شدوان البطولة والتاريخ

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

خلال معارك الاستنزاف التي بدأت مصر وإسرائيل بعد أقل من شهر لنكسة يونيو عام 1967 سطر خلاها أبطال مصر بطولات عظيمة منها معركة شدوان.

تقع شدوان بالقرب من مدخل خليج السويس وخليج العقبة بالبحر الأحمر وتبعد عن الغردقة 35 كيلو متر وعن السويس 325 كيلو متر تقريبا وهى عبارة عن جزيرة صخرية منعزلة ومساحتها لاتتجاوز الـ 70 كيلو متر وبها فنار لإرشاد السفن ورادار بحري وسرية من قوات الصاعقة المصرية.

في يوم الخميس 21 يناير عام 1970 قامت القوات الإسرائيلية بالهجوم البري والبحري والجوي على جزيرة شدوان وبعض موانىء البحر الأحمر لتمنعها من تقديم المعونة لقواتنا المصرية وأستمر القتال بين سرية صاعقة مصرية وكتيبة مظلات إسرائيلية على مدار ساعات متصلة وتمكنت القوات الإسرائيلية من إصابة أحد القوارب المصرية في الجزيرة وتمكنت القوات المصرية من قتل وجرح لايقل عن ثلاثين من الإسرائيليين بالإضافة إلى إسقاط طائرتين إحداهما من طراز الإسكاي هوك والثانية من طراز ميراج.

قالت وكالات الأنباء : (من بين القتلى الإسرائيليين ضابطين هما الملازم إسحاق كوهين 24 عام والملازم الإسرائيلي إسرائيل بارليف لكنه لم يُعرف إذا كان بارليف هذا قريب للجنرال حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي وصاحب الخط الشهير الذى عُرف بأسمه أما بقية أسماء القتلى لم تعرف بعد).

صدر بيان عسكري مصري أوضح أن العدو قام بهجوم جوي مركز على جزيرة شدوان وقد تصدت وسائل الدفاع الجوي المصري للطائرات الإسرائيلية وشوهد قائد طائرة إسرائيلى وهو يهبط بالمظلة في البحر.

انسحبت القوات الإسرائيلية من الأجزاء التى احتلتها في جزيرة شدوان وفي اليوم التالي أي يوم الجمعة 22 يناير 1970 قام العدو الإسرائيلي بمعاودة الهجوم ولكن القوات الجوية المصرية تمكنت من قصف المواقع التى تمكن العدو من النزول عليها في شدوان وألقت فوقها 10 أطنان من المتفجرات في الوقت الذى قامت فيه القوات البحرية بأعمال رائعة لتعزيز القوة المصرية على الجزيرة.

قال حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي : (أن الجنود المصريين تصدوا بقوة للقوات الإسرائيلية وقاتلوا بضراوة للاحتفاظ بالجزيرة) وقالت جريدة الأهرام في عددها الصادر يوم 24 يناير 1970م: (قام العدو في صباح يوم الخميس 21 يناير بهجوم جوي عنيف على جزيرة شدوان التي يبلغ طولها 16 كيلو متراً ويتراوح عرضها بين الثلاثة وخمسة كيلو مترات ويوجد بها فنار مدني لإرشاد السفن ليلاً منعاً من اصطدامها بالشعب المرجانية وقد قامت قواتنا بوضع عدد محدود من أفراد قواتنا البحرية والبرية لحراسة الفنار وقد اشتركت أعداد كبيرة من طائرات العدو في مهاجمة موقع الفنار الذي يقع في جنوب الجزيرة وكذلك مساكن المدنيين الذين يقومون بإدارة هذا الفنار واستمر العدو في القذف الجوي لمدة ساعات متتالية مستخدماً طائرات فانتوم وسكاي هوك الأمريكية الصنع، وتمكن تحت هذا الغطاء الجوي من إنزال كتيبة مظلات منقولة بالهليكوبتر في الطرف الشمالي من الجزيرة حيث لا توجد أي قوات وقد تقدم العدو تحت ستار من القذف الجوي العنيف لاقتحام مواقع قوة الحراسة في جنوب الجزيرة وطلب من القوة أن تستسلم ورغم عنف القصف الجوي وما ترتب عليه من خسائر في قواتنا فقد رفض الرجال الاستسلام وقاتلوا العدو في بسالة وشجاعة نادرة من خندق إلى آخر وفي كل مكان حاول العدو أن يتقدم إليه وفي حوالي الساعة الواحدة من بعد ظهر الخميس أوقف العدو هجومه لعظم خسائره التي لم يكن يتوقعها رغم تفوقه الجوي والبري وبدأت قواته الجوية بقصف قواتنا مرة ثانية ثم استأنف هجومه البري في حوالي الساعة الثانية من بعد الظهر حيث تمكن من الوصول إلى منطقة جنوب الجزيرة حيث يوجد الفنار وجهاز رادار بحري صغير إنجليزي الصنع لإرشاد القوارب والسفن وقد أصيب هذا الجهاز نتيجة للقصف الجوي، واستمر رجالنا الأبطال في مقاومة العدو وفي قتاله في كل مكان من الجزيرة بالرغم من خسائرهم وقد قام جنودنا من القوات البحرية ببطولات وتضحيات نادرة لتدعيم قوة الجزيرة رغم القصف المعادي واستمر القتال طوال نهار الخميس بشدة بين رجالنا والعدو حيث قدرت خسائر العدو بأكثر من 50 قتيلاً وجريحاً حتى مساء الخميس وعند هبوط الظلام استخدم العدو المشاعل الملقاة من الطائرات ليتمكن من التغلب على مقاومة جنودنا بالجزيرة ومنع إمدادهم عن طريق البحر واستمرت قواتنا في التلاحم مع العدو، وقامت قواتنا الجوية بقصف جوي في المنطقة الجنوبية من الجزيرة التي تجمع بها العدو وبها مركز قيادة قواته وقد تكبد العدو خسائر في المعدات والأرواح نتيجة لإغارة طائرتنا عليه واستمر العدو في محاولاته في السيطرة على الجزيرة ولكنه فشل رغم تفوقه العددي ورغم الإمدادات التي وصلته وذلك نتيجة للشجاعة التي أبداها رجالنا وتمسكهم بالأرض وبعد ذلك بدأ العدو في الانسحاب من الجزيرة وقد كان للبطولة التي أبداها جنودنا في القتال المتلاحم بالسلاح الأبيض الأثر الأكبر فيما تكبده العدو من خسائر فادحة اضطرت للتخلي عن فكرة البقاء في الجزيرة التي راودته وأعلنها عند بدء هجومه وكانت خسائرنا حوالي 80 فرداً بين شهيد وجريح ومفقود بما فيهم المدنيون الذين كانوا يديرون الفنار وإن القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية لتعتبر معركة جزيرة شدوان والتي دامت 36 ساعة متصلة في قتال متلاحم رمزاً للصلابة والجرأة والفداء الذي وصل في هذه الجزيرة إلى أقصى حد).

قال جاي بوشينسكي الصحفي الأمريكي ومراسل إذاعة وستنجهاوس وجريدة شيكاغو نيوز والمصاحب للقوات الإسرائيلية.. قال في برقية بعث بها إلى وكالة أنباء اليونايتد برس: (رغم أن الطائرات الإسرائيلية قصفت الجزيرة قصفا مركزا لعدة ساعات قبل محاولة إنزال القوات الإسرائيلية فقد قاومت القوة المصرية مقاومة باسلة ولم يجعل الأمر سهلا للمهاجمين .. ولما تمكنت القوات الإسرائيلية من النزول على الطرف الشمالي الشرقي للجزيرة بدأت في محاولة لإضعاف عزيمة القوات المصرية بأن أذاعت نداءات متكررة بالميكروفون تدعو القوة المصرية للاستسلام وأنه لا فائدة من المقاومة ، وكان رد المصريين على هذا النداء بقذائف مركزة من المدافع تنصب فوق الجنود الإسرائيليين من كل جانب.. لقد شاهدت بطولات من الجنود المصريين لن أنساها ما حييت.. جندي مصري يقفز من خندقه ويحصد بمدفعه الرشاش قوة من الإسرائيليين وظل يضرب إلى أن نفذت آخر طلقة معه ثم أستشهد بعد أن قتل عددا كبيرا من جنود العدو وأصاب عشرات بجراح .. إن القوات الإسرائيلية التى كانت تتلقى مساعدة مستمرة من طائرات الهليكوبتر لم تكن تتقدم إلا ببطء شديد للغاية تحت وطأة المقاومة المصرية ولم يكن أى موقع مصري يتوقف عن الضرب إلا عندما ينتهي ما عنده من ذخيرة.. وحين انتهت ذخيرة أحد المواقع وكان به جنديان آسرهما الإسرائيليون ثم طلبوا من أحدهما أن يذهب إلى مبنى صغير قرب فنار الجزيرة ليقنع من فيه بالتسليم ثم عاد الجندي المصري ليقول لهم أنه وجد المبنى خاليا .. وعلى الفور توجه إلى المبنى ضابط إسرائيلي ومعه عدد من الجنود لاحتلال المبنى وماكادوا يدخلون إلى المبنى حتى فوجئوا بالنيران تنهال عليهم من مدفع رشاش يحمله ضابط مصري وقد قتل في هذه العملية الضابط الإسرائيلي وبعض الجنود الذين كانوا معه أما الضابط المصري البطل الشجاع فقد أصيب بعد أن تكاثر عليه جنود العدو.. وفي موقع آخر خرج جنديان متظاهرين بالتسليم، وحين تقدمت قوة إسرائيلية للقبض عليهما فوجئت بجندي مصري ثالث يبرز فجأة من الموقع بمدفعه الرشاش فيقتل 5 جنود ويصيب عدد من الإسرائيليين).

تقابلت مع اللواء حسين طه خليل أحد أبطال معركة وقائد القوات الجوية المصرية فيها وقال لي: كانت معركة جزيرة شدوان عنيفة للغاية وقد فشل العدو الإسرائيلي فى احتلال الجزيرة وكان من بين القتلى الإسرائيليين اثنين من الضباط أحدهما أحد أقارب حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي وقتئذ.

أيضا قال لي اللواء حسين طه خليل أنه حصل على نوط الشجاعة العسكري من القيادة العسكرية تكريما له لأدائه العسكري المتميز في معركة جزيرة شدوان.

أيضا شاء الله أن ألتقي مع سيد ابن البطل الشهيد حميد عتيق وفي حديثي معه قال: والدي كان يعمل بمهنة الصيد فى منطقة القناة وعمل مع القوات المصرية في عمليات الاستطلاع واستشهد فى معركة جزيرة شدوان بعد أن شارك فيها.

أضاف سيد ابن البطل الشهيد حميد عتيق: كنت في بطن أمي أثناء استشهاد والدي وعندما علمت ببطولة والدتي غلف الفخر حياتي وقد تم تكريم اسم والدي البطل الشهيد فرحمة الله على روحه.

تخليد لمعركة شدوان الخالدة اتخذت محافظة البحر الأحمر من يوم 22 يناير عيدا قوميا لها وتحتفل به كل عام.