الأحد ٣١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٦
قصة قصيرة
بقلم علي القاسمي

المجابهة

دخلتْ منظِّفةُ المنزل عليَّ في مكتبي في الطابق العلوي، دون أن تطرق الباب، وقد ارتعدت فرائصهاً، وامتقع وجهها، وارتعش جسدها، وارتجفت يداها؛ وقالت بصوت متهدّْج وأنفاس متقطّعة:

 ثمة ... حنش ... في البيت.

لم أسمع العبارة بوضوح، أو لأنني أردت أن أتأكّد مما تقول، فسألتُها:

 ماذا في البيت؟

رفعت صوتها المرتعش قليلاً، وقالت:

 حنش.

كنتُ قبل دخولها بوهلة، أحرّر ـ بمصادفة عجيبة ـ مادة " ح ن ش " في المعجم المدرسي الذي أتولى تأليفه لوزارة التربية، وقد نقلتُ، من المصادر الموثوق بها، التعريف التالي:

"حَنَشٌ، جمعه أَحْنَاٌش : حيّةٌ سوداء ليست سامة."

ولهذا ابتسمتُ بشيء من الاستخفاف، وسألتها:

 أين ؟

قالت، وما زالت أنفاسها متقطعة:

 تحت الزربية... في مدخل البيت ... التفَّ هناك ...

خرجتُ من المكتب، ووقفتُ في أعلى الدرج المفضي إلى مدخل المنزل. تبعتني هي تاركة مسافة أمان كافية. ألقيتُ نظرة على الزربية. لم أرَ الحنش. أضافت السيدة موضحة، وهي ما زالت ترتعدّ فَرقاً:

ـ هناك ... تحت... الزربية:

فعلاً، لمحتُ انتفاخاً في وسط الزربية.

في تلك اللحظة، خطرَ لي أنّ تلك السيدة المسكينة ليست لغويّة ولا معجميّة، فهي لم تُصب من التعليم الابتدائي إلا اليسير، وأنّ كلمة " حَنَش" في اللهجة المغربيّة العربيّة اسماً عاماً لجميع أنواع الحيّات، وأنّ ما تسمّيه هي " حَنَش " قد يكون حيّة خبيثة، أو ثُعباناً سامّاً، أو أفعى خطيرة، أو صلاً من أقتل الأفاعي، أو كوبرا سامّة جداً، أو حتى حيّة تنفخ سمّها في الهواء فتقتل فريستها عن بُعْد.

وهنا شعرتُ في داخلي بنوع من الفزع، بل بهلع شديد، حاولتُ أن أخفيه عن السيدة المرعوبة التي كانت تقف مرتجفة، وهي تصوّب عينيها إليّ، في انتظار أن أفعل شيئاً، كي تعودَ إلى عملها في الطابق السفلي من المنزل.

لم تكُن لي خبرة سابقة بالحيات، فأنا معجمي بالمهنة، ولم أدرس ما يتعلّق بالأفاعي في الجامعات التي ارتدتُها، ولم أتعلّم شيئاً من وسائل الإسعاف الأوّليّة في المدارس. كلّ ما أعرفه عن الحيات هو ما كنتُ أسمعه في طفولتي في بلدتنا الصغيرة المجاورة للحقول والبساتين. سمعتُ آنذاك أنّ أحدهم لدغه ثعبان سامّ فمات في الحال. وفلاح، كان يعمل في الحقل لدغته أفعى خبيثة في إبهامه، فسلّ خنجره، وبتر تلك الإصبع لئلا يتسرب السمُّ في الدم إلى قلبه فيقتله. وفلاح آخر لدغته حيّة سامة في قدمه فاضطر، في تلك اللحظة، إلى قطع قدمه بالمسحاة التي كانت بيده لينجو من موت مُحقّق. ولكنّها حوادث كنتُ اسمع بها دون أن تكون لي مجابهة فعلية مع أي ثعبان من أي نوع. ولا أعرف كيف أميّز الحية السامة من غير السامة. ولا أملك خنجراً ولا مسحاة.

الحكاية الوحيدة التي سمعتها عن حيّة مسالمة في طفولتي كانت تلك الحكاية التي دأبتْ أمي على ترديدها لجاراتها مراراً وتكراراً. تقول الحكاية إن أُمّي توجّهت إلى الرحى في منزلنا ذات صباح لتطحن الحنطة وتعدّ لنا الخبز، فوجدتْ حيّة طويلة وجسدها ملتفّ حول الرحى مرتين أو ثلاث، فبادرتها أمي بتلاوة بعض الآيات من القرآن الكريم، فما كان من الحيّة إلا أن تنصرف منسابة خارج الدار. والآن، هل تنفعني قراءة آيات قرآنية على هذا الحنش الكامن تحت الزربية؟

في الحقيقة، أنا سمعت حكاية أُمّي عدّة مرات، ولكن لم أرَ تلك الحيّة. كما لم أشاهد أية حيّة أخرى في حياتي. بلى، في ساحة جامع الفناء في مدينة مراكش الرائعة، لمحتُ بعض الحيّات عن بُعد، يتقلّدها الحواة ملفوفة حول أعناقهم مثل قلادة ليُسلّوا بها السيّاح. من المؤكَّد أنّ هؤلاء الحواة يعرفون كيف يتعاملون مع الحيّات، ولهم خبرة في اصطيادها، وقلع أنيابها لتكون آمنة، وترويضها. ومع ذلك، كنتُ كلما رأيتهم من بعيد، اقشعرّ بدني وبالغتُ في الابتعاد عن طريقهم. ولكن أين أجد هؤلاء الحواة الآن لمساعدتي؟ بل كيف أستطيع الخروج من المنزل، والحنش متربّص تحت الزربية في الممرّ المفضي إلى الباب؟

التفتُ إلى السيدة الخائفة، فألفيتها ما زالت واقفة وهي تصوّب نظراتها إليّ، تتوقع مني أن أفعل شيئاً. طبعاً، فأنا صاحب المنزل ولا يوجد غيري فيه.

قلتُ لها كسباً للوقت:

ـ ما طول الحنش ؟
قالت: " التفّ بسرعة تحت الزربية. ربما طوله... " ثم مدّت كلتا ذراعيها.

هنا شعرتُ بالخوف يدبّ في أوصالي ويتملّك كياني. فقلتُ لها وَجِلاً:

ـ هل هو غليظ؟
ـ نعم، نعم.

أيقنتُ بأنّني مضطر لخوض معركة، لم أخترها بنفسي، وإنّما فُرِضتْ عليّ. سأخوضها مع عدو خطِر، اجتاح داري وقد يقضي عليّ أثناء النوم إذا تركته الآن. إذا استطاع هذا الحنش أن يلدغني لدغة سامة، كيف أصل إلى المستشفى، فداري تقع على شاطئ البحر، وهي بعيدة عن المدينة. ومن يحملني إلى المستشفى؟ فهذه السيدة المسكينة لا تعرف قيادة السيارة، وسيارات الأجرة نادراً ما تمر بالقرب من دارنا. هل أستنجد بالحارس الليلي ؟ إنه غير موجود الآن، فهو يغادر مكانه عند انتهاء الحراسة في الصباح؟ هل أطلب من المارّة أو الجيران، إن وجدوا، مساعدتي؟ ماذا أقول لهم؟ ألستُ رجلاً؟ والدار داري وليست دارهم. واجبي أن أدافع عنها وأحميها. وعلى كل حال، فلا سبيل إلى الوصول إليهم دون المرور على الزربية التي يختفي تحتها ذلك الحنش اللعين. تُرى، هل سيهاجمني عندما أقترب من الزربية؟ لا شك في أنه سيسمع خطواتي وأنا أنزل الدَّرج، فيتأهب للانقضاض عليّ.

قلتُ للسيدة المسكينة، وهي تنقّل نظراتها بسرعة بيني وبين الزربية في الممر أسفل الدرج:

ـ راقبيه جيداً لئلا يغيّر مكانه. سأرتدي ملابس سميكة وأعود إليه.

دخلتُ غرفة نومي في الطابق العلوي. لبستُ سروالاً سميكاً وجوارب غليظة. أمضيتُ بعض الوقتِ في البحث عن قفازات صوفية كنتُ أرتديها قبل شهور أيام الشتاء الشديدة البرد. وجدتها بعد لأي. بحثتُ عن جزمة كنتُ أستعملها قبل سنوات طويلة عندما كنتُ أمارس رياضة ركوب الخيل التي تخليتُ عنها بسبب الآم الظهر التي أصابتني، نزولاً عند نصيحة الطبيب الّذي أشار عليّ بالتوقف عن التنس وركوب الخيل، ومزاولة المشي والسباحة فقط. كانت تلك الجزمة في خزانة خشبية لم أفتحها منذ سنين طويلة. ما إن فتحتها حتى قفز منها شيء أرعبني. كان فأراً مذعوراً. لبستُ الجزمة, وتناولتُ عصا طويلة استخدمها في تماريني البدنيّة كلّ صباح. عدتُ إلى حيث تقف السيدة وأنا أقول بشيء من اللوم:

 عثرتُ على فأر في الخزانة الخشبية. إن لم يُنظّف هذا المنزل جيداً سيمتلئ بأنواع القوارض والزواحف والثعابين السامة.

بقيت السيدة صامتة. واصلتُ سيري. عزمتُ على المجابهة. سأقتل هذا الثعبان. أو بالأحرى سأقاتله. فأنا لا أعرف إذا كنتُ سأستطيع القضاء عليه، فقد يتمكن هو من لدغي وقتلي بسهولة. كيف يموت الإنسان؟ بأسباب كثيرة ، وأحياناً بلا سبب. ربما بلدغة أفعى. هكذا اختارت كيلوبترا أن تموت. والعداء بين الإنسان والحيّة مستحكم منذ أيام السومريين، فقد سرقت الحية نبتة الخلود من جلجامش، ملك أوروك، وقُضِي على الإنسان أن يموت ويموت.

كنتُ قد فكّرتُ أثناء ارتدائي الملابس السميكة في غرفة النوم، أنّ أفضل طريقة لقتل ذلك الثعبان هي الدعس المتكرّر بكلتا قدميّ على الزربية، على أمل أن تصيب ضربات الجزمة رأسه فيموت. أخذتُ أنزل الدرج بخطوات ثابتة تنم عن عزمي على خوض المعركة، ولكن دون إحداث أية ضوضاء. بقيت السيدة الخائفة واقفة في مكانها في أعلى الدرج، وقد اتسعت حدقتا عينيها.

كنتُ على وشك الوصول إلى الدرجة الأخيرة بالقرب من الزربية، وأنا أحمل العصا الطويلة مثل رمح بيدي اليمنى، عندما غيّرت خطتي فجأة. لا بأس، فمشاهير الجنرالات قد غيّروا خططهم أثناء المعركة في ضوء المعطيات المستجدة. فكّرتُ أنه ينبغي أن لا أجازف بالاقتراب كثيراً من الأفعى المختبئة تحت الزربية. الأفضل أن أضربها بالعصا الطويلة وأنا بعيد عنها بمسافة آمنة.

وقفتُ على الدرجة الأخيرة، رفعت العصا بلا ضوضاء، تمنيتُ لو كانت تلك العصا مثل عصا النبي موسى، بحيث تتلقف ذلك الحنش اللعين دون أن اضطر شخصياً لخوض تلك المعركة التي لا أعرف نتائجها.

هويتُ بالعصا بقوة على الجزء المنتفخ من الزربية. فجأة خرج ثعبان من تحتها بسرعة ورأسه مرتفع في الهواء، متأهب للضرب وللدغ. كان طوله حوالي الذراع، ورأسه كبير مثلث، ولونه أزرق داكن اقرب إلى السواد. لا بدّ أنه سام. لا أدري لماذا ارتبط السمّ باللون الأزرق في ذهني. رفع الثعبان رأسه في الهواء، أرتد به إلى الوراء، ولدغ رف المكتبة السفلي الذي جاءت الضربة من جهته (الممر يشتمل في الناحية اليسرى على رفوف مليئة بالكتب). وكرّر تلك الحركة واللدغ عدّة مرات، وفي أماكن مختلفة، كما لو كان أعمى. في تلك اللحظة وفي خضم المعركة، سمعت جرساً يجلجل بطريقة مخيفة خلته صادراً من الثعبان وهو يرفع رأسه في الهواء، لا بدّ أنه من نوع الأفعى ذات الأجراس المرعبة، فازداد قلبي خفقاناً. استمر رنين الجرس، ثم تبين لي إنه صادر من هاتفي المحمول. هذا الهاتف الملعون، يختار أسوأ الأوقات ليرنّ بإلحاح: وأنا أسوق السيارة، وأنا أحاول جاهداً الإجابة على سؤال صعب بعد محاضرة ألقيتُها، أو وأنا في صميم المعركة.

وبارتباك ظاهر، هويتُ بالعصا بضربات متلاحقة على الثعبان. لم تكن تُصيب الثعبان الذي كان يلتوي ويراوغ. ربما أصابت إحدى الضربات ذنبه. فهذه العصا ليست عريضة بما يكفي لتنال منه، فنوع السلاح ذو أثر في كسب المعركة. وفجأة التفتَ هو إلى الخلف وزحف بسرعة إلى الرفّ السفلي واختفى بين الكتب.

في تلك اللحظة شعرت بتحوّل في مشاعري، مثل تحوّلات الضوء عند الغروب. لا أعرف شيئاً عن كيفية نشوء العواطف أو تبدّل الأحاسيس، فليست لي دراية في علم النفس، أو الطب النفسي. كنتُ قد حاولت ذات مرة دراسة كتاب فرويد عن تفسير الأحلام فبدا لي مختلطاً كما لو كان أضغاث أحلام، فانصرفتُ عنه وعن كتب التحليل النفسي الأخرى. كلّ ما أحسستُ به بعد أن هرب الثعبان واختبأ خلف الكتب أنّه، هو الآخر، مذعور مثلي، خائف على حياته؛ وربما كان مثلي لا يريد الدخول في معركة، وإنما اضطر للدفاع عن حياته بعد أن فاجأته ضربة العصا. ربما دخل الدار خطأً دون أن يقصد الأذى. مَن يدري. ولعله مجرّد حية غير سامة. فها هو يهرب ويختبئ طلباً للنجاة. كلانا يطلب النجاة والبقاء والحياة. فشعرت بالرأفة تجاهه.

اغتنمتُ فرصة اختفاء الثعبان خلف الكتب وخلو الممر منه، واتجهتُ قفزاً نحو باب الدار في آخر الممر وفتحته على مصراعيه. لا أدري لِمَ فعلتُ ذلك؟ بكل تأكيد لا لأهرب إذا ما مالت كفة المعركة إلى غير صالحي، فمن المستحيل أن أتخلى عن الدار للثعبان، فهذه الدار أصبحت الآن هويتي، وعنواني، وحياتي، خاصة بعد أن تقاعدتُ من العمل الرسمي وأخذت أزاول الكتابة والتأليف فيها. لا يمكن أن أترك الثعبان مختفياً بين كتبي التي أستعملها بكثرة. سيلدغني سرعان ما أمدّ يدي لأتناول كتاباً. لعلني فتحتُ الباب آملاً في خروج الثعبان من الدار دون أن أقتله. فقد شعرتُ بنوع من الرحمة في أعماقي، كما ذكرتُ وكأنني أعمل بالحكمة المأثورة: ارحموا مَن/ما في الأرض، يرحمكم مَن في السماء.

عدتُ إلى رفّ الكتب حيث يختفي الثعبان. ومن بُعد كافٍ يضمن سلامتي. استعملتُ العصا الطويلة لإسقاط الكتب التي يختفي خلفها الثعبان. أنكشف مَخبؤه. خرج هذه المرة مصمّماً على خوض المعركة. أنزلتُ بعض الضربات في اتجاهه، ولكن من جهة الدرج وليس من جهة الباب، دون أن أرمي إلى إصابته. توقفتُ للحظة أفكر في اتّباع طريقة أخرى. اغتنم الثعبان فرصة توقّّف الضربات. اتجه نحو مصدر الضوء الآتي من فتحة الباب. لم أتبعه حالاً. لا أدري ما إذا كنتُ خائفاً من أن يرتدَّ نحوي فيلدغني، أم كنتُ راضياً بخروجه بحيث تكون نتيجة المعركة متكافئة، لا غالب ولا مغلوب. بعد لحظات تعقّبته عن بعد لأتأكد من خروجه، ودون أن أهاجمه بالعصا. خرج من الباب الداخلي. زحف بشكل متقطع: يتوقف بين وهلة وأخرى، ينظر في اتجاهي، ثم ينظر في اتجاه الشارع. قطع الساحة الصغيرة المخصصة لوقوف السيارة نحو الباب الخارجي الخشبي المشبّك. انساب من تحته وأنا أتعقبه عن بُعد. أسرع للاختفاء في مجموعة من الأعشاب النامية على حافة الطريق أمام الدار عند عمود الكهرباء. لا بدّ أنه اختبأ في غار هناك . هويتُ بالعصا بقوة على عمود الضوء محدثاً صوتاً كبيراً، وكأنني أريده أن يختفي في الغار بعيداً عني. انكسرت العصا إلى نصفين قصيرين. رميتهما على الأعشاب، وعدتُ إلى منزلي وأوصدتُ الباب خلفي. وما إن اقتربتُ من الزربية في الممر، حتى فززتُ : كان الثعبان ملتفّاً مختبئاً تحتها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى