الثلاثاء ٤ تموز (يوليو) ٢٠٠٦
من النصوص التي شاركت في مسابقة ديوان العرب لأدب الأطفال للعام 2005
بقلم حيدر غازي سلمان

مَلِكُ الثَّلجِ

سن 12 ـ 15

في ذلِكَ الشِّتاءُ المُثقَلِ بالثَّلجِ ، وفي ذلِكَ الكُوخِ الخَشَب ِِعِندَ سَفحِ الجَبَلِ ، تَحَلَقَ الأَطفالُ حَولَ المَوقِدِ يَلتَمِسُونَ الدِفءَ ، َويَنظِرونَ إلى جَدِّهِم الّذي بَدَأَ قِصَّتَهُ الجَدِيدَةُ عَنِ الجَبَلِ قائِلاً :

لَقَد حَلَّ الشِّتاءُ سَريعَاً، ها قَد اِكتَسَت الأَرضَ بِثَوبِها الأَبيَضَ البارِدَ، وَهاهِيَّ الرّيحُ تَعزِفُ لَحنَها في الصِخُورِ وَتُنادِيكُمُ قائِلَةً:
تَدَفَّؤوووووا .
َونَفَخَ الجَّدُّ بِوَجهِ الأَطفالِ، فَتَراصُوا وَتَضاحَكُوا فِيما بَينَهِم، وَأَكمَلَ قائِلا ًوَاِبتِسامَةً تَرتَسِمُ عَلَى وَجهِهِ الشّاِئخِ:
أَتَعلَمُونَ يا أَبنائِي، يُقالُ إِنَّ في قِمَةِ الجَبَلِ يَقطِنُ مَلِكُ الثَّلجِ، إِنَّهُ رَجُلٌ قَويٌّ ، يَداهُ بارِدَتانِ، بارِدَتانِ مِثلَ الثَّلجِ، وَأَنفاسَهُ تَزفِرُ بالصَقِيعِ، وَعَيناهُ زَرقاوَانِ، وَحِينَ يَحِلُّ الشِّتاءَ، يَقذِفُ الثَّلجَ إلى السَّماءِ، فَيَهبِطُ عَلَى الأَرضِ، َويَنفَخُ مِن فَمِهِ الصَّقيعَ فَتَتَجَمَدُ الأَشجارُ وَالأَنهارُ، َويَختَبِيءُ النَّاسُ في أَكواخِهِم بَحثاً عَن الدِّفءِ.
فَتَسائَلَ الأَطفالُ:

َوهَل رأَيتَ مَلِكَ الثَّلجِ يا جَد ؟
أَجابَ الجَدُّ:
كَلا يا أَبنائِي أَنا لَم أُشاهِد مَلِكَ الثَّلجِ يَوما ً، يُقالُ أَنـَّهُ يَقطِنُ القِمَةَ، تِلكَ القِمَةُ البارِدَةُ الَّتي لا يَذُوب جَلِيدُها، حَتى ( لَيلى ) حِينَ وَصَلَت القِمَةَ لَم تُشاهِدهُ.
فَصاحَ الجَّميعُ مُتَسائِلين:

َومَن هِي لَيلى يا جَد ؟
أَجابَ الجَّدُّ قائِلا ً:
إِنّها فَتاةٌ بِعِمرِكُم يا أبنائِي، كانَت تَسكُنُ في كُوخٍ خَشَبٍ، عِندَ سَفحِ هذا الجَبَل، تَمُرُ عَلَيها فُصُولاً أَربَعَة، الرَّبِيعُ بِمائِهِ العَذب، َوأَلوانِهِ الزّاهِيَة، تُحَلقُ فِيهِ العَصافِيرَ، وَتَبتَهِجُ الأَشجارَ، وَتَكثِرُ الثِّمارَ، فَتَرقِصُ ليَلى َوتُعاِنقُ الزُّهُورَ، وَتُكَلِمَ الطِيورَ. وَحِينَ يأتِي الصَّيفُ، بِعَطائِهِ الوَفير، وَشَمسِهِ الدّافِئَةَ المُتَأَلِقَةَ في السَّماءِ، تَجلِسُ َليلى عِندَ حافَةَ النَهرِ، وَتُلاعِبُ بِقَدَميها المُوَيجاتِ الرّاقِصَةُ.

وَيأتِي الخَريفُ، ِبأَوراقِ الشَّجَرِ المُتَطايِرَةِ، َوالثِّمارِ المُتَساقِطَةِ، فَيُجمَعُ خِلالَهُ الحَطَبَ، َوَيعِدُّ النّاسَ عِدَّتهُم لإستِقبالِ الشِّتاء. َوالشِّتاء، إنَّهُ أَقسى ما َيمرُّ في هذِهِ المنطَقَةِ يا أَبنائِي، إنَّهُ فَصلٌ بارِدٌ، بارِدٌ لا يَستَطيعُ كُل حَطَبِ الغابَةِ أَن يُدَفيءَ لَيلَهُ القارِس، َوليلى حِينَ حَلَّ الشِّتاءَ، كانَت مَرِيضَةٌ، تَرقِدُ في سَرِيرِها، وَكانَت تُجالِسُها أُمّها، تَقِصُ لَها عَن مَلِكِ الثَّلج، فَبَدَأَ البَردُ يَشتَدُ، وَنارُ المَوقِدِ تَخفِتُ شَيئا ًفَشيئا ً، وَمَلِكُ الثَّلجِ يَنفَخُ الصَّقيعَ، فَنادَت لَيلى أمها وَهي تَرتَجِفُ:
أُمي... قولي لِمَلِكِ الثَّلجِ أَن يَتَوَقَفَ عَن نَفخِ الصَّقيع.

فَتُجيبُها أُمها بِحنان:

حَسَناً يا بُنَيَّتي، نامِي وَسأَذهَبُ إِلى مَلِكِ الثَّلجِ َوأَطلِبُ مِنهُ أَن يَتَوَقَفَ عَن نَفخِ الصَّقيع.

مَرَّت السَّاعاتُ، َونامَت َليلى نَوما ًعَميقا ً، كانَت تَحلَمُ بالدِّفءَ، وَشَمسِ الصَّيفَ، وَالنَّهرِ الصَّغير، َوالأَزاهير، َوالعَصافِيرِ المُبتَهِجَـةِ، حِينَها نَفدَ الحَطبُ، َوانطَفأَت نارُ المَوقِدِ. َوعِندَما فَتَحَت لَيلى عَينيها كانَت قَد شُفِيَت، بَحَثَت عَن أُمها، َوأَطلَقت نِدائَها ( أُمي.. ) إِلا أَنَ أُمها لَم تَكُن بالكُوخِ، اِنتَظَرتها لَيلى، َوأَزِفَ النَّهارُ وَلم تأتِ أُمها بَعدُ، َومَرت الأَيامَ، َوالشِّهُورَ، َولَيلى تُنادي أُمها، تَسأَلُ الغابَةَ، وَالطيورَ، َوالنَهرِ الصَغير، حَتى حَلَّ الرَّبيع، وَذابَتِ الثِّلوج في الغابَةِ، َونَبَتَت الأَزهارُ، َوقِمَةُ الجَبَلِ مازالَت بَيضاءً،َوأُمُ لَيلى لَم تَعُد بَعدُ، حِينَها قَرَّرَت لَيلى أَن تَذهَبَ إلى مَلِكِ الثَّلجِ عِندَ قِمَّةِ الجَبَلِ لِتَسألَهُ عَن أُمها.

بَدَأَت رِحلَتَها َوالأَيامُ تَمرُ، لَيلى تَتَسَلَّقُ الجَبَلَ نَحو قِمَّتَهُ البَيضاء، تَسأَلُ كُلَّ طَيرٍ َيمرُ بِقُربِها، َوكُلَّ نَبتَةٍ تَجلِسُ عِندَها، حَتى قَطَراتُ النَّدى المُتَعَلِقَةُ بِأَوراقِ الأَزهارِ، سَأَلتها لَيلى عَن أُمها َوعَن مَلِكِ الثَّلجِ الذي يَسكُنُ القِمَةَ البَيضاءَ، لكِنَّها لَم تَحضَ بِجَوابٍ، َولَم تَيأَسَ، بَقيت تَتَسَلَقُ نَحو القِمَةِ، في الليلِ، تَسمَعُ صَوتَ زَفيرِ مَلِكِ الثَّلج يَتَرَدَدُ صَداهُ بَينَ الصّخورِ، َوالأَيامُ تَمُر َولَيلى تَتَسَلَقُ وَتَسلِكُ طَريقُها بِجدٍ، لا تُعِيقُها وِعُورَتهُ، َولا ثِلوجِ القِمَةِ التي بَدَأت تَقتَربُ مِنها شَيئا ًفَشيئا ً، حَتى وَصَلَت القِمَةِ، بَحَثَت عَن مَلِكِ الثَّلجِ في ُكلِّ مَكانٍ، وَصاحَت بأَعلى صَوتِها ( يا مَلِكُ الثَّلجِ... أَينَ أُمي... )، فَرَدَدَت الوِديان صَدى صَوتِها، َومَلِكُ الثَّلجِ لَم يَحضَر، َليلى فَكَّرَت َوهي في قِمَةِ الجَبَلِ البَيضاءِ، قالَت في نَفسِها ( أَكيد إِنَهُ يَختَبِيءُ تَحتَ الثَّلجِ ). بَدأَت تَبحَثُ، تَقبِضُ عَلى الثَّلجِ بِيَديها، َوتَقذِفُ بِهِ إلى السَماءِ عَلَّها تَجِدُ تَحتَهِ مَلِكُ الثَّلجِ ليَدُلها عَلى أُمها.

َوبَقِيَت هُناكَ في القِمَةِ، بَقيَت تَقذِفُ الثَّلجَ إلى السَّماءِ، فَيَهبِطُ عَلَى الأَرضِ، لِيَحِلَ فَصلُ الشِّتاء.

سن 12 ـ 15

قَصائِدُ البُلبُل

كانَ قَصرُ الوالِي يُطِلُّ عَلَى المَدينـَــةِ ، وَكانَ يَقضي لَيلَهُ في شُرفَتِهِ ، فَلا يَنامُ حَتى يُطفأُ آخِرَ نُورٍ في المَدينَةِ .

وَذاتَ لَيــلَةٍ، بَيــنَما هُوَ جالِسٌ في شُرفَتِـهِ ، ظَـلَّ أَحَــدَ أَنوارِ المَنازِلِ مُضاءً حَتى الصَّباح .

أَسرَعَ الوالِي بإِرسالِ عِيونَهُ وَجَواسِيسَهُ لِيَتَــحروا عَن سَبَبِ بَقاءِ صاحِبَ المَنـــزِلِ يَقِظا ً، وَسُرعَــانَ ما عَادُوا لِيُخبِرِوهُ بأَنَ مُعَلِمُ المَدِينَةَ مُنكَباً عَلَى أَوراقِهِ وَيكتُبُ .

أَمَرَهُم الوالِي بإِحضارِ المُعَلِمَ .
سَأَلَهُ الوالي عَن سَبَبِ بَقائِهِ يَقِظاً حَتى الصَّباح ، فَأَجابَ :
إِني أُحَضِرَ درُوسَ أَبناءَ المَدينَة .
فَتَساءَلَ الوالِي :
وَماذا تُحَضِرَ مِن درُوس ؟
أَجابَ المُعَلِمُ :
إِنَّها قَصائِدٌ تَحكِي عَنِ البُلبُلِ .
إِرتَسَـمَت عَلامـاتُ الحِيـرَةِ عَلى وَجـهِ الـوالِي ، لكِنـَّـهُ ظَــلَّ يَتَوَجَّسَ خِيفَةً مِنَ المُعَلِمِ .

وَذاتَ لَيلَةٍ ، بَينَـما يَنـظِرُ الوالِي نَحـوَ نافِـذَةِ المُعَـلِم ، داهَمَتهُ إِغفاءَةً وَراحَ يَحلُم ...
رَأَى بُلبُلا ًيَطيرُ مِن نافِذَةِ المُعَلِم مُغَرِدا ً، فَيَركُضَ خَلفَهُ أَبناءَ المَدينَةَ وَيتبَعَهُم أَهلُها ...
وَلكِنَّ البُلبُلُ يَعبُرُ سُورَ القَصرِ وَيَقِفُ عَلَى الأَشجارِ ...
يأمُرُ الوالي حاشِيَتَـهُ وَحَرَسَهُ أَن يُمسِكوا البُلبُلَ وَيضَعوهُ في قَفَصٍ ، فَظَلَّ صَوتُ البُلبُلِ يَتَرَدَدُ في أَرجاءِ القَصر ...

إِحتَـجَ أَهلُ المَدينَـة ، وَحَمـلوا الحِجـارَةَ وَراحُـوا يَضـرِبونَ الأَسوارَ وَيـُدمُونَ الحَـرسَ ، وَيُطالِبـُونَ بإِطلاقِ سَـراحَ البُـلبُـلَ وَطَردِ الوالي مِن مَدينَتَهُم ...
إِستَيـقَظَ الـوالي فَزِعاً مِن نَومِهِ عَلى صَوتِ أَهالي المَدينـَةِ الَّتي إِحتَشَدَت حَولَ قَصرِهِ مُطالِبينَ بطَردِهِ .

نَظـَرَ الوالي بِخِيـفَةٍ نَحـوَ المُعَـلِمَ الذي كانَ يَقـودَهُـم ، وَكانَ الصَّباحُ قَد أَشرَقَ بإِشراقَةٍ جَديدَة .

سن 12 ـ 15

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى