دِفاعا عنِ الفُصحَى: العربيّةُ بَـراءٌ

، بقلم فوزية الشطي

كثيرا ما يأتي ظلمُ اللّغةِ العربيّة الفصحَى مِن أهلها. ولا يصدرُ عن الأغرابِ إلاّ إذا كان "لغايةٍ في نفسِ يعقوبهم". وأهمُّ المظالم الّتي تحاول أن تدكَّ عرشَ "لغةِ الضّاد" ادّعاءُ أنّها لغةُ التّخمةِ المعجميّة والخَطابيّة مع ضآلةِ المعنى أو قصورِه أو غيابِه.

ليس صحيحا أنّ العربيّةَ تهتمّ بجماليّةِ الخطاب وإيقاعِه على حساب دقّةِ المعنى. النّصوصُ المتونُ تثبِت العكسَ: تكفي قراءةُ "أبي عثمان الجاحظ" المعتزليِّ العقلانيّ أو "عبد الله بن المقفّع" الأديب المفكّر الـمُسيَّس أو "عليّ بن أبي طالب" رجلِ الدّينِ والسّيفِ والسّياسة أو "أبي العلاء المعرّي" الشّاعرِ الوجوديّ الزّاهد... حتّى نجدَ الدّلالةَ العميقة الدّقيقة في أجملِ ثوب لفظيّ وأبْهَى إخراج خَطابيّ.

اللّغةُ كائنٌ حيّ، تنهارُ بانهيار قومِها وتقوَى بقوّتهم، تفتقرُ لِفقرهم وتغتنِي بغِناهم. فسُؤددُها فرعٌ مِن سُؤددِهم الحضاريّ. وليس الضّعفُ أو القوّةُ صفتيْن أصليّتيْن فيها. إنّما تكتسبُ اللّغاتُ جميعُها حالاتِها الصّحيّةَ والمرَضيّة مِن البيئة الحضاريّة الّتي تحتضنُها. بل قد تُصيبُها جرّاء هذي العلاقةِ العضويّة المصيريّة عاهاتٌ طويلةُ الأمدِ بطيئةُ التّعافي، وقد تُودِي بها لِتدفنَها في غياهب النّسيان أو الاندثار. بهذا المعنى، إنّ اللّغةَ الإنجليزيّة الـمُهيمنة اليومَ على المجالاتِ العلميّة والإعلاميّة والسّياسيّة لا تفضُل في شيءٍ لغةَ قبيلةٍ هنديّة أمريكيّة شبهِ بدائيّة معزولة في غابات الأمازون. فكلٌّ منهُما تلبّي الحاجاتِ التّواصليّةَ للمتكلّمين بها ولا تبخلُ عنهم بما يكمُن فيها مِن زادٍ معجميّ ودلاليّ ونحويّ وصرفيّ وبلاغيّ... وإنْ "توقّفتْ لغةُ الكلام" أحيانا فلأنّ المتكلّمَ لم يستطعْ نَفْثَ الرّوح في الطّاقات اللّغويّة الكامنة وتوليدَ ما يَفِي بحاجاته منها، لا لأنّ لغتَه الأمَّ عاجزةٌ عجْزا متأصّلا عنْ أداء المعنى المراد. ففي كلِّ لغةٍ كنوزٌ دفينةٌ تنتظر بشوقٍ مَن ينفضُ عنها غبارَ الكسل ويُخرجُها مِن حالةِ الكُمون إلى حالة الفِعل.

اِتّهامُ اللّغةِ العربيّة الفُصحَى بالميلِ إلى الفضْفضةِ المعجميّة على حسابِ الدّقّة الدّلاليّة هو اتّهامٌ باطل تماما لكونه غيرَ عِلميّ. كأنّما يسعَى الـمُدّعِي (المتكلّمُ) إلى تبرئةِ ساحتِه مِن تهمةِ العجْز عنِ التّعبير عبرَ إلقاءِ التّبعةِ على اللّغةِ الـمُدَّعَى عليها الـمُتّهَمة بكونها ناقصةً في أصلِ نشأتها. والحالُ أنّ المتكلّمَ في هذه الحال هو الْمُدانُ بتهمٍ ثلاثٍ على الأقلّ: أولاهُما العجزُ عن توظيفِ الموارد اللّغويّة الجاهزة، ثانيتُهما العزوفُ عن توليدِ حاجاتِه التّواصليّة مِن الطّاقات اللّغويّة الكامنة، ثالثتُها التهرّبُ مِن المسؤوليّة الفرديّة والجماعيّة عنْ تدهور حال العربيّة نُفوذا وشيوعا ونجاعة. والأدهَى مِن ذلك أنّه يمارس "العنصريّةَ" القائلةَ بتفوّقِ "عرقٍ لغويّ" على آخر تفوّقا أصليّا.

كلّنا مُقصّرون بشكلٍ مّا، وإنْ بدرجاتٍ مختلفة، في حقِّ لغتنا. وكثيرٌ منّا مُذنِبون عن غيرِ وَعيٍ. وبعضُنا مُجرِمون عن سبْقِ الإضمار والتّرصّد. أمّا التّرويجُ لفكرة أنّ العربيّةَ الفصحى هي "لغةٌ مُحتضَرة بل مَيْتة" فهو رأسُ هذا الإجرامِ اللّسانيّ الّذي يطالُ لغةً اشتقاقيّة إعرابيّة موسيقيّة تمثّلُ حالةً استثنائيّة في الثّروةِ اللّسانيّة العالميّة.


فوزية الشطي

شاعرة تونسية

من نفس المؤلف