الإيديولوجيا البيداغوجية للدولة

، بقلم كريم مرشدي

كلما أنعمنا التفكير في سبب الأزمات التعليمية والبيداغوجية التي تعاني منها بعض الدول المتخلفة أو الثالثية، ومن بينها بعض الدول العربية، والتي رغم استنجادها ببيداغوجيات غربية “متطورة”، ننتهي إلى وجود محاولات من طرف هذه الدول لتفريغ بيداغوجياتها المتسوردة (بيداغوجيا الكفايات التي استوردها المغرب مؤخرا كنموذج حي) من محتواها التكويني واستعمالها كأداة إديولوجية لإنتاج مقولات تنظيرية تتوخى تشكيل أفراد مكونين حسب طلب مجتمع المقاولات والمجتمع الرأسمالي المعاصر الذي أصبحت فيه البيداغوجيا مقترنة بالإستلاب المعرفي والشخصاني، لأن المعرفة كنشاط ذهني إنساني لم تعد ناتجة عن ذلك العقل الكوني الذي يميز البشرية ويحدد معالمها وآليات تطورها، بقدر ما أضحت نتاجا وضحية لنفس آليات هذا التطور أي ضحية لميكانيزمات منطقها الخاص، ولا أدل على ذلك من كون البيداغوجيا صارت أداة لتمرير رؤى إديولوجية صارت مع الوقت دعائم لبنياتها التنظيرية. هكذا سوف يمكننا التساؤل عن مدى وجود علاقة بين البيداغوجيا والإديولوجيا، إذ لا أحد ينكر أن الإديولوجيا نمط من التفكير النسقي يستهدف بالدرجة الأولى بناء أنماط من الباراديغمات السلوكية والمعرفية التي تموقع الفرد أو الأفراد داخل مجال معرفي وسلوكي ودهني مستلب ونمطي وموجه فوق ذلك. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا اعتبر باشلار الإديولوجيا عائقا من العوائق الإبيستمولوجية.

إن وجود “دولة “يفرض حتما وجود تفكير في الإديولوجيا أو على الأصح وجود تفكير إديولوجي: فالدولة من طبيعتها أن تنحو إلى الهيمنة بمختلف أوجهها، وبما أن الهيمنة سوسيو - سياسيا تعتبر مرادفا للسلطة، فإن كل الإديولوجيات الناشئة عن رؤية “الدولة “هي مجرد أنظمة مهيئة لممارسة السلطة والهيمنة عبر منظومة من المؤسسات والقيم تضمن بقاء المجتمع والأفراد تحت طائلة الخضوع والولاء الدائمين. هذا المفهوم العام لمعنى الإديولوجيا في ظل وجود الدولة يسري على كل أنماط التفكير الإديولوجي الجماعي, أي تلك الإديولوجيا المؤسساتية التي تباركها الجولة وتدافع عنها. غير أن هذاالتعميم لا يجب أن ينسينا كون الدولة كمؤسسة إديولوجية تنتدب شرائح من المجتمع للتعبير والدعاية لمشروعها السلطوي المهيمن عبر آليات مختلفة أهمها البيداغوجيا... وهكذا فحديثنا عن البيداغوجيا كحقل لممارسة الإديولوجيا يعتبر نوعا من إرادة السلطة ونوعا من ممارسة نمط من العنف الرمزي ضد شريحة معينة من المجتمع (شريحة المتمدرسين مثلا)، وفي هذا الأمر تتساوى الأنظمة الديموقراطية بالأنظمة الأقل ديموقراطية، مما يدفعنا إلى التساؤل حول أحقية الدولة في ممارسة هذا النوع من العنف (والإديولوجيا نوع من العنف)، وأحقيتها في سن أنظمة بيداغوجية يكون همها الأكبر هو تدجين المتمدرسين من أجل تفريخ مجتمع مشكل حسب الطلب.... إذا كان ماكس فيبر قد أعطى للدولة حق ممارسة العنف درءا للفوضى من خلال آليات القمع المؤسساتي، فإن العنف الرمزي يتحدد داخل البيداغوجيا من خلال آليات تستهدف البنى الذهنية والمعرفية ومن خلالها البنى السلوكية للأفراد بحيث تندثر القيمة الشخصانية للفرد من أجل خلق كيان “صالح “من منظور الدولة الديولوجي. ولعل كارل ماركس قد كان على حق حين تنبه إلى كون المجتمع الطبقي لا يخلو من وجود صراعات إديولوجية تنتهي بهيمنة الطبقة القوية المالكة لوسائل الإنتاج ورؤوس الأموال الفعلية والرمزية : فالدولة على هذا الأساس ليست إلا أداة في يد الطبقة المهيمنة، وهي بالضرورة هنا الطبقة البورجوازية التي تحاول عند وصولها إلى السلطة فرض رؤيتها الخاصة للعالم، ورؤيتها الخاصة للمجتمع، وذلك بسن أنساق مختلفة من الأنظمة الثقافية والسياسية والإقتصادية وحتى التعليمية التي تمكنها من البقاء على رأس هرم السلطة السياسية والإقتصادية. وعليه، فلا فرق في هذاالأمر - أيضا - بين الأنظمة السياسية والإقتصادية المختلفة عبر العالم، فالدولة ككيان عقلي - حسب هيجل - لا تعترف بالنمطية داخل سيرورة ممارسة السلطة، فالدولة تبقى دائما دولة، وممارسة السلطة تبقى السمة المميزة والرئيسية لها.

إذا عدنا للحديث عن البيداغوجيا وعلاقاتها بإديولوجيا الدولة المهيمنة (هل يحق لنا الحديث عن إديولوجيا طبقة اجتماعية ما ؟)، فسنجد أن مصطلح”“الإديولوجيا البيداغوجية “يشي بكون الهم التسلطي هو الدافع الأساسي لأي منظومة بيداغوجية، بالرغم من أن الأهداف المسطرة والمعلنة تقول خلاف ذلك: فأنماط الإديولوجيات البيداغوجية تتضمن أهدافا محسوسة وملموسة ظاهرها معرفي - سلوكي وقيمي تطوري يتبلور من خلال مشاريع مجتمعية ترعاها الدولة عبر شتى وسائل الدعاية، بما فيها انتداب شرائح من الطبقة الوسطى التي - ككل مجتمع - تعمل من أجل التسلق الطبقي السهل والمضمون عبر تبني دور الوساطة بين المجتمع القاعدي والسلطة لأجل تمرير الإديولوجيات. غير أنه كان من المفروض في هذه الأنماط أن لا تجزئ البيداغوجيا ومن خلالها المعرفة والمجتمع أيضا إلى منظومات إديولوجية مصنفة مسبقا حسب الأهداف المسطرة من طرف الدولة، إذ الملاحظ هو أن هناك تأثرا ملموسا ببعض التوجهات الفلسفية والنظرية التي كانت ولا تزال تؤثث غالبية المنظومات البيداغوجية، بحيث أصبحت الإديولوجيات البيداغوجية تتخذ لها كصفات مميزة نفس الخصائص الفكرية لهذه التوجهات، لما لها من حمولات إديولوجية ولما اكتسبته من مشروعية تاريخية، بمعنى أن الإديولوجيا البيداغوجية تستغل الإديولوجيات العامة من أجل اكتساب المشروعية السياسية والإجتماعية، وهكذا ظهرت عدة نماذج من الإديولوجيات البيداغوجية مثل الإديولوجيا البيداغوجية التقدمية والليبرالية والنفعية والهيكلية (التي تريد إعادة هيكلة المجتمع).... إذا حاولنا النظر في عمق هذه الإديولوجيات البيداغوجية نظرة فاحصة، فإننا سوف نحصل على مجموعة من الرؤى المؤدلجة هدفها تشكيل فئات مجتمعية تخدم الإديولوجيا العامة للدولة، لأنه لا يمكننا مع ذلك فصل الفكر التقدمي اليساري أو التقدمي الليبرالي عن الرؤية العامة للدولة، ولا يمكن كذلك فصل هذا الفكر عن الرؤى الإقتصادية والإجتماعية التي تتبلور كمشاريع تبني عليها الدولة إديولوجيتها المهيمنة، مما جعل كثيرا من الإنتقادات تتوجه نحو رفض بعض الإختيارات البيداغوجية كالكفايات مثلا.

إن هيمنة الفكر الإديولوجي على مجال البيداغوجيا ما هو إلا ترجمة واضحة للهيمنة الطبقية لمجموعة اجتماعية ما، وهي أيضا ترجمة لهيمنة التوجه الإقتصادي لهذه الطبقة: وواضح من خلال تاريخ الأنظمة السياسية والإقتصادية ومن خلال المذاهب الفكرية المنظرة لها، أن الإنسان في إطار الدولة ليس بمنأى عن محاولات الهيمنة والتشكيل الإديولوجي المغرض، لأنه يبقى الرافد الأساسي الذي يبنى على كاهله نجاح الرؤى الطبقية والإديولوجية التي صار الهم الإقتصادي هو المحرك الأساس لها، والمرتكز التنظيري لآليات عملها وتطورها.

وعلى هذا، سوف لن نكون قد جانبنا الصواب إذا أكدنا على كون البيداغوجيات على امتداد التاريخ لم تكن يوما ما بريئة، ولم تكن يوما ما تجعل من المعرفة همها الأساسي، لأن الدولة هي وليدة الإديولوجيا، وحاضنتها أيضا، فلا يمكن وجود دولة بدون إديولوجيا سواء اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو بيداغوجية، مع العلم أن كل هذه الإديولوجيات تجتمع في بؤرة واحدة: وهي رغبة الدولة في إنتاج مجتمع مؤدلج و”مُعَلَّب“يصير بناء على هذه “الأدلجة “مجتمعا “صالحا“بالمفهوم الذي نحتته الدولة وبنت عليه خططها المجتمعية...

المغرب هو أيضا باعتماده مجموعة من البيداغوجيات المختلفة، آخرها المقاربة بالكفايات، لم يكن بريئا في تعامله مع هذه الإختيارات، لأنها اختيارات مبتورة من واقع مخالف ومختلف، وأعني به رغبة الدولة في استيراد واستنبات بيداغوجيات غربية، لا تنتمي إلى ثقافة المجتمع ولا هي صادرة عن حاجة مجتمعية ماسة، ولم يكن كافيا أبدا أن نيسر لهذا الإستنبات الكثير من الدعاية لنتأكد من نجاحه أو عدمه، لأن الظروف الموضوعية التي أملت على الغرب المتقدم ومجتمعاته المتحضرة، اختيار بيداغوجيا معينة وإديولوجيا بيداغوجية معينة ليست ولن تكون هي نفس الظروف التي يعيشها المغرب كبلد سائر في طريق النمو، لأن اقتصاديات وإديولوجيات البلدان النامية لن تكون في منأى عن الوقوع في التخبط الناجم عن التفاوت في المقومات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والمعرفية أيضا، والناجم كذلك عن تفاوت درجة تقبل واستيعاب وتفعيل الإديولوجيات المتقدمة التي لن تكون إلا مدعاة لحصول مزيد من الشرخ في الوعي الجمعي المغربي بين الواقع الإقتصادي المعاش وواقع المنظومة المستنبتة قسرا. ولعل القارئ قد فهم أن المقصود هو أن الإديولوجيا - بيداغوجية كانت أو غير بيداغوجية - سوف لن تكون إلا سببا من أسباب الدخول في دوامة من الإصلاحات البعيدة كل البعد عن الواقع الفعلي للمجتمع، فشتان بين واقع فعلي وواقع افتراضي ومفترض. وفي هذه الحالة سنكون مجبرين على العمل ليس على اختيارات إديولوجية وبيداغوجية غربية ومعاصرة، وإنما العمل على تثبيت مجتمع المعرفة بالدرجة الأولى من أجل خلق مجتمع عارف، ثم بعد ذلك يتم العمل على تشكيل مجتمع الفعل والكينونة. ولنا أن نتساءل: أي مجتمع نريده لمغربنا في حضور البيداغوجيا المؤدلجة وفي غياب المكون المجتمعي الأهم: المعرفة ؟... والملاحظ أن دول العالم الثالث تكون جرعة الإديولوجيا لديها عالية، باعتبار الدولة المتدنية حضاريا (وهذا واقع لا مراء فيه)، تضع كأساس لها الهيمنة على المجتمع وإخضاعه وديمومة خضوعه من أجل غرض واحد ووحيد: تقسيم المجتمع إلى حاكم بإرادة التحكم ومحكوم بإرادة الخضوع، ومن بين أساليب الدولة الثالثية في تدجين المجتمع: إفراغ المحتوى البيداغوجي من محتواه المعرفي واستبداله بمحتوى “معرفي “مؤدلج، يساهم في إنتاج الشعوب الأمية والخاضعة والمسلوبة الإرادة أكثر من المحتوى المعرفي المساهم بفعالية في بناء الوعي الحضاري للشعوب، بعكس الدول المتحضرة والراقية، حيث تكون السلطة والمجتمع في توافق واتزان يستبعد الهيمنة والسيطرة على شخصية المجتمع، من أجل إشراكه في بناء الدولة.


كريم مرشدي

كاتب مغربي

من نفس المؤلف