الأربعاء ٥ تموز (يوليو) ٢٠٠٦

الفائزون في مسابقة ديوان العرب : أدب الأطفال للعام 2006

الفائزون الأوائل في المسابقة حسب قرار لجنة التحكيم المكونة من:
- الناقد أحمد زرزور من مصر
- الناقد هيثم الخواجا من سوريا ويقيم في الإمارات
- الناقد عيسى الجراجرة من الأردن

الفائز الأول: أحمد سامي خاطر من مصر ، وقد حصل على معدل 80.50 من مائة. وقد شارك بقصتين للفئة العمرية 7 إلى 12 سنة وهما قصة: عنقود اللؤلؤ، وقصة: أرض الأحلام.

الفائز الثاني: خالد جمعة من فلسطين، وقد حصل على معدل 80.33 بالمائة. وشارك بقصتين لنفس الفئة العمرية هما: ثلاثة أرجل وعندما تغضب الكتب.

الفائز الثالث: خير الدين عبيد من سوريا، وقد حصل على معدل 79 من مائة، وشارك بقصتين للفئة العمرية 12 إلى 15 سنة ، وهما : الغسالة والحائط.

وللتنويه فقد حصل المتسابق الطاهر محمد حسين شرقاوي من مصر على المرتبة الرابعة، بفارق أقل من ربع بالمائة عن الفائز الثالث.

تهانينا للفائزين الأوائل وحظا أوفر للذين لم يحالفهم الحظ.

وصل عدد المشاركين في المسابقة 101 مشارك من 12 بلدا عربيا هي مصر، سوريا، الأردن، المغرب، العراق، فلسطين، السعودية، اليمن، تونس، البحرين، الجزائر، وليبيا. وكان نصيب مصر العدد الأكبر من المشاركين حيث بلغ 47 مشاركا.

توزعت النصوص المشاركة على القصة 120، والشعر ، 55 والمسرحيات وعددها ثمانية.
الفئة العمرية التي توجه المشاركون للكتابة لها هي : الفئة من سن 4 – 7 وعددها 22 نصا، والفئة من سن 7 إلى 12 وعددها 93 نصان والفئة من سن 12 إلى 15 سنة وعددها 68 مشاركة.

الفائز الأول

- الاسم كاملاً : أحمد سامي أحمد حسن خاطر
- الاسم الأدبي : أحمد سامي خاطر
- الصفة الأدبية : شاعر - روائي – باحث أدبي .
- تاريخ الميلاد : 27/1/1971م
- الجنسية : مصري
— -القصتان المشاركتان : (( عنقود اللؤلؤ )) .. (( أرض الأحلام )) للفئة العمرية من 7 : 12 سنة

الفائز الثاني

- الإسم: خالد محمود سليم جمعة
- الصفة: شاعر، كاتب أطفال
- مكان وتاريخ الميلاد: رفح ـ قطاع غزة ـ فلسطين ـ 25 تشرين الأول 1965.
- الشهادات: دبلوم الرسم المعماري، كلية الخليل الفنية الهندسية (البوليتكنيك) 1986.

إصدارات أدبية: له العديد من الإصدارات الأدبية منها:

  1. مازلت تشبه نفسك ـ شعر ـ غزة ـ 2004
  2. قصة أذن سوداء أذن شقراء للأطفال مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي ـ رام الله 2002
  3. قصة الشبلان للأطفال UNRWA ـ رام الله 2001
  4. قصة دموع اللون الأصفر للأطفال UNRWA ـ رام الله 2001
  5. قصة السياق للأطفال UNRWA ـ رام الله 2001
  6. قصة الحفلة للأطفال بالتعاون مع مؤسسة إنقاذ الطفل ـ غزة 2000
  7. حديث الغابة "كليلة ودمنة للفتيان"،مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي رام الله 2000
  8. ديوان شعر لذلك ـ عن دار شرقيات ـ القاهرة 2000
  9. مجموعة قصصية لللأطفال قرية الحروف بالتعاون مع مؤسسة UNDP 2000
  10. قصة للأطفال الماسورة الحزينة صادرة عن مؤسسة إنقاذ الطفل 1999.
  11. ديوان نصوص لا علاقة لها بالأمر [شعر] عن وزارة الثقافة الفلسطينية 1999.
  12. قصة أطفال صفحات من يوميات جرثومة، المشروع الهولندي/ بلدية غزة 1996
  13. ديوان شعر هكذا يبدأ الخليفة عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين 1996.
  14. ديوان رفح أبجدية مسافة وذاكرة ـ إصدار خاص مع عثمان حسين 1992.
  15. تجميع وإعداد وتقديم كتاب عن التراث الشعبي بعنوان الأغاني الشعبية الفلسطينية في قطاع غزة وأغاني الصيادين في قطاع غزة. وقد صدر عن الهيئة العامة للاستعلامات 1998."مع آخرين"

الفائز الثالث

-  خير الدين عبيد
-  فنان تشكيلي
-  مواليد 2- 3- 1969-
-  إدلب – سوريا – هاتف 236319 23 963 + ، 224592 23 963 +
- حائز على المركز الأول في مسابقة الشارقة للإبداع، عام 2000، المسرح .
-  حائز على المركز الثاني في مسابقة أنجال الشيخ هزاع ، أبو ظبي 2004 ، المسرح .
-  صدر لي ستة مجموعات قصصية عن إتحاد الكتاب العربي في سوريا للأطقال .
-  صدر لي مجموعتان للأطفال عن وزارة الثقافة .
-  عضو إتحاد الكتاب العرب في سوريا .

فيما يلي قصة واحدة لكل متسابق

أرض الأحلام

أحمد سامي خاطر - مصر

كَانَ صَوْتُ النَّاى هُوَ النِّدَاءُ الَّذِي يَجْمَعُنَا مَعَ غُرُوبِ شَمْسِ كُلِّ يَوْمٍ ، فَتَعْلُو عَلَىَ وُجُوهِنَا الدَّهْشَةُ عِنْدَ رُؤْيَةِ أَسْرَابٍ مِنْ طُيُورٍ غَرِيبةٍ ، تَظَلُّ وَاقِفَةً عَلَىَ أَفْرُعِ الشَّجَرِ وفَوْقَ أَسْطُحِ البيُوتِ حَتَى تَنْتَهِي الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ مِنْ سَرْدِ نَوَادِرَهَا ، وَمَعَ بَدْءِ الْعَزْفِ نَرَي الطُّيُورَ تَتَرَاقَصُ وَتَدُوُر فَوْقَ رُؤُوسِنَا ، وَتَكَادُ تَحُطُّ عَلَىَ أَكْتَافِنَا وَأَذْرُعِنَا في رِفْقٍ .

لَمْ تَكُنْ الْعَجُوزُ مِنْ قَرْيَتِنَا ، وَكُلَّمَاَ سَأَلْنَاهَا عَنْ ضَيْعَتِهَا الَّتِي تَأْتِي مِنْهَا كَانَتْ تُجِيبُنَا فَقَطْ بِعِبَارَةٍ قَصِيرَةٍ ( أَجِيءُ مِنْ أَرْضِ الأَحْلامِ ) وَكَانَتْ أَعْيُنُنَا تَتَّسِعُ ، وأَفْوَاهُنَا تَنْفَتِحُ في بَلاهَةٍ حِينَ نَرَاهَا تَسْتَرْسِلُ في وَصْفِ هَذِهِ الأَرْضِ الَّتي تُشْبِهُ أَعْشَابُهَا الطَّوِيِلَةُ أَعْوَادَ الذُّرَةِ الْوَاقِفَةِ في وَجْهِ النَّسِيمِ . النَّسِيمُ الَّذِي يَتَخَلَّلُ هَذِِهِ الأَعْشَابُ فَيُحَرِّكَهَا مِثْلَ مَوْجِ الْبَحْرِ ، فَيَبْدُو الْمُنْظَرُ مِنْ فَوْقِ أَسْطُحِ بيُوتِ الْقُرَى المُتَجَاوِرَةِ الصَّدِيقَةِ ؛ وَكَأَنَّهُ لَوْحَةٌ رَائِعَةٌ ، تُزِيدُهَا الْعَجُوزُ رَوْعَةً عِنْدَمَا تَقُومُ بالنَّفْخِ في غَابَتِهَا المُقَلَّمَةِ ذَاتَ الثُّقُوبِ ، فَيَنْبَعِثُ مِنْهَا ذَلِكَ الصَّوْتُ الشَّجَنُّى الْحَنُونْ .

صَارَتْ هِيَ الْقَرْيَةُ الَّتي تَطُوفُ بَيْنَ سَمَائِهَا وَأَرْضِهَا أَسْرَابٌ مِنْ طُيُورِ الْغَرَانِيقِ بُنِّيَةُ الْلَّوْنِ ذَاتَ الدَّلاَّيَةِ السَّمْرَاءِ عَلَى صَدْرِهَا كَأَنَّهَا تَتَعَاجَبُ بَأَلْوَانِ رِيشِهَا فَتَتَمَايَلُ طَرَبَاً لِعَزْفِ الْعَجُوزُ بِالنَّاي ، وَتَحُطُّ عَلَى الأَشْجَارِ والبيوتِ الْمُتَجَاوِرَةِ الصَّدِيقَةِ . قَالَتْ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ : ( فَلْيَهْبِطَ عَلَيْكُمْ مَلاَكُ الْحُلْمِ يَا أَوْلاَدِي ) .. هَيَّا لِيَبْدَأَ كُّلٌ مِنْكُمْ في سَرْدِ حُلْمِهِ الآنَ . الآنَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لأَحْلاَمِكُمْ أَجْنِحَةٌ تُحَلِّقُ بِهَا في سَمَاءِ الْقَرْيَةِ . فَتَتَحَقَّقُ مَعَ ارْتِفَاعِ صَوْتِ مَعْزُوفَاتي الَّتي مَا هي إلاَّ نِدَاءَاتٍ حَنُونَةٍِ لأَجْمَلِ مَخْلُوقَاتِ اللهِ مِنْ طُيورِ الْغَرَانِيقِ الَّتي تُشْبِهُ صَفَاءَ النُّوْعِ الإِنْسَانِّي .

شَاهَدْنَا الْغَرَانِيقَََ وََهِيَ تَحُطُّ بمَنَاقِيرِهَا الْبُنِّيَةِ وَهِنْدَامِهَا حَوْلِنَا ، كَأَنَّهَا بَدَأَتْ تَتَسَمَّعُ الأَحْلاَمَ حُلْماً بَعْدَ حُلْمٍ ، فَتَطِيرُ وَتَحُطُّ عِدَّةَ مَرَّاتٍ ، لَكِنَّ صَوْتَاً وَحِيدَاً بَدَأَ يَقَضِي تَمَامَاً عَلَى أَحْلاَمِنَا الصَّغِيرَةِ حِينَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ الْقَذَائِفِ مُدَوِّيَةً في أَرْضِنَا ، فَتَرَاءَتْ لِعِيُونِنَا مَشَاهِدُ مَوْتِ الْغَرَانِيقِ الطَّيِّبَةِ ، وارْتِطَامِهَا بالْجُسُورِ الْعَالِيَةِ هَرَبَاً مِنْ الطَّائِرَاتِ والْبَنَادِقِ والْقَاذِفَاتِ .

صَارَ كَابُوسَاً يَا صِغَارِيَ .. وَصَارَتْ الأَحْلاَمُ لا تَنْمُو هُنَا ، لأَنَ أَرْضَ الْحُرُوبِ لا تُنْبِتُ أَزْهَارَ الْحُلْمِ الَّتي تَكْبُرُ فِينَا يَومَاً بَعْدَ يَوْمٍ ، وبالتَّالِي نَرَاهَا وَقَدْ عَلَتْ فِيهَا أَشْوَاكُ الصَّبَّارِ وَالنَّبَاتَاتِ الطُّفَيْلِيَّةِ ، وَحَلَّقَ في سَمَائِهَا الْجَرَادُ الَّذِي يَأْكُلُ في وَجْهِهِ الأَخْضَرَ وَالْيَابِسَ . هَكَذَا قَالَتْ الْعَجُوزُ ، ونَحْنُ تَأَمَّلْنَاهَا جَيِّدَاً وَهِيَ تَرْوِي عَمَّا صَارَتْ عَلَيْهِ قُرَانَا الْمُتَجَاوِرَةِ الصَّدِيقَةِ ، وَعَنْ مَا يَحُوطُهَا مِنْ غَابَاتٍ . وَلِحَدِيثِهَا كُنَّا نَنْتَظِرُ ، وَهِيَ تُطْلِقُ عَزْفَهَا كُلُّ يَوْمٍ ، لَيْسَ فَقَطْ لِنَدَاءِ الْغَرَانِيقِ الطَّيِّبَةِ وَإِنَّمَا لاجْتِمَاعِنَا هُنَا بالأَرْضِ الَّتي نَأْمُلُ أنْ تُنْبِتَ فِيهَا زُهُورُ أَحْلاَمِنَا ، وَتَتَمَايَلُ عَلَيْهَا أَفْرُعُ الأَشْجَارِ الَّتي تُثْمِرُ مَا يَرُوقُ لَنَا أَنْ نَتَذَوَّقَهُ مِنْ الْفَاكِهَةِ الطَّيبةِ .

كَانَتْ بدَاخِلِنَا الأَحْلاَمُ ، لاَ نَرْوِيهَا إِلاَّ إِذَا طَلَبَتْ مِنَّا الْعَجُوزُ ذلكَ ، أَوْ إِذَا حَلَّقْنَا في سَمَاءِ الْقَرْيَةِ بأَجْنِحَةٍ تُشْبهُ أَجْنِحَةَ الْغَرَانِيقِ . لِمَاذا غَابَتْ عَنَّا الْعَجُوزُ وَلمْ تَعُدْ مَعَ غُرُوبِ شَمْسِ كُلِّ الأَيَّامِ الَّتي ذَهَبَتْ ؟ لمْ نُعُدْ نَسْمَعُ صَوْتَ النَّاي الْحَنُونْ ، أوْ نَأَنَسُ برِؤْيَةِ هَذِهِ الطِّيُورِ الْمَلاَئِكِيَّةِ الشَّفَافَةِ . تَسَائَلْنَا عَنْ سِرِّ اخْتِفَاءِهَا ، كُنَّا نَجْتَمِعُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى أَمَلِ أَنْ تَأْتي بمَعْزُوفَاتِهَا وَطُيُورِهَا وَلكنَّهَا لا تَجِيء ، وَبِرَغْمِ أَحْلاَمِنَا الْكَثِيرَةِ الَّتي نُرِيدُ أنْ نَحْكِيَهَا لِتَطِيرَ بِأَجْنِحَةِ الْغَرَانِيِقِ في السَّمَاءِ وَتَعُودُ إِلَيْنَا وَقَدْ تَحَقَّقَتْ .

رَاحَتْ تَكْبُرُ مَعَنَا أَحْلاَمُنَا ، أَمَّا الْعَجُوزُ فَقَدْ بَحَثْنَا عَنْهَا ، وَعَنْ طِيُورِهَا وَمَعْزُوفَاتِهَا ، وَمَا زَالَتْ تَبْحَثُ عَنْهَا مَعَنَا الرِّيَاحُ وَالأَشْجَارُ وَالْعَصَافِيرُ وَالْمُرُوجُ الْخَضْرَاءِ وَأَعْوَادُ الذُّرَةِ الطَّوِيلَةِ ، وَحُقُولُ الشَّمْسِ الذَّهَبيَّةِ . اجْتَمَعْنَا في نَفْسِ الأَرْضِ الَّتي كُنَّا نَلْتَفُّ حَوْلَ الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ فِيهَا .

اقْتَرَحَ الْبَعْضُ أَنْ نَبْحَثَ وَرَاءَ أَسْبَابِ اخْتِفَاءِ الْعَجُوزْ . عِلْمَاً بأَنَّ هُنَاكَ مَنْ رَأَوْهَا وَطُيُورِهَا وَقَدْ اعْتَادَتْ الذِّهَابَ إِلي أَرْضٍ أُخْرَي غَيْرَ أَرْضِنَا ، تَعْزِفُ هُنَاكَ ، وَتَسْتَمِعُ إِلي أَحْلاَمِ عَصَافِيرَهَا الصِّغَارَ ، وَتُسَرِّحُ طُيُورَهَا الْجَمِيلَةِ فَوْقَ سَمَائِهَا . ارْتَسَمَتْ عَلَى وُجُوهِنَا الدَّهْشَةُ ، عُدْنَا نَتَسَاءَلُ : مَا الَّذي حَدَثَ ، وَهَلْ صَدَرَ مِنَّا مَا جَعَلَ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ تُغَيِّرُ طَرِيقَهَا إِلي أَرْضٍ أُخْرَي !!

قُلْنَا الْعَجُوزُ لا تَأْتِي قَرْيَةً إِلاَّ إِذَا كَانَ عَصَافِيرُهَا الصِّغَارِ يَحْلُمُونَ ، وَالأَحْلاَمُ لا تَتَحَقَّقَ إِلاَّ إِذَا انْطَلَقَتْ مِنْ أَرْضِ السَّلاَمِ وَالْمَحَبَّةِ ، فَهَلْ شُفِيَتْ قُرَانَا مِنْ حُرُوبِهَا وَتَنَاحُرِ أَهْلِهَا ، وَهَلْ تَخَلَّصَتْ بَعْدُ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ وَالْقَلَقِ وَالْفِتَنِ وَالأَحْقَادِ والْمُؤَامَرَاتِ ، حَتَّي يَكُونَ لأَحْلاَمِنَا أَجْنِحَةً تَطِيرُ بِهَا بَعِيدَاً عَنْ بُكَاءِ الطَّبيعَةِ وَأَنَّاتِ الأَرْضِ الَّتي تَشْهَدُ عَذَابَاتِ الإنْسَانِ ، وَتُدَمِّرُ الْحُقُولَ وَتُبَدِّدَ الثَّرَوَاتِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلكَ تَبَاعَدَتْ خُطَي الْعَجُوزَ عَنْ أَرْضِنَا وَحَطَّتْ هِيَ وَطُيُورِهَا وَمَعْزُوفَاتِهَا عَلَى أَرْضٍ أُخْرَي أَكْثَرَ أَمْناً وَسَلاَمَاً .

مَرَّتْ الأَيَّامُ سَرِيعَةً ، وَالْحَالُ عَلَى مَا هَوَ عَلَيْهِ ، نَلْتَقِي .. كُلٌّ مِنْ الأَصْدِقَاءِ يُمَثِّلُ قَرْيَتَهُ الصَّغِيرَةِ الَّتي أَتي مِنْهَا بَاحِثاً في أَرْضِنَا عَنِ الأَحْلاَمِ ، وَعَنْ عَجُوزِ الْحِكَايَاتِ الْقَدِيمَةِ الَّتي مَا فَرِغَ جِرَابُهَا يَومَاً مِنَ النَّوَادِرِ وَالأَسَاطِيرِ وَالْمَلاَحَمِ الْبُطُولِيَّةِ . وَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوس في ذَاتِ الْمَكَانِ اشْتدَّتْ رِيِحٌ عَاصِفَةٌ هَزَّتْ الأَشْجَارَ بِعُنْفٍ وَلَطَمَتْ أَبَوَابَ وَشَبَابِيكَ الْبيُوتِ الْقَرِيبَةِ ، وَسَكَنَتْ الْعَصَافِيرُ أعْشَاشَهَا ، وَمَلَئَتْ الأَتَرِبَةُ وَذَرَّاتُ الرِّمَالِ الْخَفِيفَةِ كُلَّ الآفَاقِ . انْتَبَهْنَا لِطَائِرٍ عِمْلاَقٍ رَاحَ يَحُطُّ عَلَى إِحْدَي التِّلاَلِ الْعَالِيَةِ وَيَصِيحُ مِنْ بَيْنِ مِنْقَارِهِ الطَّوِيلِ صَيْحَاتٍ أَرْعَدَتْنَا فَانْكَمَشْنَا خَائِفِينَ .

فَرَدَ الطَّائِرُ العِمْلاَقُ جَنَاحَيْهِ فَظَلَّلَ بهِمَا بيُوتَ الْقُرَى الْمُتَجَاوِرَةِ الصَّدِيقَةِ ، وابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً كَأَنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُهَدِّئَ مِنْ رَوْعِنَا وَفَزَعِنَا . بَدَأْنَا نَنْظُرُ إِلي الطَّائِرِ بعَيْنٍ أُخْرَي ، ظَهَرَ لَنَا كَأَنَّه يَبْكِي ، فَتَدْمَعَ عَيَنَاهُ بِدِمُوعٍ رَاحَتْ تَلْمَعُ مِنْ أَسْفَلِ عَيْنَيْهِ كَأَنَّهَا جَوْهَرَةٌ تَتَقَلَّبُ تَحْتَ شَمْسِ النَّهَارِ . وَعِنْدَئِذٍ رَاحَ يَهْبِطُ مِنْ التَّلِّ الْعَالِي وَيَمْشي بأَرْجُلِهِ الَّتي تُشْبِهُ أَرْجُلَ الآدَمِيينَ وَبَدَأَ جِسْمُهُ يَتَضَاءَلُ وَيَصْغُرَ كُلَّمَا خَطَى نَحْوَنَا حَتَّي رَأَيْنَاهُ مَجَسَّدَاً في الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ .

الْعَجُوزُ مَرَّةٌ أُخْرَي في أَرضِنَا ، إِنَّ مَا حَدَثَ الآنَ شَيءٌ يُثِيرُ الرُّعْبَ وَالْفَزَعَ .. الطَّائِرُ الْعِمْلاَقُ صَارَ هُوَ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ الَّتي نَبْحَثُ عَنْهَا .. أَحَسَّتْ الْمَرْأَةُ بِمَا يَدُورُ في أَذْهَانِنَا مِنْ أَسْئِلَةٍ ، تَبَسَّمَتْ وَلاَ تَزَالُ آثارُ الدُّمُوعِ في عَيْنَيْهَا ، وَرَاحَتْ تَتَنَهَّدُ تَنْهِيدَةً طَوِيلَةً ، قَالَتْ : أَرْضُ الأَحْلاَمِ يَا عَصَافِيرِي الصِّغَارِ هِيَ الأَرْضُ الَّتي يُمْكِنُ لَكُمْ أَنْ تَتَفَتَّحُوا فِيهَا ، وَتَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا وَتَسْتَنْشِقُوا هَوَاءَهَا الْعَلِيلَ ، أَمَّا الأَرْضُ الأُخْرَى فَإنَّها أَرْضٌ خَبيثَةٌ ، تُنْبِتُ فِيهَا الْفِتَنَ وَالْكَرَاهِيَةَ وَحُبِّ النَّفْسِ ، لَيْسَ تَعْرِفُ سَمَاءُهَا طَيُورَ الْغَرَانِيقَ الْمَلاَئِكِيَّةِ وَلاَ تَعْرِفُ أَرْضُهَا مِثَلَ أَحْلاَمِكُمْ الطَّيِّبَةِ النَّبيلَةِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلكَ تَحَوَّلْتُ إِلي ذَلكَ الطَّائِرَ الْعِمْلاَقِ غَرِيبَ الْمُنَظَرِ ، وَالَّذِي هُوَ انْعِكَاسٌ لِمَا صَارَتْ إِلَيْهِ أَحْوَالُ الْقُرَي مِنْ تَرْوِيعٍ وَدَمَارٍ .

وَلأَجْلِ ذَلكَ قَرَّرَتُ الاخْتِفَاءَ حتَّى لاَ تَفَرُّوا مَفْزُوعِينَ مِنْ هَيْئَتِي الْمُفْزِعَةِ بَعْدَ أَنْ أَلِفْتُمْ طُيُورِي الْمَلاَئِكِيِّةِ الْجَمِيلَةِ وَمَعْزُوفَاتِي الْحَنُونَةِ . وَلِكَيْ تَتَدَبَّرُوا أَمْرَكُمْ ، وَتَعْتَمِدُوا في تَحْقِيقِ أَحْلاَمِكُمْ وَأَمَانِيكُمْ عَلَى عَزَائِمِكُمْ وَإِرَادَتِكُمُ الْحُرَّةِ ، وَحُسْنِ تَعَاوُنِكُمْ وَصَنِيعِكُمْ ، وذلك بِأَنْ تُقَدِّمُوا الْوُعُودَ والآمَالَ لِغَدٍ سَوْفَ تُشْرِقُ شَمْسُهُ عَلَى أَحَلاَمِكُمْ الصَّغِيرَةِ ، لِكَيْ تَكْبُرَ وَتُنْبتَ في أَرْضٍ لا تُهَدِّدَهَا الْكَوَابيسُ .

وَبينَمَا شَرَعَتْ الْعَجُوزُ في تَفْسِيرِ مَا حَدَثَ تَلاَشَتْ شَيْئاً فَشَيْئاً آثَارُ الأَتْرَبَةِ وَالْغُبَارِ الَّذّيْنِ عَلَقَا في فَضَاءِ الْمَكَانِ ، وَتَبَدَّلَتْ الْعَاصِفَةُ نَسِيمَاً رَقِيقَاً رَاحَ يُدَاعِبُ خُدُودَنَا برِقِّةٍ وَرِفْقٍ ، بَيْنَمَا عَادَتْ لَوْحَةُ الْمُرُوجِ وَأَعْوَادُ الذُّرَةِ تَتَحَرَّكُ ، وَتَدُبُّ فِيهَا الْحَيَاةُ مَرَّةً أُخْرَي ، وقَدْ تَمَايَلَتْ طَرَبَاً لِصَوْتِ النَّاي الْحَنُونِ أَجْنِحَةُ الْغَرَانِيقِ الْمَلاَئِكِيَّةِ الَّتي مَلأَتْ السَّمَاءَ الزَّرْقَاءَ . انتهى

خاص بالأطفال من سن 7 إلى 12 سنة

ثلاثةُ أرْجُلْ

خالد جمعة ـ فلسطين

مَشَتِ الكَلْبَةُ الصَّغِيْرَةُ في الغَابَةِ وهي حزينةٌ، لأنَّها اكْتَشَفَتْ أنَّها لا تَسْتَطيعُ المَشْيَ مِثْلَ باقي الكِلابْ، وهذا لأنَّها وُلِدَتْ بِثَلاثَةِ أَرْجُلْ.
جَلَسَتْ الكَلْبَةُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهيَ تَبْكيْ، فَقَالتْ لَهَا الشَّجَرَةُ: لماذا تَبْكِيْنْ؟ فَرَدَّتْ الكَلْبَةُ: لأَنّنِي لا أَمْلُكُ أَرْبَعَةَ أَرْجُلٍ مِثْلَ بَقِيَّةِ الكِلابْ، إنَّ لي ثَلاثَةٌ فَقَطْ.

قالتْ لها الشّجَرَةُ: بَسِيْطَةْ!! خُذِيْ غُصْنَاً مِنْ أَغْصَاني، وَضَعِيْهِ مَكَانَ رِجْلِكِ المَفْقُوْدَةْ، وبهذا يُصْبِحُ لدَيْكِ أَرْبَعَةَ أَرْجُلْ.
أَخَذَتْ الكَلْبَةُ غُصْنَ الشَّجَرَةِ وَوَضَعَتْهُ مَكَانَ رِجْلِهَا المَفْقُوْدَةِ وَمَشَتْ في الغابةِ بعد أن شَكَرَتْ الشجرةْ.
لكِنَّ الحيواناتِ أَخَذَتْ تَضْحَكُ مِنْهِا، فقد كانِ مَنْظَرَاً غَرِيباً، كلبةٌ بثلاثةِ أرجلٍ وغصنِ شجرةْ.

عادَ الحُزْنُ للكلبةِ من جَدِيْدْ، فَمَرّتْ من جَنْبِهَا أُمُّ أَرْبعةٍ وأربعين، ولَمَّا عَرِفَتْ سبَبَ حُزْنِها عَرَضَتْ عَلَيْهَا أن تُعْطِيَها رِجلاً من أرجُلِها الأربعةِ والأربعين، لكنّ الكلبةَ شَكَرَتْها ورَفَضَتْ أَخْذَ رِجْلِهَا لأَنّهَا صغيرةٌ عليها، ومَشَتْ بعد أن رَفَعَتْ الغُصنَ الذي يُضْحِكُ الحيواناتِ منها.
فَقَابَلَها وحيدُ القرنْ، ولما عَرِفَ سبَبَ حُزْنِها، قالْ: خُذي جُزءاً من قَرْنِي إذا شِئْتِ، وَضَعِيْهِ مَكَانَ رِجْلِكِ فَهْوَ سَيَنْمُو ثانيةً عندي ولن أخسرَ شيئاً، فأخذتْ الكلبةُ قَرْنَهُ وهي سعيدةٌ، وَوَضَعَتْهُ مكانَ رِجْلِها المفقودةْ، لكنَّها كلّما مرَّتْ على حيوانٍ ضَحِكَ وقال: أوَّلُ مرّةٍ أرى رِجْلاً من قرنِ وحيدِ القَرْن.. ها ها ها ها..

رَفَعَتْ الكلبةُ القرنَ وجَلَسَتْ تَبْكي، وبينما هي كذلك، إِذْ لَمَحَتْ غُرَاباً يُحَاوِلُ أن يطيرْ، ولا يستطيعُ لأنَّ جَنَاحَهُ عَالِقٌ في فَرْعِ شجرةٍ كَثِيْفْ، اتَّجَهَتْ الكلبةُ إلى فرعِ الشّجرةِ وهَزَّتْهُ بأسْنَانِها، لأنَّهُ كانَ قريباً من الأَرْضِ، فَأَفْلَتَ الغُرَابُ وطَارَ إلى السَّماءْ، وعادَ إليها لِيَشْكُرَهَا، فوَجَدَها حَزِيْنَةً فقالْ: أَأَقُولُ لكِ لماذا أنتِ حزينةْ؟ لأنَّ لَكِ ثلاثةُ أَرْجُلْ!! صَحّْ؟؟

فقالتْ الكَلْبَةُ بِدَهْشَةٍ: صَحّْ!! ولكن كيفَ عَرَفْتْ؟؟
قال الغُرابُ: لأنّني كنتُ أطيرُ فَوْقَكِ منذُ أن وضعتِ غُصْنَ الشجرةِ مكانَ رِجْلِكِ المفقودةْ، ورأيتُ كلَّ شيءْ، وعندما حاولتُ الهُبُوطَ لأكلِّمَكِ عَلِقَ جَنَاحِي في ذلكَ الغُصنِ إلى أن ساعَدْتِني على الإفْلاتْ.
قالتْ الكلبةُ: أنا سعيدةٌ لأنَّكَ طِرْتَ من جديدْ، ولكنني حزينةٌ لأنني لستُ مِثْلَ باقي الكِلابْ.

قالَ الغُرابُ: وهلْ تَظُنِّيْنَ أنَّ باقي الكلابِ مثلَ بَعْضِها؟؟
قالتْ الكلبةُ: نَعَمْ.. والنُّمُورُ مثلَ بَعْضِها.. والغِرْبَانُ مثلَ بَعْضِها..
ضَحِكَ الغُرابُ من سَذَاجَةِ الكَلبةِ الصَّغِيْرةْ وقالْ: أنتِ مُخْطِئَةٌ، فَابْنُ عَمِّي مثلاً لهُ رِيْشٌ أَبْيَضٌ على رَأْسِهِ، وأبي مِنْقَارُهُ أَعْوَجْ، وأُختي جَنَاحَاها قَصِيْرَان وأنَا رِيْشِيَ خَفِيْفٌ.. فليسَ هُناكَ أَحَدٌ مِثْلَ الآخَرْ..
قالتْ الكلبةُ: ماذا تَقْصِدْ؟؟

قالَ الغرابُ: أقْصِدُ أنَّكِ إذا نَظَرْتِ إلى الكلابِ تجدينَ كلَّ كلبٍ مُخْتَلِفٍ عن الآخرْ، في الذَّيْلِ، في الأسْنَانِ، في لَوْنِ الشَّعْرِ، في الحَجْمِ، وأنتِ مختلفةٌ عَنْهُمْ لأنّ لكِ ثلاثةُ أَرْجُلْ، هذه هي كلُّ الحِكَايَةْ.

بَدَأتْ الإبْتِسَامَةُ تَرْتَسِمُ على وَجْهِ الكَلْبَةِ وفَكَّرَتْ أنَّ ما يَقُولُهُ الغرابُ حَقِيقِيٌّ، وخُصُوصاً أنّ أحداً لم يضحكْ عَلَيها حينما كانتْ تَسِيْرُ على أَرْجُلِها الثَّلاثْ، لكنهم ضَحِكوا عليها عندما حاولتْ أن تَضَعَ شيئاً مكانَ الرِّْجْلِ المفقودةْ.
لِذا عَادَتْ إلى بَيْتِها وهي سَعِيْدَةْ، ولم تَنْسَ أن تُعِيْدَ قَرْنَ وحيدِ القرنِ وغُصْنَ الشجرةِ فهيَ لم تَعُدْ بِحَاجَةٍ إليهُما.

قصة الحائط

الفئة العمرية من سن 12 – 15 سنة

خير الدين عبيد - سوريا

تنهّدُ الحائطُ .. قال:
- آهٍ . من أين أبدأ .. وماذا أقول ؟
أتذكّر أنّني قبل عشرِسنوات ٍ،كنت تراباً، أشـربُ المطرَ وآكلُ البذورَ، لكنّ شـُربي وأكلي مختلفان عن شـرابِ وطعامِ البشر، فأنا في الرّبيع .. أُخرِجُ من جوفي تلك البذورَ ، على شـكلِ زهورٍ مُلَوّنةٍ ، وحشائشَ خضراء َتبهجُ العين .
وأذكرُ أنّ أمَّ عدنانَ جاءتْ ذاتَ صباحٍ تحملُ سطلاً ومِجْرَفَةً ، جرفَتني ..وضَعَتني في السّطلِ وأفرَغَتني أمامَ بيتِها، وبعدَ أنْ ملأتْ عِدّةَ سطولٍ على شكلِ كومةٍ، جاءتْ بالقَشِّ والماءِ ، عجنَتْنا مع بعضنا وراحتْ تَبني منّا حائِطاً بينَ دارِها ودارِ جيرانِها.
بعدَ أيّامٍ تصلّبْتُ ، شـعرتُ بأنني صرتُ قاسـياً .. فحزِنت .
لكنْ .. في اليوم التالي، وبعد أنْ طَلَتْني أمّ عدنانَ بالكلسِ الأبيضِ ، فرِحتُ، لقد بَدَوْتُ كحمامةٍ بيضاءَ.

وبدأتْ قصّةُ سـعادتي .
ففي الصّباح، يقفزُ الدّيكُ الملوّنُ على ظهري، يصَفِّقُ بجناحَيه ويصيحُ مُعْلِناً ولادةَ أملٍ جديد.
تُهرَعُ إليه الدّجاجاتُ بفرحٍ .. وتنبِشُ عندَ قدمي ، باحثةً عن حبّاتٍ لذيذةٍ تتسابقُ إلى نَقرِها.
ويفيقُ الأولادُ ، ينادونَ بعضهم ، يجتمعونَ بجانبي .. ويبدأُ اللّعب.
سـعفانُ ومحمودٌ ، يتباريانِ بالقفزِ فوقي ، يرجعانِ إلى الخلفِ ، يركضانِ .. ويقفزان واضِعَينِ أيديَهما على ظهري ، فيبدوانِ كمُهْرَينِ رشـيقَينِ يقْفزانِ العوارضَ الخشـبيّةَ.

حمدانُ وخلفانُ وجدعانُ ، يلعبونَ لعبةَ الاختباء، ويختبئُ حمدانُ خلفي كأرنبٍ خائفٍ، فأحنوعليه كأُمٍّ .
أمّا ريمُ . فتُقبِلُ نحوي ، حامِلَةً قطعةً من الفحمِ ، وتبدأُ الرّسـمَ على وجهي الأبيضِ ، أحياناً ترسمُ سِربَ سنونو ، أو مزهريّةً ، أودميةً قماشيّةً ، أو...
وكلّما امتلأَ وجهي بالرّسـومِ والأسماءِ والأشـعار ِ، طلَتْني أُمُّ عدنانَ بالأبيض، وهذا الطِّلاءُ يُغري الأولادَ بالرّسمِ والكتابةِ من جديد، يحملونَ قطعَ الفحمِ،ويُهروِلونَ نحوي كأنّني مدرسةٌ فتحت أبوابَها لليومِ الأوّلِ.
وعندَ العصرِ ، وفوق ظلّي الكثيفِ، تمدُّ أُمُ عدنانَ سجادةً من الخِرقِ الملوّنةِ، وتنامُ قيلولتَها ، وتشـخر.

على الرّغمِ من كلّ ذلك ، لم أنسَ صداقتي للزّهورِ والحشائشِ ، فبعدَ كلِّ شـتاءٍ ،تنتشُ البذورُ الّتي أحملُها في جوفي ، فتمُطّ الحشائشُ و الأزهارُ رؤوسَها من شقوقي وتكبرُ ، وكم كانَ مدهشاً منظرُ إحدى الزّهورِ
البنفسجيةِ الّتي نمتْ فوقَ المزهريّةِ الفارغةِ التي رسَمتْهاريم ، حتّى إنَّ أهالي الضّيعةِ كلّهم جاؤوا ليرَوا تِلكَ المصادفةَ الرائعة.

وتمرُّ السّـنونُ ، وتتوالى الفصولُ ، ويزدادُ تشـقُّقي ... وأشـعرُ أنّني لاأقوى حتّى على حَملِ ديكٍ خفيفِ الوزنِ ، و...
أسمعُ عدنانَ يريدُ هدمي ! نعم .. هدمي . فاليوم .. جلسَ معَ أُمِّهِ في ظلّي ، أسـندَ ظهرَهُ إليَّ ، قال :

- سـأهدمُ الحائطَ ، إنّهُ مُتداعٍ ويكادُ ينهار.
ردّتْ أُمَّ عدنان :
- ونبقى دونَ حائط ؟!
- مَنْ قالَ إنّنا سـنبقى دونَ حائط ؟ سـأبني بدلاً عنهُ سُـوراً منَ الحجارةِ المصقولةِ.
ثمّ دخلَ البيتَ ، مُخْرجاً مَهدّةً حديديّةً كبيرة.
ارتَجَفْتُ خوفاً ، كدْتُ أنْهار ُ.. لكنّني تماسكْتُ عندما رأيتُ أُمَّ عدنانَ تنظرُ إليَّ بعينينِ حزينتين ، وتقول :
- أرجِعِ المهدّةَ ، أنا راضيةٌ بالحائط.
- لكنّه قديم !
- ابنِ لنفسـِكَ بيتاً جديداً ، وسـَوِّرْهُ بحائطٍ من الحجر، أمّا أنا فسـأرمِّمُه .
ثمّ مسحتْ بيدها الحانيةِ على ظهري ، وسَـكَبتْ دمعتينِ سـاخنتين .
زالَ خوفي ...
وأقسـمْتُ أنْ أهدي أمَّ عدنانَ في الرّبيعِ القادمِ ، زهرتينِ بيضاوينِ سـتنبتانِ مكانَ الدّمعتينِ بالضّبط▪


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى