أقل تقدير إلى (4,642,240) جنيه بحساب أن 6,4% من المصريين يتطوعون وقدرت ساعة التطوع بـ(4) جنيه.

1. يبرز القطاع الأهلي في بداية القرن الواحد والعشرين القوة الاقتصادية الأكثر نمواً بين القطاعات المجتمعية الأخرى، وهو كما عبرت الدراسة ( قوة اقتصادية كبرى في الدول التي تمت دراستها) فنسبة الإنفاق لهذا القطاع تصل في متوسطها إلى (5.7%) من إجمالي الناتج الداخلي، حيث مثل هذا القطاع ما يزيد عن تريلون دولار الذي يبوئه مركز ثامن اقتصاد عالمي.

2. في ثمانية بلدان من العينة كانت نسبة النمو في وظائف القطاع الأهلي في الفترة الفاصلة بين (1990ـ1995م ) (24%) أي بنسبة سنوية تعادل (4%)، وأما نمو مجمل الوظائف الأخرى لم يتجاوز (8%) أي (2%) سنوياً، وبالتالي قارب نمو القطاع الأهلي ثلاثة أضعاف نموها في القطاعات الأخرى (العام والخاص).

3. يوفر القطاع التطوعي ما يعادل (4.8%) من أجمالي الوظائف في الدول عينة الدراسة، وبنسبة قطاعية تعادل ثلاثة أضعاف ما يوفره قطاع المرافق، وأكثر من ضعفين مما يوفره قطاع النسيج، وتقريباً نصف ما يوفره قطاع النقل والأهم من ذلك ما يعادل (27%) من الوظائف الحكومية.

4. بينت الدراسة أن التوصيف القطاعي للوظائف الثابتة ومدفوعة الأجر المرتبطة بالأنشطة التطوعية تتصف بهيمنة ثلاثة قطاعات رئيسية: تتركز (30%) من هذه الوظائف في قطاع التعليم، مقابل (20%) في قطاع الصحة، و(18%) في قطاع الخدمات الاجتماعية.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف