الاثنين ١٠ أيار (مايو) ٢٠٢١
بقلم عبد الله المتقي

حوار مع القاصة التونسية خيرة الساكت


دائما ما أردد"ولدت من رحم القصة القصيرة

خيرة الساكت أستاذة تعليم أساسي، ومولعة بكتابة القصة القصيرة حد الجنون المعقلن، وكما لو ولدت رحم الحكي، بحثت عن نفسها قصصيا في المرآة، ثم عكفت على تنويع قراءاتها سياسيا وأدبيا، فضلا عن هضمها لتقنيات القص،
على هامش إصدارها لمدونتها القصصية"حبر لا ينضب"كانت لنا معها هذه المواجهة:

من أنت يا خيرة في خضم هذا الصراع مع كورونا و هذا الصراع من أجل البقاء؟

* خيرة الساكت أستاذة تعليم ابتدائي، من تونس بدأت الكتابة قرابة الخمس سنوات.و هي تجربة مثل المخاض تماما تتكرر مع ولادة كل نص.إضافة إلى شقاء الكتابة و متعتها،كانت جائحة الكورونا التي اكتسحت العالم دون سابق إنذار و أشعرتنا جميعا بالعجز عن مواجهتها و الخوف من غول خفيّ يضغط على أفكارنا و يقلب حياتنا.و من عادتي أنّي كل ما شعرت بضغط و ضيق أهرع للكتب و كان ذلك سبيلي خلال هذه الظروف الصعبة.سنبقى على قيد الحياة ما دمنا نقرأ و نهزم كل الأوبئة ما دمنا مؤمنين بالانسان.

خيرة الساكت قاصة و انسانة. هل من مقارنة؟

* الانسانة و القاصة وجهان لعملة واحدة ضحكتان لي. لا أرى بأن ما يجمعهما علاقة بقدر كونهما امتداد لبعضهما.فالإنسان سارد بطبعه حتى ولو لم يكتب قاصا. يكفي وجود الإحساس.هناك من يترجم إحساسه إلى مفردات واحداث فيخرج بها إلى العلن و هناك من يبقى إحساسه حبيس أنفاسه.

من أين جئت القصة القصيرة، وألا يمكن اعتبارها لعنة جميلة لابد منها؟

* القصة القصيرة هي فن حب الحياة.و أنا دائما ما أردد"ولدت من رحم القصة القصيرة"بالنسبة لي اهتدائي لهذا النمط الأدبي الفريد هدية إلاهية غالية.جئت إليها من قراءات عديدة و متنوعة منذ الصغر. روايات، قصص، مجلات، كتب تاريخ و علم اجتماع، كتب سياسية و قد انعكس هذا التنوع في القراءات على المجموعة إذ تنوعت القضايا المطروحة و اختلفت و جئت القصة القصيرة أيضا بعد تفكير طويل بماهية الانسان و الغاية من وجوده و فحوى رسالتي الكونية.

ماذا عن القصة الأولى، عن الشعلة الأولى، من أوقدها حتى استمرت إلى حد الأن؟

* بدأت قصتي مع القصة القصيرة في سنة 2015 حيث أنجبت طفلا وديعا سميته ضياء. أنظر في عينيه أتأمله.كانت نظراته ترسل السؤال الذي يرافق الإنسانية منذ بداية نشأتها.من أنا"و من هنا اندلعت شرارة الكتابة القصصية كتبت نصا هو عبارة عن بحث عن نفسي في المرآة كان مزيجا من الخاطرة و القصة القصيرة..علق بعض الأساتذة على كون النهاية قصصية بامتياز. توقفت عن الكتابة و توجهت نحو قراءة الكتب القصصية و الكتب النقدية التي تبين كيفية كتابة القصة القصيرة ثم بعد ذلك عدت متسلّحة بالقلم و الأفكار و الرؤى المتنوعة نحو القصة القصيرة.

- نزار قباني يكتب غالبا و هو مستلق على الأرض أو نائما على بطنه. بالمناسبة، هل من عادات و طقوس لخيرة في محراب قصتها؟

أ* مجموعتي حبر لا ينضب هي أول عمل أدبي لي كتبتها منذ 3 سنوات و ككل بداية رافقتها خصوصية معينة فقد كتبت كل قصص المجموعة في غرفة مظلمة معتمة لا نور فيها. أفتح حاسوبيو أبدأ بالكتابة.ألون الظلمة بأفكاري و أرسم عالما آخر ساحرا و آسرا. أطارد شخصياتي و أتفاعل معها.

حزن لحزنها و أسعد لسعادتها هذا عن طقوس البداية أما الآن فقد صارت الكتابة في كل وقت و حين و تحت أي ظرف و أصبحت جزء من عملية التنفس لدي.

- من أي محبرة أتيت بهذا العنوان الذي يشرق في سقف الغلاف كما الثريا؟

* حبر لا ينضب هو كناية على أن الفكر لا ينضب. يبقى الفكر الانساني مستمرا و متواصلا و هو عنوان عام حاولت أن ألخص فيه محتويات المجموعة و أشير إلى رؤيتي للإنسان ككائن عاقل مفكر على سطح هذا الكوكب

- كيف تلجين القصة القصيرة، هل تأتيك فيضا أم دفعات أم مراودة؟ و ما ملامحها؟ و كيف تصفين قصتك القصيرة؟

* القصة تبدأ دائما بفكرة تتحول إلى هاجس يحتلّني و يجبرني على الإمساك بالقلم و إنجاز تخطيط كامل للعمل ثم بعد ذلك أبدأ بالكتابة. أحيانا تكون العملية سلسة و أنتهي منها بسرعة و أحيانا أخرى تكون الولادة صعبة و القصة عنيدة و لا تخرج للنور على الشكل الذي أريد. أستقي الأفكار من قراءاتي المختلفة. من المواقف التي أتعرض إليها في الحياة اليومية. من الوقائع التي تحدث كل يوم. و بما أن القصة القصيرة تهتم دائما بتصوير موقف أو حدث زمني قصير فأنا أحرص دائما عند تناولي للقضايا الإنسانية الكبرى أن يتم التركيز على أحد جوانبها.

- تكتب نجاة الوسلاتي أن الحلقة الأضعف في قصصك هي المرأة فهي ضحية الميز العنصري و الحاجة و التقاليد البالية. ما تعليقك؟

* تناولي لقضايا المرأة و تسليط الضوء على العنصرية لا يعني إقرارا مني بأنها ضعيفة بقدر كونها مهمة و أساسية في المجتمع.فتغيير وضع المرأة هو تغيير لوضع المجتمع بأكمله و دفع به نحو التقدم و الازدهار. هذا ما أردت قوله من خلال تناولي لقضايا المرأة

- هل يمكنك أن تحدثينا عن خصوصيات تعاملك مع فلسطين في قصتك"الوهم"؟

* القضية الفلسطينية ندبة في تاريخ الانسانية.ما حدث لفلسطين و شعبها جريمة كبرى قائمة على أساس واه و كانت لها انعكاسات على كامل الانسانية.في قصتي"الوهم"تناولت القضية الفلسطينية من جانب مختلف عن ما تناولته بقية الأقلام و هو كيفية تسرب الأوهام إلى الكتب المقدسة لتصبح عقائد دينية يتهم كل من ينكرها بالمعاداة و التطرف اشتغلت على مصطلح اسرائيل و مدى شرعية وجوده تاريخيا و دينيا

في نهاية القصة وصلت البطلة بعد بحث طويل إلى يقين بأن الكتب المقدسة تحتاج للمراجعة حتى لا تجعلنا نحيا بعقول ميتة

- لو حدث و نضب حبرك و ختمت الظروف ذلك. فماذا ستفعلين؟

لو حدث و توقفت عن الكتابة و شاءت الظروف ذلك فأنا أكيدة بأن الحبر الإنساني لا ينضب. كما سبقني جيل كبير من الأدباء سيأتي بعدي جيل مبدع يتسلم المشعل و يواصل بثبات أنجز أحيانا بعض اللوحات التشكيلية. ربما أولي الرسم اهتماما أكبر في المستقبل

- أنت أستاذة علوم تكنولوجية، بالمناسبة، قصصك و التكنولوجيا أية علاقة؟

* أنا بالأساس تكويني أدبي. تحصلت على باكالوريا آداب سنة 2005. عملي في التعليم الابتدائي يستوجب إلماما بكل المجالات. حاليا أدرس مجال العلوم و التكنولوجيا و مجال التنشئة الفنية لتلاميذ السنة الرابعة و هو ما مكنني من الانفتاح على جوانب أخرى من شخصية الانسان و أضفى مساحة من التنوع في قصصي إذ يجد القارئ قصصا تحمل دعوة للاهتمام بالاكتشافات العلمية مثل قصة"سمفونية الكوكب الأحمر"و قصصا تدعو للمحافظة على البيئة مثل قصة"اللعنة"

- مرجعيات قصصك التي لا تنضب متعددة، علمية، وطنية، اجتماعية و جغرافية. هل كنت على درجة من الوعي بهذه الفسيفساء؟

* الفسيفساء الموجودة بمجموعتي ناتجة بالأساس عن قراءاتي منذ الطفولة. فقد كانت متنوعة بصفة كبيرة نظرا لتنوع الكتب التي احتواها منزلنا.فانطبعت شخصيتي بتلك الفسيفساء و انعكست على قلمي و توجهي الفكري. تجدني أتحدث عن الاقتصاد و العلم و المجتمع و الذات... حيث ما وجد الانسان أقتفي أثره و أحاول التخفيف من حدّة معاناته بتسليط الضوء أو بطرح الحلول.

- هل يمكن أن تحدثينا عن لغتك القصصية؟

* اعتمدت لغة قصصية سلسة و واقعية في معظم كتاباتي لعدة أسباب منها خصائص الراهن القصصي (استخدام ضمير الغائب) و الخطابات السياسية و الإعلامية المتداولة و التي تحمل في حياتها تعقيدا كبيرا

أيضا رغبتي في التجريب و تخطي التقليدي في الكتابة.لذلك توجهت لبساطة اللغة و التعبير لأكوّن مجمل قصصي و لأقترب من القارئ الذي يسعى لتحقيق المتعة من النص دون أن يصطدم بتعقيدات بلاغية

و لغوية تنفره من القراءة.

- هل ممكن نميمة بيضاء حول مشروعك الروائي أو القصصي في قادم الأيام؟

* كتابي الأدبي القادم سيكون رواية. أنهيت التأليف. و بقيت المراجعة و التدقيق تتناول الرواية مسألة التطور المجتمعي الذي حدث في تونس مرورا بفترات الاستعمار الفرنسي و النضال من أجل الاستقلال و بناء الدولة بعد الاستقلال.و طبعاً في خضم تلك الأحداث يكون الانسان حاضرا بقوة كمحور تدور حوله كل التغيّرات لن أتحدث أكثر عن الرواية. أترك متعة اكتشافها للقارئ عندما تصدر بإذن الله

كلمة أخيرة

* لا يُهزم الانسان في هذه الحياة إلا متى توقف عن القراءة. الكتاب سلاحنا لمواجهة كل الأزمات إذا ما جعلنا من القراءة ركنا أساسيا و عادة يومية لدينا و لدى أطفالنا سيكون الانسان بخير دائما في كامل أنحاء العالم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى