الأحد ٢٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٩

لِكلِّ مكانٍ حِكايتُه

سمير محمد أيوب

عشوائياتٌ في الحب – ألأولى

عَبْرَ طُرقاتٍ تُرابيَّةٍ، مُكلَّلةٍ بضبابٍ عاقِرْ، وصَلْتُ تلَّةً كان قد سبَقني إليها، بعضُ رذاذٍ مِنْ بواكيرِ مطرٍ تشرين. تلةٌ مُجلَّلَةً بأشجارٍ، يُراقِصُها نسيمٌ يَجري مِن جبلِ الشيخ، أشجارٌ مُثقلةٌ بأحمالِها منَ جوافةِ قَلْقيلية وموز أبو نُقطةٍ الرّيحاوي.

تجاورُ التلَّةَ منَ الجنوبِ مدينةُ أمُّ قيس، ومن الشمالِ قريةُ المُخيبة على نهر الاردن، الواجهةُ الغربيةُ للتلَّةِ، بانوراميةٌ تُطلُّ على قِبابِ الأقصى ونواقيسِ بيتِ المَقْدس. وتتَّكِئُ حافَّتُها الشرقيةُ، على مُلتقى الحدود السورية – الأردنية - الفلسطينية. هناكَ جنوبِ الجولان المُحتَلِّ، تسترخي قريةُ الحِمَّة، وينابيعُها الكبريتية الساخنة.

بعد أنْ عانَقَتْ عينايَ المياهَ العذبةَ في عينِ بولس، عَبِثَت أصابعيَ المُشاغبةُ بمائها وطَرْطَشْتُ وجهيَ به. إنْتقيتُ مِنْ الينابيعِ الساخنةِ عينَ البلسم، وألقيتُ بِرِحاليَ عندها، لِما لَها مِنْ مزايا عِلاجية.

مُرافِقَتي في تلك الرحلةِ صديقةٌ رَبْداويةٌ. إمرأةٌ شابةٌ مُرَبِّيَةٌ مُتقاعدةٌ، مُهَندَمةٌ بأناقةٍ بيِّنَةِ النُّبْلِ، غزَتْ ضِفافَ عينيها وحَوافَّ شفتيها، تجاعيدٌ بعضُها حَيَّيٌّ، وبعضُها بالغُ الجرأة، والصراعُ بينَ الأبيضِ والأسود في شعرها يميل لصالح الفضة. سألتني وهو تتأملُ تفاصيلَ المكانِ وكأنَّه لُغزا: لِمَ هذا المكان يا شيخنا، أهِيَ الصدفة، أم في الأمر ما لا أدريه ولا أعلمه؟!

قدمت لها كرسيا لتجلس فيه قبل ان أجيبها. وقلتُ وأنا أجذبُ كرسيا: سيدتي لا شيء يأتي صدفة. خالفتُ المسافاتَ وتَعبَ جسدي وأتيتُ إلى هنا تَعمُّدا. أشعرُ بحنينٍ جارفٍ لهذا المكان. هنا منذ الف عامٍ وعام، جئت من أقصى العمر سَعياً، إلتقيتُ بصورةٍ غرائبية، امرأةً لَمْ أرَها من قبلُ. جُلُّ حديثِها في عَيْنيها. أنْصتُّ لما كانت تقولُ. حكَّمتُ القابعَ في يسارِ الصدرِ. فهمتُ ما لَمْ تَكُنْ تقول. فتبدَّت ليَ رؤى أفسحتُ لها مجالاً. عانَدتُ بها ظنّيَ المُتوضِّأ بالحيرةِ والتخمين. فقد كان كافِياً لعينيها أنْ تُشعلَ نارَ إبراهيم في روحي، وأن توقِدَ نوراً في قلبي. إحتَوتْني حتى ضمَّني وميضُهُما إلى قلبِها، وضَمَّها إليَّ قلبي. أحبَبْتُها فَثَمِلتُ، إمتلأتُ بِها حتى فِضْتُ. وسَكَنْتُها حتى باتَتْ عِنوانيَ الرسمي.

تشاجرنا هنا كما يفعلُ الطَّازَج‘ مِنَ المُراهقين. دونَ أنْ نحرقَ خلفَنا أيّاً مِنْ مراكِبِنا، تَباعَدْنا مُنذُ ألأزَل. لَمْ أزُرْها منذ قرن. أشجارُ المكانِ وأزهارُهُ ما زالت على حالِها، يومَ غادَرْنا المكانَ مُفتَرِقين مُتَغاضِبَين. حتى الذينَ ماتوا من أصحابِنا، ما زالوا أحياءً شباباً في خاطري. يَذبلُ العمرُ ويتلاشى يا سيدتي، وهي على قيدِ الحياة. تُجاملُ الشمسَ في أعماقي وتُعانِقُها. تَرْحَلُ صُبحاً، ويأتيَ شيءٌ مِنْ عِطْرِها كلَّ مساء.

سألَتْ بلهفةٍ مُتعجِّبةٍ: ألِلأماكنِ ذاكرةٌ مُلهِمةٌ يا شيخنا؟ وإنْ وُجِدَتْ ألا تشيخُ وتَخرَفُ؟
قلتُ وأنا أحتضنُ بِينَ كفيَّ فنجالَ قهوتي: إن زُرِعَتِ الأماكنُ شَوقاً أو شَوْكاً، تُلهِمُنا كما البشر أو أكثر. إنْ قادَنا إليها الحدسُ، سنعرف مَلمَسَها الحقيقيَّ. يظن البعضُ أنَّ الأماكنَ موادّا صمّاء تحترفُ الصمتَ، لا تُحِسُّ عديمةَ الشعور. ولكن، تغشى بعض الأمكنة حياة، أكثر دفئا مِنْ أهلها. تُلاحقُنا موسيقى أنوثتها كشبحٍ حيٍّ.

نَعَم إنِ ازْدَحمَت الأماكن بِنا تُلهِمُنا وأكثر. تفيضُ وإن بدت لأعينِ البعض خاليةً خاوية.
طُفتُ أماكنَ كثيرة. أقمتُ فيها وتذوقتها. أحنُّ إلى بعضها. لي فيها قصورٌ من ناسٍ. أشتهي المشيَ في أزِقَّتِها، لألْمَحَ بعضاً مِنَ الذين كنتُ ألتقيهم بالأمسِ البعيد القريب. وأخشى الذهاب إلى بعضها، فقبورها ما زالت طازجة. موتاي هناك، لن ألتقيَ بأيٍّ منهم. وإن مشيتُ في شوارعها العتيقة، لن يعرفني أحدٌ من ناسها.

كما كُنا، حين كُنا أطفالا أو كما سنصير، أحن بقلبي للبعض، وبعقلي لبعض آخر، وبمزاجي او بالمنطق الى أُخَرٍ. هنا يا سيدتي ذكرياتٌ تُشبهني. كلَّما خذَلَني صبري أجيءُ، لأنّي أثقُ بذاكرةِ المكان. أحن كثيرا إلى إمرأةٍ منذُ غابَت عن العينِ، ما فتأ القلبُ يِتلَفَّتُ إليها. بالحنين هنا، أعيد بناء أزمنتي الداخلية، أخَصْخِصُها، وأحْجُرها على لحظاتٍ مُعيَّنة، أو مرحلة من الصبابة. هنا أشعرُ بكثافةِ حضورِها.

قالَتْ مُتخابِثةً: يقالُ أنَّ كلَّ امرأة تُنْسى بامرأة أخرى..

أرادَتْ أنْ تُكملَ إلاّ أني قاطعتها مُستَنكرا: ولكنها امرأةٌ لمْ تُخلَقْ للنسيان. كُلَّما تعثَّرَ قلبيَ في كَمائنِ الحَزَنِ أو في أيٍّ مِنْ فواصلِ كَيْده أهرب مني إليها. أبحث عنها فأجدها. لا تكتفي بقول الحب بل تمارسه. في عز غضبها تُداويني وفي ضعفها تُرمِّمُني وتُعززُني وتأويني. وتفتح لي أبوابا على أفراح الحياة.

سألَت بشيء من الضيق وهي تقف: أما تزال كابوسك؟

قلتُ مبتسما : الحب يا سيدتي كالبحرلا يشيخ، الابتعاد عنه يبقينا على حدِّ سكينٍ. نعم، إنها كابوسيَ المُفضَّلِ. كابوسٌ ليسَ كمِثلهِ كابوس. فشلتُ في الابتعاد والمضي دونه. أغوانيَ عقليَ بسببٍ لأبتعد، فأهدانيَ قلبي ألفَ سببٍ وسببٍ لأتابع. لا شيء على هذه الأرض أقوى من إرادة عاشق يا سيدتي. بين فجواتِ حَزَني، تختبئُ أسرابُ حنينٍ، إن غشيني مرة بلا موعدٍ أو بلا تنسيقٍ، أزوره ألفَ مَرَةٍ. روحيَ مُؤثثة بوميضِ عَينيها، بُحَّةِ همسها، جنونِ أصابعها وارتجافاتِ شفَتِها، وكَمشاتٍ مِنْ أحلامنا.

قالتْ باستنكارٍ حَييٍّ: ألا تَمَلّ؟

قلتُ وأنا أواجهها واقفا: كيف أمَلُّ وللقلبِ قدرةٌ عجيبةٌ على الحب؟ وكيف أضجرُ وهناكَ مَنْ نُحبُّهم ويُحبونَنا؟

سألتْني وهي تقولُ هيَّا بنا :لِمَ نُحِبُّ ونهوى ونعشق؟

قلت مقهقها وانا امسك بيدها: تلك حكاية العشوائية التالية إن شاء الله

سمير محمد أيوب

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى