الأحد ٢٩ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٩
بقلم محمد زكريا توفيق

زوربا اليوناني

زوربا اليوناني رواية كتبها "نيكوس كازانتزاكيس" (1883-1957م)، ونشرها عام 1946م. من جزيرة كريت. مؤلف وأديب لوذعي. يعتبر الأكثر تأثيرا وعمقا بين أدباء اليونانية الحديثة. رشح لجائزة نوبل في الآداب 9 مرات.

رواياته ومسرحياته ومقالاته الفلسفية لها شهرة عالمية. أفلام رواياته ساهمت في انتشار أفكاره في أنحاء العالم. من بينها فيلم زوربا اليوناني، بطولة أنتوني كوين، الذي أنتج عام 1964م.

بطلي الرواية هما: زوربا اليوناني، مغامر مندفع عمره 65 سنة، وشاب يوناني حالم وشاعر، ملّ عالم الكتب والثقافة، فقرر القيام برحلة إلى قرية بجزيرة كريت. لم يذكر كازانتزاكس اسمه في الرواية، لكن في الفيلم اسمه باسل. سافر الإثنان بالباخرة إلى جزيرة كريت. نمت بينهما صداقة متينة.

كازنتاكيس بحنكة وحرفية أدبية، أثرى الحوار بتساؤلات فلسفية عميقة، عن الخير والشر، والعلاقات الإنسانية، ومعنى الحياة بصفة عامة. خلال شخصية زوربا البسيطة، لكن الغنية فوق الوصف بالعواطف والشهامة والرجولة، بين لنا كازانتزاكيس بطريقة رائعة كيف تكون إنسانا.

تبدأ الرواية عام 1916م في مقهى. هناك قابل باسل الشاب اليوناني زوربا البالغ من العمر 65 عاما. باسل ينوي إعادة تشغيل منجم فحم حجري في جزيرة كريت ورثه عن العائلة. يعرض زوربا نفسه للعمل في خدمة باسل، فيقبل باسل بعد أن وجده شخصية ساحرة.

يخبرنا باسل أثناء الحوار أنه يبغي الهرب من حياة الثقافة والكتب إلى مكان هادئ يعيش فيه بجوار الناس البسطاء. ثم يأخذ زوربا معه ويذهبا بالباخرة إلى جزيرة كريت. زوربا كان أحد المتمردين أثناء ثورة كريت.

نزلا في فندق ريفي بسيط بالقرب من قرية بالجزيرة تملكه أرملة تدعى "مدام هورتنز". في أول يوم، ذهب باسل بمفرده يكتشف معالم القرية، ثم جلس على الشاطئ يقرأ الكوميديا الإلهية لدانتي. يقابله زوربا في منتصف النهار ويعودا إلى الفندق حيث يستأجران غرفتين به.

في نفس اليوم، جاءهما من يخبرهما أنه ليس من اللائق أن ينزلا في فندق تديره أرملة وحيدة، وعرض عليهما مكانا آخر، لكنهما رفضا وذهبا لكي يتناولا الغداء مع مدام هورتنز صاحبة الفندق.

أثناء الغداء، أخبرتهما مدام هورتيز أنها في شبابها كانت تتحكم في الدول الكبرى العالمية الأربعة. عن طريق الأدميرالات الإنجليز والروس والإيطاليين والفرنسيين. بلحاهم الكثة الرائعة ورائحهم النفاذة.

لقد قهرتهم مدام هوتيز بسحرها وجمالها وأقنعتهم بعدم قصف جزيرة كريت. مما جعل زوربا يناديها ب "بوبولينا"، وهو اسم بطلة الاستقلال اليوناني عام 1821م، "لاسكارينا بوبولينا". منذ هذه الليلة، اتخذها زوربا عشيقة له.

في صباح اليوم التالي، تحدث زوربا مع باسل عن النساء والحب، ثم بدأ عمله في منجم الفحم المهجور. باسل مندهش من حماس زوربا ورؤيته الواقعية للأمور. إنه أكبر في السن من باسل، عاصر الكثير من الأحداث وزار العديد من الأماكن والبلدان.

كان يبغي باسل العمل بنفسه في المنجم ملكه، لكن نصحه زوربا بعدم الاختلاط بالعمال، بحجة أن أفكاره الاشتراكية سوف تغري العمال بالطمع. في نهاية اليوم، أقنع باسل نفسه بترك أفكاره الميتافيزيقية العلوية والنزول إلى أرض الواقع للعيش في هذا العالم المادي.

يستمر الحوار بين زوربا وباسل عن الحياة وطبيعة الأديان. يسهر باسل يقرأ مخطوطات بوذية، ويحلم بعالم أفضل. فيخبره زوربا بوجود ثلاث أنواع من الرجال:

الأول، يحول طعامه إلى دهن وسماد للزرع.

الثاني، يحول طعامه إلى عمل وبهجة.

الثالث، يحول طعامه إلى دين.

يقول زوربا أنه يعرف رجلا روسيا، كان التخاطب معه عن طريق الرقص.

يود باسل لو يمحو ما لديه من معارف تقليدية، وأن يلحق بمدرسة زوربا لكي يتعلم على يديه أبجدية الحياة الحقيقية. بدأ يشعر باسل بأن عمره قد ضاع هباء، وتمنى أن يصبح مثل زوربا، الذي، رغم بساطته، قد فهم معنى الحياة بصدق.

ذهب باسل مع زوربا أثناء مطر منهمر إلى مقهى. هناك افتتن بأرملة حسناء كان يحبها الشاب الكريتي "بافلي" حبا جنونيا. وكان يردد دوما: "إن لم أتزوجها، سوف أقتل نفسي".

يخبر زوربا باسل أنه يستشف من نظرات الأرملة أنها تريده. لذلك يجب أن يلبي النداء. لأن أكبر خطيئة يمكن أن يرتكبها الرجل، هي رفضه مشاركة الفراش مع امرأة تناديه. لكن باسل يرفض ويعود كلاهما إلى الفندق حيث يقيمان.

في صباح اليوم التالي، يذهب باسل إلى مكان المنجم لمراقبة سير العمل. أثناء منتصف النهار، يسمع صوتا، فيأمر زوربا كل العمال بالخروج بسرعة من المنجم. بعد ذلك، ينهار سقف المنجم بالكامل. يتناول باسل الغداء مع زوربا والعمال. أحد العمال يشكر زوربا لأن صياحه على العمال بالخروج، قد أنقذهم من موت محتمل.

يستمر باسل في كتاباته البوذية حتى يبعد صورة الأرملة الجميلة عن خاطره. يستمر زوربا، في نفس الوقت، في حثه على لقائها في ليلة الكريسماس. لكنهما يقضيان ليلة الكريسماس مع مدام هورتنز صاحبة الفندق.

يستيقظ باسل أول أيام السنة الجديدة سعيدا. يسير في أحد طرق القرية.

يجد نفسه واقفا أمام بيت الأرملة الحسناء، يفكر فيها ويتخل أنه معها. يجلس في ظل شجرة لوز مزهرة، ثم يلحق به زوربا.

يذهبا سويا إلى مدام هورتنز، أو بوبولينا، للاحتفال برأس السنة الجديدة. في هذه الليلة، تتذكر بوبولينا أيام الصبا والمدن الكبرى التي زارتها في شبابها.

يستمر زوربا في البحث عن طريقة لإنزال جذوع الأشجار من أعلى الجبل. تعلق جذوع الأشجار في بكر، ينزلق على سلك علوي يمتد من أعلى الجبل إلى أسفله، حيث يوجد المنجم . العمل يجب أن يتم بسرعة، لأن النقود مع باسل مالك المنجم، أوشكت على النفاذ.

يذهب زوربا إلى مدينة كانديا لمدة ثلاثة أيام لشراء ما يلزمه من كابلات وبكر. لكنه يستغرق وقتا أطول. تصل رسالة من زوربا إلى باسل يخبره فيها بأن الأمور على مايرام. وأنه قد قابل امرأة شابة اسمها لولا، قضى معها وقتا ممتعا. لم يذكر شيئا عن بوبولينا.

يقابل باسل بوبولينا، فتسأله عن زوربا. لم يرد إخبارها بما في الخطاب حتى لا يجرح شعورها. لكنه قال لها بأن الخطاب كله عنها وعن مدى اشتياقه لها ورغبته في الزواج منها عند عودته.

يعود باسل إلى القرية فيلاحظ ضجة هائلة على الشاطئ. يكتشف أن بافلي الشاب، والعاشق الولهان للأرملة الحسناء، قد قتل نفسه غرقا لأنها ترفضه بصفة مستمرة.

بدأ أهل القرية في لعن الأرملة والسخرية منها، والمطالبة بقتلها. يحاول باسل الدفاع عنها متسائلا: كيف تكون هي مسؤولة عن مقتل الشاب؟ في مساء نفس اليوم، ترسل الأرملة سلة برتقال لباسل، تعبيرا عن شكرها له لوقوفه إلى جانبها ودفاعه عنها.

يسعد باسل لعودة زوربا بعد غياب عن القرية استمر إثنى عشر يوما. يلوم زوربا باسل لما قاله كذبا لبوبولينا عن مسألة زواج زوربا منها. ويرى أنها قسوة غير محتملة بالنسبة للمرأة.

بعد ذلك، يذهب زوربا وباسل إلى الدير أعلى الجبل، لكي يتفاوضا لشراء غابة الأشجار ملك الدير. عند عودتهما، يقابلان بوبولينا التي تلومه لغيابه عنها هذه المدة. يعتذر زوربا، وفي المساء يعلن خطبته لبوبولينا.

تمرض بوبولينا، فيذهب زوربا لزيارتها. يعود زوربا ليقول أنها مصابة بالبرد، و يذهب للقرية للرقص. يقرر باسل أخيرا زيارة الأرملة الحسناء وقضاء الليلة معها. بعد ذلك، يشعر بحيوية ونشاط فيذهب للاستحمام في البحر.

في اليوم التالي، تطلب بوبولينا رؤية زوربا. لكن زوربا كان مشغولا بعمله في المنجم، فيذهب باسل بدلا منه. يجدها مريضة جدا فيطلب استدعاء الطبيب على وجه السرعة.

بعد أن غادر باسل منزل بوبولينا، وجد ضجة بسبب ذهاب الأرملة للكنيسة. يعتقد أهل القرية أنه من العار أن تذهب هذه المرأة إلى مثل هذه الأماكن المقدسة بعد كل ما فعلته، لذلك قرروا قتلها.

رجل يلوح بالسكين فوق رأس الأرملة. لكن يأتي زوربا في الوقت المناسب لكي يمسك بيده ويمنعه من تحقيق غرضه. باسل وزوربا والأرملة يجرون هربا، لكن والد المنتحر يلحق بالأرملة ويفصل رأسها عن جسدها. يعود باسل وزوربا إلى مكان المنجم وهما في حالة رعب وحزن شديدتين.

بعد ثلاثة أو أربعة أيام من الحزن، يذهب زوربا لزيارة بوبولينا. حالتها تزداد سوءا. عندما يسأله باسل عن حالتها، يجيب زوربا: "لا شئ غير عادي، إنها ستموت"

في صباح اليوم التالي، باسل وزوربا يذهبان لرؤية بوبولينا. تموت في نفس الوقت، فيهجم أهل القرية، لنهب وسرقة محتويات بيتها وممتلكاتها. يأخذ زوربا الببغاء ويغلق برفق جفنيها. يسأل زوربا باسل عن الرب عند عودتهما إلى المنجم وهو في حالة كرب لفقده بوبولينا.

اليوم يحتفل زوربا وباسل ببدء تشغيل الكابلات والبكر لإنزال جذوع الأشجار من أعلى الجبل. العديد من سكان القرية ورئيس الدير مدعون للحفل. أول ثلاثة جذوع أشجار، نزلت على الكابلات من أعلى الجبل، احترقت بفعل الاحتكاك. الجذع الرابع، أدى إلى انهيار النظام بأكمله، أعمدته وكابلاته وبكره.

بعد هذا الفشل العظيم، يطلب باسل من زوربا تعليمه الرقص. إنه سعيد بقربه من زوربا بالرغم من فشل مشروعه. لكن جاء الوقت لكي يفترقا. يذهب زوربا، ويغادر باسل كريت.

على مر السنين، يتلقى باسل من زوربا بطاقات بريدية، لكنه لم يره مرة واحده بعد فراقهما. بعد ذلك، كتب باسل قصة حياة زوربا وتجربته معه. في النهاية، وصله خطاب من مدير مدرسة في قرية ألمانية يفيد بوفاة زوربا، وأن زوربا قد ترك له في وصيته، آلته الموسيقية (سنتوري)، وهي أعز ما كان يمتلكه زوربا.

الرواية تدل على فلسفة وجودية. هي فلسفة تقول بأن الإنسان مسئول عن حياته، بعيدا عن كل المبادئ والعادات الموروثة التي يجب إطاعتها.

خلال الرواية، نجد حوارا بصفة مستمرة عن الرب والأخلاق. باسل شاب مثقف بوذي، كرس معظم وقته للدراسة ومقاومة الخطيئة. يشجب الحداثة ويعتقد أنها حضارة خاوية تحتضر، فقدت صلتها بالقيم العليا.

بينما زوربا رجل غير متعلم وغير متدين، اختار لنفسه الاستمتاع بوقته واقتناص الفرصة للحصول على السعادة. يرقص ويغني ويعزف على آلة السنتوري، ويضاجع النساء ويشرب الخمر.

سلوك زوربا، في البداية، كان صادما لباسل. لكنه يكتشف بعد ذلك أن زوربا أفضل وأشجع وأكرم منه. تركيز زوربا على النواحي الحسية، جعله يحقق وجوده الإنساني بدون الحاجة إلى هاد أو دليل خارج نفسه.

يتساءل زوربا دائما عن جدوى تمسك باسل بعقائده وقيمه الأخلاقية، ويدعوه للتحرر منها لكي يعيش واقعه. يعتقد زوربا أن قوة الإنسان تأتي من داخله هو نفسه، لا من قوى علوية أو من مؤسسة دينية.

لكن، لا أحد لديه الجواب الصحيح للسؤال الهام: كيف يعيش الإنسان الحديث في ظل هذه الفوضى العارمة و الحياة التي لا معنى لها. لذلك، يجب علينا الاستمتاع بحياتنا كلما استطعنا. هذا ما كان يفعله زوربا طول الوقت.

السعادة لا تأتي عن طريق ما نملكه أو نعرفه. بعد الفشل الكامل لمشروع المنجم، وخسارة باسل لكل أمواله، قضى باسل وزوربا أسعد أوقاتهما معا. ثم طلب باسل من زوربا تعليمه الرقص. الفشل المادي يواجه بالرقص. السعادة هي محض اختيار.

أحداث الرواية تبين أيضا أن كل شئ إلى زوال، وأن الموت هو النهاية الطبيعية للحياة . بوبولينا، الجميلة ورمز الجنس في شبابها، نجدها الآن تقترب من نهايتها. تبدي خوفها من الموت ورغبتها في العودة إلى أيام الصبا. باسل يعتنق الفلسفة البوذية التي تشجع على ترويض النفس والاستعداد لمغادرة هذا العالم.

زوربا يقاوم الموت بطريقة مختلفة. يصبغ شعره وشاربه باللون الأسود بعد مضاجعته لبائعة هوى أثناء سفره للمدينة.

باسل: لا أريد متاعب.

زوربا: الحياة كلها متاعب. لكي تعيش، يجب أن تبحث عن المتاعب. الموت هو هو الشئ الوحيد الخالي من المتاعب.

زوربا: أنت تمتلك كل شئ، إلا شئ واحد. الجنون! الإنسان يحتاج إلى شئ من الجنون، وإلا...

باسل: وإلا ماذا؟

زوربا: وإلا لما جرؤ على قطع حبل العبودية والهرب إلى الحرية.

زوربا: لماذا يموت الشباب والصغار؟ لماذا يموت الناس؟

باسل: لا أدري.

زوربا: ما فائدة كل كتبك الملعونة إن لم تستطع إجابة هذا السؤال؟

باسل: كتبي تخبرني عن معاناة الإنسان عندما لا يستطيع إجابة أسئلة مثل هذه.

زوربا: أنا أحتقر هذه المعاناة.

باسل: آسف، أنا لا أستطيع مساعدتك.

فيلم زوربا اليوناني من إخراج مايكل كاكويانيس، وتمثيل أنتوني كوين في دور زوربا، ألان بيتس في دور باسل، ايرين باباس في دور الأرملة، ليلى كدروفا في دور بوبولينا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى