الثلاثاء ١٥ أيار (مايو) ٢٠٠٧
بقلم نبـال شمس

صديقتي و المتنبي

قالت إنها التقت به صدفة.. هل صديقتي تختلق القصص وتجعلها حقيقة؟
رأيتها مرارا تجلس بالمكتبة وتقرأ المتنبي. تساءلت ما الذي دفعها لقراءة المتنبي؛ فهي لم تقرأ شعره فحسب؛ بل قرأت تاريخه كله، وتاريخ أزمنته وأمكنته بالرغم من أنَّ صديقتي في حياتها لم تحب التاريخ، فلا أذكرها تعلمت درساً واحداً بشغف أو شوق، حتى عندما دخل صفنا أستاذ التاريخ الوسيم صاحب العيون الزرقاء، التي كانت دائمة الحديث عن عيونه؛ ذلك المعلم مع كل براعته لم يستطع أن يقرّبها من مادة التاريخ، فلم تعد ترى زرقة عينيه ولا حتى وسامته، فقد كانت كثيرة الهرب من دروسه للتحرر من النفاق المدرسي.

قالت إنها التقت به صدفة في أحد الأزمان... هل حقا التقت معه؟
هل هو معلم التاريخ، أم إنه المتنبي، أو إنه آخر؟... لست أدري، لكنها أخبرتني بلقائها به الذي كان على أحد الصفحات، ثم تركتني أفكر وأسأل نفسي صفحات ماذا؛ أهي صفحات الزمن؟ أم صفحات كتاب؟ أو إنها صفحات النت؟ فجميل أن تجعلني أتساءل، فهي امرأة مخالفة لقوانين الكلام، فمعظم إجاباتها في بسمتها وعيونها اللوزية.

أظن أن قصتها بدأت مع المتنبي في أحد أيام شباط، عندما خرجت لتتمشى تحت المطر قاصدة الغابات الكثيفة؛ فهي تحب المشي تحت المطر وتحب الغابات الكثيفة والعالية. أذكر أنها عادت دون مظلتها، عادت مبللة من تحت العاصفة، لكنها كانت سعيدة. من يومها انقلبت أحوالها وأصبحت كثيرة القراءة وكثيرة الانزواء في المكتبات.
أين مظلتها غالية الثمن، جميلة الألوان؟.. هل أعطتها لأحد؟.. هل أضاعتها؟.. هل أعطتها للمتنبي الغائب الحاضر؟

عرفتها مجنونة ومشاكسة أحياناً، ذات خيال واسع وجنون فريد، فهل حقا التقت معه في أحد الأزمان؟ ومن يكون هذا؟
روايتها للحدث كانت قصيرة جداً، وعندما انتهت من جملها نظرت إلى عيوني وابتسمت بنبرة صوت رقيق ظننتها ضحكة وليست بسمة؛ بسمة حملت جنوناً ممزوجاً بغير الظاهر. هكذا صديقتي كثيرة الابتسام وعاشقة جنون، لكني حتى الآن لم استطع الربط بين المتنبي الشاعر البدوي وبين قصتها المختلقة. حاولت منذ الصباح أن أعرف ما حدث، لكني فشلت، فلست أدري إذا كان هذا حب استطلاع، أو إنها شؤون نسائية متناقلة، أو طقوس يمارسها الأصدقاء.

هل حقا التقت معه تلك الثلجية والنارية، تتحرك وتتغنج وتجعلني أنصت للغة عيونها ولغة جسدها، تجعلني ابتسم لها ببسمة مغايرة لبسمتها هي.
حاولت كثيراً الحصول على أوراقها السرية، وعلى إيميلها المليء بالرسائل، لكن محاولاتي باءت بالفشل، تماماً كسّر المظلة التي فقدتها.

عيونها التقت بعيوني، وعلى الصينية كان فنجان واحد من القهوة السوداء، وفي داخلي أدركت أن فنجاناً واحداً لن يكفي لي ولها، فكيف إذا حضر معنا متنبيها؟

هل حقا التقيتِ به وأهداكِ ضمات الورد بكل الألوان؟ أم أن حبك للزهر هو الذي جعلك تنسجين رجلاً يحب الألوان، ومتنبياً يعشق الزهور؟
تبحثين في المواقع عن كلمات له ولا تدرين أن كلمات المتنبي كتبت لامرأة حملت بين راحتيها رمل الصحارى، وعلى جسدها نبال الشمس.. فهل حقا التقيت معه؟

كانت رشفتها الأولى من فنجان القهوة، لكن الكافئين جعلها هادئة وجميلة وساخرة. قالت على إيقاع صوت الفنجان عندما وضعته على الصينية:
- تُحَّمليني في يميني الثلج وفي يساري النار، تبحثين عني وعن تاريخي، تتساءلين عن سبب جلوسي في المكتبة.. فهل أجيبك؟
كنتُ هناك اقرأ التاريخ واقرأ المتنبي؛ أقرا ما كتبه لي فعلاً، ألم أقل لكِ إني استطيع تقمص الأشياء؛ أيتها الحاملة الشمس في داخلك. أما زالت نبالك مبعثرة بين الحروف ظناً منك انك تضحكين عليّ أيتها الروحانية، يا من تفهمين بالتجسد والتقمص والروح. ألم أقل لكِ إنكِ لم تتخلي عن الغباء قليلا؟
أقرأ المتنبي علناً، أعيش حروفه سراً، يا صديقة العتمة التي تداعب السطور خلسة.
تسألينني عن الزهر وعن الورد بكل الألوان، وأنتِ من لمستِ أول ضمة زهر أهداها لي، أنتِ من رتبتها بإيقاع جميل بين الحروف، ورتبتها في أركان الغرفة.
تسألينني عنه وأنتِ من تمشّت معه على الرمل وعلى البحيرة وفي المطاعم والمقاهي. أنتِ تلك التي كتبت له كلاماً ناعماً، وأهدت له البطاقات الملونة.

المتنبي يحيى فيكِ وبنفسك، وأنت تحيين فيه وبأنفاسه وكلماته المنسوجة من أجلك قولاً وشعراً، فليس شرطاً يا عزيزتي أن يكون شاعراً متنقلاً بين زهرة وزهرة ليقول فيك أجمل كلمات الغزل العذري.

فلا تبحثي عنه يا حلوتي المتناثرة الشعر، فهو موجود فيك أنت، وفي عيونك الجميلة.. موجود في كتبك ويومياتك وبين راحتيك.
قولي له أحبكَ، وتحرري، لا تبقي حروفك في العتمة ونصوصك تنتظر الفجر.

أذكر انك قلت لي إن الشعر هو روحٌ يحيي الأشياء بصور يخلقها الكاتب، فهل تسمحين لي أن أكون صورة من بين هذه الصور؟ هل أعتمد على معرفتك المحدودة وأشرح لك أكثر من ذلك؟ فأنت من قالت إن المتنبي كتب لامرأة تحمل بين راحتيها رمل الصحارى وعلى وجهها نبال الشمس.
هل أنتِ من نور أم من نبال؟

انتهى فنجان صديقتي. هو فنجان واحد، وعيون لوزية لامرأة واحدة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

قاصة فلسطينية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى