الأحمر يليق بكِ

، بقلم جورج سلوم

يظنون أنني أخطأت العنوان في زحمة العناوين..فالعنوان المشهور يقول أن (الأسود يليق بك) لأحلام مستغانمي..لكني كتبتها قصداً لأن انقلاب الأسود إلى أحمر هو جوهر الحكاية.

الأسود لا يليق بنا..فنحن السواد الأعظم وكفانا سواداً واسوداداً وسوداوية.

نحن قضبان الحديد الأسود يضعونه في الأتون فيحمرّ.. ويطرقونه تكراراً على سندان الألم حتى يصبح مطواعاً..

نحن حطب الحياة وجمر المواقد الأسود...نحترق ونحمرّ و(نحتمر)..يستدفئون علينا..حتى نصبح رماداً..فتذرونا الريح.

نحن الجباه السود تحت قيظ الشمس..تحمرُّ وتتعرّق ونلعق عرقنا المالح فنراه حلواً.

نحن الخدود السمر تحمرّ من هول اللطم..كطبولٍ يقرعون على جلداتها إيقاعات الحياة.

نحن المداد الأسود يكتبون بنا بطولاتهم في صفحات التاريخ..وإن جفّ فسيكتبون بدمائنا الحمراء.

جنودٌ مجهولون بأسمائنا وأعمالنا..سمرٌ سواعدنا ..سودٌ ليالينا..حمرٌ مآقينا.

الأسود لا يليق بكِ أيتها الأم الثكلى..كفاك نواحاً وقرعاً على الصدور..تجمّلي بالأحمر من دماء أبنائك الذين سقطوا في معمعة الصراع الأزلي..مزّقي ثيابك السوداء..حرّري حلماتكِ الحمراء وقارعي بها الحراب السود فهي آخر ما تملكين.

الأسود لا يليق بكِ يا حبيبتي..لا أريد أن أرى شفتيك الباهتتين خوفاً ..ووجنتيك الشاحبتين برداً..وجلبابكِ الأسود الذي حجبكِ عني..دعيني أصعد إلى عينيكِ السود وكحلكِ الأسود وشعركِ الأسود..أبعث فيهم نار الحب..فتصطلي جماركِ..وتحمرُّ أعوادكِ..وتتأجّج فرائصكِ..فيليق بكِ الأحمر عندها..

لا أحمر للشفاه عندكِ ؟..لابأس..عضّي عليها بأسنانك فتزداد احمراراً..

الأحمر يليق بك فعلاً..

إليك أهدي قلم الحُمرة الناري في عيد الحب...ادعكي شفتيكِ به أكثر يا حبيبتي..كدّسي طبقاتٍ وطبقات من حُمرة الشفاه..لا تخافي سأزيلها عن شفتيكِ بقبلةٍ واحدة لكنّها طويلة..خرساء كصوتي القوي..ساخنة كسخونة معترك حياتي..قاسية كقساوة الخطوط الحمراء التي تعترضني في مسيرتي..حاقدة كالحقد على حبك الممنوع..ثائرة على قلبكِ الموصود أمامي والمختوم بالشمع الأحمر.

الأحمر يليق بك..

فقد عشقكِ اللون الأحمر أيضاً يا تربة وطني السمراء..أصبحتِ مجبولة بالدم وذرّات ترابك مخلوطة بالكريات الحمراء..هكذا قال مختبر التحاليل..لذا سيبقى الاحتفال بعيد الحب طويلاً عندنا..هكذا قال المتنبئ بالمستقبل..فكل شيئ أحمر..الأرض والمياه والحدود وعتبات البيوت..والأعناق والنحور..والشفاه والثغور..والقصور والقبور..

لا تفرشوا للضيف الكريم سجّادةً حمراء ليخطو عليها..لا داعٍ لذلك فأينما داس سيدوس الأحمر في أوطاننا..وستهلل له العيون المكتحلة بالاحمرار من فرط السهر..

وماذا أقول عن القلم الأحمر الذي يشطب كتاباتي..سأكتب بالأحمر منذ الآن فلن تُرى ملاحظاتهم ولا خطوطهم الحمراء.

إن نسيت..لن أنسى إن أهديك وردة جورية حمراء في عيد الحب..تزرعينها بين نهديك حيث أحبّ أن أتوسّد وأنام..هناك حيث تمّحي الحدود تدريجياً بين النقيضين الشامخين..اعصريهما لأغور أكثر في أودية الحب السحيقة..فتتبعثر أوراق الورد..ويهون الزمن الصعب..

وداعاً أيها الرأس الأحمر!

يا من أستنشقكَ سُمّاً من طرف سيجارتي..فلا أرى غيركَ في الليل البهيم.. لم أعد أرى أبعد من طول سيجارتي..ويزيد دخانها المتصاعد أمام ناظري ضبابية الموقف..حلقات متشابكة كظلالٍ شيطانية تتكاثر سحباً سوداء في سمائي..احترقي أكثر يا سيجارة الموت.. تآكلي فيقترب الضوء الأحمر من فمي حتى ألفظكِ عني..وأزفر ثمالتكِ حارّةً وكريهة الرائحة كأنفاسي..

سأستبدلكِ اليوم بشمعة حمراء جديدة ..نسهر معاً على لهبها المتراقص..وظلالها الحمراء..فالأحمر يليق بكِ فعلاً..ونذوب ونسيل دموعاً شمعية ساخنة تنهمر وتتهادى نحو قاعدة الحب..وهي ليست من قواعد العشق الأربعين!..


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف