الخميس ١١ أيار (مايو) ٢٠٠٦
بقلم عبد العزيز جويدة

سليمان الحكيم

ماتَ الرئيسْ
وهَوى سُليمانُ الحكيمُ
وكلُّنا كالجنِّ نَخدُمُهُ
ونَرفُضُ أن نُصدِّقَ
أنَّهُ قد ماتْ
ماتَ الرئيسْ
حامي الحِمَى
وسليلُ عصرِ المعجِزاتْ
هو ميِّتٌ مِن بعضِ أعوامٍ مَضتْ
حاولتُ أُقنعُهُمْ بذلكَ إنما ..
هَيهاتْ
الكلُّ يَرفضُ أن يُصدِّقَ
أنَّ جبَّارًا كهذا قد يَموتْ
صُورُ الرئيسِ على الحوائطِ
في الميادينِ الفسيحةِ
والبيوتْ
أنا كنتُ أعملُ في بلاطِ المُلكِ لكنْ
عندما أودى سُليمانُ الحكيمْ
قطعوا لساني
أجبروهُ على السكوتْ
وبرغمِ أني عارفٌ
مِن أن هذا العرشَ
أشبهُ بالضريحْ
صُوَرٌ أراها ذُيِّلَتْ
ببديعِ آياتِ المديحْ
" حامي الحِمَى ، والقائدُ الأعلى
في ثورةِ التسطيحْ "
نَوعُ مِن الزيفِ الصريحْ
وجَميعُ رُؤساءِ الدولْ
يَتحدثونْ
ويُناشِدونْ
وبكلِّ حزمٍ يَرفضونْ ..
موتَ الرئيسْ
ويُؤكدونْ
أن الخبرْ ..
مَحضُ افتراءٍ أو جُنونْ
أهناكَ حكامٌ تموتُ مِن العربْ ..
يا كاذبونْ ؟
***
سَلَّمتُ أمري للذي خَلقَ الوجودْ
وأنا بوجهِكَ سيِّدي دومًا أُحدِّقْ
هذا سُليمانُ الحكيمُ أمامَنا
هو ميِّتٌ لكنَّ فردًا لا يُصدِّقْ
هو جالسٌ
وعصاهُ لا تَهتَزُّ في يَدِهِ
وأحيانًا يُحَملِقْ
والجالسونَ على الموائدِ كلُّهُمْ
قد جاءَ يَسعى للتملُّقْ
يَتحدَّثونَ عنِ التعاونِ ،
والتبايُنِ ، والتطرُّقْ
وهناكَ آلافُ الخُططْ
خَمسيَّةٌ ، مِئويةٌ ، ألفيَّةٌ
وكلامُهمْ عَذبٌ وشَيِّقْ
هذا سُليمانُ الحكيمْ
يأتي عليه الدورُ ضِمنًا في الكلامِ
وليسَ يَنطِقْ
لكنَّنا بالطبعِ نَفهمُ ما يُريدْ
فإذا بكلِّ الحاضرينَ يُصفِّقونْ
وأنا أُصفِّقْ
***
كانَ الحكيمْ
وجهًا لوجهٍ فوقَ كُرسيٍّ أمامي
وأنا بكلِّ جوارحي أُصغي إليهِ
وكنتُ أُعطيهِ اهتمامي
وبرغمِ كلِّ تأكُدي مِن موتِهِ
أنا لستُ أجرؤُ مُطلقًا
ذِكرَ الحقيقةِ في كلامي
كانَ الغَذاءُ
غَذاءَ نَهْبٍ للجميعْ
كانَ الحكيمْ
يَتصدَّرُ الديوانَ مُنكفئًا ،
وَديعْ
فإذا سألنا عنهُ قالوا :
ساجدٌ للهِ يَشكرُهُ
على هذا القطيعْ
قلنا أينهضُ مرَّةً أخرى ؟
فقالوا : لا ، مُحالٌ يَستطيعْ
كانَ التباحُثُ ، والتشاوُرُ ، والتحاوُرُ
والإذاعاتُ ..
تُذيعْ
وبنشرةِ الأخبارِ قالوا :
إنَّ مولانا المُفدَّى
قد ضاعَفَ الأيامَ في فصلِ الشتاءِ
وتَمَّ إلغاءُ الربيعْ
***
كنتُ ..
أُحاولُ جاهدًا
أن أفهمَ اللغزَ المُحيِّرْ
لِمَ نحنُ دومًا ثابتونَ
ورافضونَ لكلِّ أحداثِ التغيُّرْ ؟
لِمَ دائمًا تَبقى الأنا
فينا جميعًا مثلَ ليثٍ إذْ يُزمجِرْ ؟
كانَ الحكيمْ
أعلى مِثالٍ عن طَبائعِنا يُعبِّرْ
هو رافضٌ للموتِ
يُلغي فكرتَهْ
أو حينَ تُعرَضُ فكرتُهْ
فعليهِ وحدَهُ أن يُقررْ
هو واثقٌ مِن أنهُ باقٍ
وأنَّ الحكمَ حكمٌ مُطلقٌ
والرأيُ فيهِ
لا يُقدِّمُ أو يُؤخِّرْ
***
كانتْ هُنالِكَ نملةٌ
في قلبِ هذا العرشِ تَنخَرْ
سَقطَ الحكيمُ وعرشُهُ
سقطتْ عَصاهُ
وهلَّلَ النملُ وكبَّرْ
والناسُ تَجري مِن هناكَ
ومن هُنا
وكأنها في السرِّ تُؤمَرْ
جَسدُ الحكيمِ ..
رافضٌ في الأرضِ يُقبَرْ
ولِذا رأينا أنهُ
لابُدَّ أن يَبقى هُنا
نُبقيهِ في بَهوِ الحديقةِ واقفًا
مادامَ قد أبدَى التَّذمُّرْ
هو واقفٌ ناطُورَ حقلٍ قد تَسمَّرْ
والريحُ تَقذفُهُ يَمينًا أو شِمالاً
والناسُ تَحسَبُهُ يَرُدُّ مُلوِّحًا
وتَقولُ : سُبحانَ المُغيِّرْ
هو ميِّتٌ وهناكَ جَمعٌ للتجمهُرْ
والناسُ تَصرُخُ : يا سُليمانُ الحكيمْ
يا أيُّها الملِكُ المُعمِّرْ
مَنْ ذا سيحكُمُنا سِواكْ ؟
فيُجيبُهُمْ :
ولدي ..
ولدي سُليمانُ المُطَوَّر

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

شاعر مصري

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى