الاثنين ٤ شباط (فبراير) ٢٠١٩
بقلم جورج سلوم

الغسيل المتّسخ

قلت لها على الهاتف:

- صدقاً..أنا اليوم غيرُ قادرٍ على ملاقاتك..وأعتذر..لأني مريض

- هه..هه..وهل يمرض الطبيب؟!

استهْجَنْتُ جوابها مع أنني سمعته مراراً من غيرها فيما سبق..وقلت:

- أوَليسَ الطبيب إنساناً فيمرض كباقي الخلق؟

- عفواً عفواً سلامَتُك..أقصد أنت تعالج الناس أفلا تعالج نفسك؟

وضحِكَت وأردفَت ساخرة:

- أنا أفهم تمارضك بأنّك مشغولٌ اليوم بعملك..أو أنّك لا تشتاق لي..وويلك لو كان الاحتمال الثاني صحيحاً..سأفضحك بين الخلق جميعاً وأولهم زوجتك..وأنشر غسيلك المتّسخ و...و..

كان لابدّ لي من السّعال المُصطَنع الإراديّ لأقاطعَها ولتصدّقني..وفعلاً تساعلت قصداً فأعقب ذلك سعْلاتٌ عفوية وأعقبها عُطاسٌ انفجاريّ..فأسرَعَتْ يدي لأقربِ منديل أكفكفُ به أنفي الذي يسيل..وقلت:

- طيّب..ألا تسمعين صوتي الذي تغيّرت نبرته؟

- نعم..نعم..صدّقتك..وقد ثقبْتَ طبلة أذني بسعالك الإصطناعي، وأتمنّى لك الشفاء العاجل رغم ثقتي بأنك بارعٌ في تمثيل المرض فهذه مهنتك..ولعبتك التي تتقنها

- وحرارتي المرتفعة؟ وأظنّها دقّت الأربعين..وهل يستطيع أيّ امرئٍ رفعَ حرارته؟..

يا للأسف..وقلت في نفسي.. وحتى زوجتي لا تصدّقني وتعتبرني متمارضاً!..بالرغم من لوني الشاحب والقشعريرة التي تجعلني أرتجف فتصطكّ أسناني..وأتكوّم على نفسي في الفراش..فتنزع عني اللحاف الثقيل وتقول..كفاك تمثيلاً!..وحتى و لو شاهدَتْ بأمِّ العين أدويتي التي أتناولها لخفضِ الحرارة، تعتبرها نوعاً من الفيتامينات أو المقوّيات..أو أدوية موهمة من نماذج الدّعاية الطبية المجّانية..ولا أحد يكترث لوزني الذي يخفّ وجسمي الذي ينحل..ويسألونني عن برنامج الحمية الذي أطبّقه!

ناهيك عن المرضى الذين وعدتهم اليوم..أيضاً يستنكرون مرضي ويعتبرونه نوعاً من التهرّب..ويقولون..قد يكون مرتبطاً برحلةٍ ما أو غداء يغصّ بما لذّ وطاب..ويهملنا نحن الذين التزمنا بمواعيده

وبعد ثوانٍ من الصّمت.. أجابت بعصبية:

- وماذا أقول أنا عن نفسي؟..أنا التي أرسلَت زوجها ليزور أهله في القرية فيخلو لكَ الجوُّ معي..وأخذْتُ إجازة من عملي لهذا اليوم من أجلك..وحضّرت لك الطعام الذي
تحبّه..هيّا..هيا..وكفاك دلالاً..عذرك غير مقبول وكفاك اختلاقاً للأعذار، وتذكّر قولي..ويلك لو لم تأت في الثانية والنصف بعد العيادة..ولن أتّصل ثانية، أفَهِمْت؟

وأظنها رمت بهاتفها الجوال على الأرض لتخرسه..وقد فعَلَت ذلك سابقاً لتقول لي..هاتفي كسرته من أجلك..هيّا فلتجلب لي بديلاً عنه كهدية!

طبعاً اعتذرْتُ من زوجتي وادّعيت أنني أصبحتُ الآن أفضل..إذ بدأ الدواء يأخذ مفعوله..وقلت لها إنّ أمراضَ الناس لا ترحم و لابدّ من الذهاب للعمل، وهناك مواعيد مضروبة مُسبقاً ولا يمكن إلغاؤها..وطبعاً لن آتي في فترة الغداء فقد أضطرّ لإجراء جراحة لا يمكن تأجيلها..والزوجة لا تكترث لأنّ الطبيبَ دائماً معذور..ووقته ملكٌ لمرضاه..لذا قالت كلماتها المعهودة..كان الله في عونك

خرجْتُ متثاقلاً..مريضٌ أنا والله..ومنهَكٌ أكثرُ من كلّ مرضاي..ولو تمدّدت على سرير المعاينة كأيّ مريض لأدخلوني المشفى فوراً، وتناقلوني محمولاً من قسمٍ إلى آخر..وقد أكون مُعَلعَلاً ولو كنت مُعالِجاً للعلل..ولو أجروا لي تحاليلاً لاكتشفوا آلاف الأمراض التي أكابر عليها..وأطفو فوق أمواجها ببراعة السبّاح الخبير..رأسه فوق الماء ويخبط صفحته بيديه ولا ينتبه لجسده الغائص حتى أذنيه في اللجّة..ولا يفكر بعضلاته التي بدأت تخور، ولا ينظر إلى قاعه السحيق والغرق الذي يتربّص به.

ولا أذكر أنني أجريت فحصاً مخبرياً لدمي منذ سنوات طويلة، مع أنني أعيشُ في مشفى..ولم أكشف يوماً صدري لصورة شعاعية ولا حتى لتخطيط قلب بسيط، وكم أجريتُ للآخرين تخطيطاً لأبسط شريان في جسدهم..ولا حتى لقاحات التهاب الكبد التي تُفرَض على الجرّاحين فرْضاً..كلّها أؤجّلها وأتهرّب منها..

لكنني فعلاً غير متوازن في مشيتي اليوم..وكأنّ الدنيا تدور وخفتت أنوارها..أو أنّ نظارتي بحاجة لمسح زجاجها (المتّسخ).

استندْتُ إلى باب سيارتي المفتوح ونظرت إلى المشاة من حولي..وأحسست بأن صوَرهم تتداخل في بعضها..والسيارات ذات ألوان ضبابية..واعتبرت ذلك ناتجاً عن تأثير الأدوية الثقيلة التي ابتلعتها..حسناً..وفنجانٌ من القهوة الآن في العيادة سيعيد الأمور إلى نصابها..
لذا دار المحرّك واستعدّت سيارتي للإقلاع.. وكأنَّ زجاج السيارة الأمامي غير نظيف أيضاً (متّسخٌ )خارجاً وتغطّيه الرطوبة داخلاً..والمكيّف الكهربائي الداخلي سيسخّنه وتنقشع رطوبته..والمسّاحات الخارجية المهترئة تجرح الزجاج ولا ترشرش ماء لتجلو سحجاتها..ولا أذكر أنني فتحتُ غطاءَ محرّك سيارتي إلا لماماً.. محرّكها مُهمَلٌ وقد يكون متسخاً أيضاً..وما راقبتُ زيتَ محرّكها وما ملأتُ قربتها..فقط أطلق العنان وأمشي كلّ يومٍ مستعجلاً..وكلُّ ما سبق مؤجّل..فإلى متى؟

وسرْتُ وطريقي معروفٌ ومطروق يومياً صوب عيادتي..لكنّ توقّفي على إحدى إشارات المرور جعلني أعدِل عن وجهتي..فلأذهب أولاً إلى المشفى وأجري بعض الفحوصات..وبعدها سآخذ سيارتي للفحص أيضاً..وبعدها سأذهب لعيادتي وأكشف على بعض مواعيدي..وسأعطي ممرضتي إجازة لأسبوعين وسأسافر خارج المدينة لأرتاح..وعندها سأغلق هاتفي الجوال..وقبل أن أعود إلى البيت لأزفَّ لزوجتي بشرى سفرنا للاستجمام، سأعرّج طبعاً إلى صديقتي كمرور الكرام..فأصلح ذات البين وأقطع علاقتي بها ولتصبِحْ تاريخاً فقط..
كلّ تلك المخططات طافت في ذهني وأنا في طريقي للمشفى..وكل إشارة مرور تجعلك تتوقف قليلاً وتعيد حساباتك عند الضوء الأحمر الذي يفرض عليك الوقوف..للمرة الأولى شعرت بالرضى لكثرة إشارات المرور، وللمرة الأولى وجدت دقيقة انتظار الضوء الأخضر قصيرة..ولم ألعن الشرطي الذي يقف بجانبها تحت المطر..

وفي المشفى الذي اعتدْتُ العمل فيه..استقبلني طبيب الإسعاف وكان صديقاً قديماً..وينزعج كلما رآني مقبلاً إليه..قال مبتسماً:

- وماذا أحضرْتَ لنا اليوم؟..أكيدٌ حالةً مستعصية تجعلنا نسهر طوال الليل!..بالله عليك..من أين تلملم أولئك العجائز؟

كان ميّالاً للمُزاح ويعرف أنني أسعد بمزاحه، وقد أردّ له الصاع صاعين..لكنني اليوم كنت واجماً..خائفاً..مترقباً..وكأنني مُقدِمٌ على امتحان ما..لذا قلت بنبرة جدّية:

- أنا..أنا مريضُكَ اليوم
- أنت؟..أكيدٌ أنك حامل بالحرام وتريد الإجهاض..هه..هه

استندتُ عليه..وقلت:

- أشعر أنني سأقع..أريد كرسياً متحركاً أجلس عليه..وطف بي في أقسامكم المخبرية والشعاعية..أريد فحصاً كاملاً لو سمحت
- نعم..سأطوف بك كلَّ مناسك المشفى..لتتمّ شعائرك في حجّك المبرور وسعيك المشكور..ولا تقول لي إنها حجة الوداع!..

ويضحك وهو يدفع الكرسي المتحرّك الذي تهالكتُ عليه

وفعلاً..سار بنا الكرسيُّ ذو العجلات..وسحبوا مني عيّنة دموية..وكنت غيرَ قادرٍ على الوقوف أمام جهاز الأشعة من أجل صورة الصدر.. فساعدوني حتى احتضنت دريئته..وفحص البطن بالأمواج فوق الصوتية جعل طبيب الأشعة يتجهّم..وازورار عينيه وإعادته للفحص زاد من طينتي بلّةً، وزاد من بلّتي طيناً.

وقال بصوتٍ خافتٍ ليخفّف من قلقي:

- لا تبتئس..جهاز الإيكو لا يعمل جيداً اليوم..سيكون التصويرُ الطبقيّ المحوريُّ أكثر دقة..أنت تعرف أن هذا الجهاز يخوننا أحياناً

وبانتظار النتائج كان من الأفضل أن أستريح في غرفة كأيّ مريض..وكان طبيب الإسعاف بجانبي..ويحاول أن يخفف عني..فيضحك ويهذي ويقول:

- مرض الأطباء كلّه تمثيل وتدجيل..هل تعلم بأنّ إحدى الزميلات الطبيبات تصاب بانهيارٍ عصبيّ كلما زارتها حماتها؟..فتأتينا ونعطيها حقنة منوّم..فإما أن تنام في البيت فلا ترى ولا تسمع، وأحياناً تنام هنا هرباً كمن ينسحب من بيته باعتذارٍ شبه مقبول..وأحد الزملاء يطلب تنظيراً هضمياً لمعدته كل أوّل رمضان، فيُعلن على الملأ أنه مصابٌ بالقرحة ولا يصوم..وأحدهم كان مطلوباً للمحكمة كمتّهم بعد خطأ طبي..فاستجار بنا وزوّرنا له مرضاً عُضالاً حتى لا يوقفوه ولا يحبسوه..

وتابع ومازال يضحك..وأنت ممّ تهرب وممّن؟..اعترف..هل طلبوك للاحتياط العسكري؟..أم تهرب من واجباتك الزوجية؟..وسرّك في بئر عميق ولن أنشر غسيلك المتسخ..

قال الكثير..وكنت أسمع ولا أسمع..وأبتسم له..وأغفو ولا أغفو..أنتظر نتائج الفحوصات الطبية..وأنظر في ساعة جدارية تسير عقاربها..قلت:

- هل هذه الساعة صحيحة التوقيت؟

- لا..الساعة الآن الواحدة ظهراً..هل أتصل بآل البيت أي زوجتك..أم الصّحَابة أي زملاؤك..يا مولانا
وكان لا بدّ لي أن أسايره بالرّغم من قلقي الظاهر..فقلت:

- بعد حجة الوداع عليك أن تتصل بالخلفاء الراشدين!..لأحدّد مَن فيهم سيكون خليفتي فلا يختلفون.

وضحكنا..وشرُّ البلية ما يُضحِك

مجموعة من الزملاء جاؤوا إلي..وعرضوا لي فحوى استقصاءاتهم الطبية والذهولُ مخيّمٌ عليهم..فالسرطان كان متفشياً في جسدي..والانتقالات متعدّدة في الصدر والكبد..والورم البدئي مازال مجهولاً..حتى التحاليل المخبرية كشفت الكثير وأهمُّها السكر الذي كان مرتفعاً ولا عِلمَ لي به..أنا الطبيب!

وأسقِط في يدهم..والحالة ميؤوسٌ منها..والعلاج صار تلطيفياً فقط..تركوني إذ أنّ الكرة صارت في ملعبي..وأنا حارس المرمى الوحيد والمهاجمين كثر..ولم يبق إلا أن أستميت في الدفاع حتى الرمق الأخير..أو أترك الكرة تدخل مرماي وينتهي الأمر..والنتيجة محسومة..لقد خسرت لعبتك

شيءٌ واحدٌ كان يقلقني أكثر من كلّ ما قالوه..وكنت أسأل عن الساعة..وقد قاربت الثانية والنصف..كنت أريد أن أتصل بها لأعتذر عن موعدنا..وحاولت..ولكنّها لم ترد..ومن المؤكّد أنها كسرت هاتفها الجوال كالعادة..ويلي إن كانت ستنشر غسيلي المتسخ بعد أن أموت!؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى