الثلاثاء ١٩ نيسان (أبريل) ٢٠٢٢
بقلم رامز محيي الدين علي

في فضاءِ الفكْر الحقدُ والتسامحُ

بدايةً أبتدئُ مقالتِي بنظراتِي الأدبيّةِ والفكريّةِ في الحقدِ والتّسامحِ؛ لأصوغَ منها عباراتٍ تفيضُ بمحبَّتي الّتي لا تعرفُ حدوداً في التّسامحِ، ولا تقفُ أمامَ جدارٍ مظلمٍ يحجبُ عن بصَري وبصيرتِي عالمَ الملائكةِ المُفعمِ بالمحبّةِ والخيرِ والحرّيّةِ والتّسامحِ، بعيداً عن جحيمِ الحقدِ وأَتّونِ الكراهيةِ، لأقولَ:

الأمّةُ الّتي تُربّي أبناءَها على الحقدِ كأنّها تُحرقُ جذورَ حياتِها بأيديْها.

الأمّةُ الّتي تربّي أبناءَها على التَّسامحِ، فإنّها تُعلِي صروحَ بنيانِها الحضاريّ بينَ الأممِ.

الحقدُ وليدُ الجهلِ، والتّسامحُ نتاجُ الإدراكِ والمعرفةِ.

الحقدُ يولّدُ سمومَ الكراهيةِ، والتّسامحُ ينشرُ عطرَ المحبّةِ.

الحقدُ علّةٌ تُميتُ القلوبَ الحيّةَ، والتّسامحُ ترياقٌ يُحْيي النّفوسَ الميّتةَ.

الحقدُ مقبرةُ الأشرارِ، والتّسامحُ فردوسُ الأبرارِ.

النّفوسُ الشّرّيرةُ تنفثُ الحقدَ حتّى في المعابدِ الّتي لم تُشَدْ إلّا لنشرِ المحبّةِ والتّسامحِ بينَ البشريّةِ.
ما أقبحَ الدِّينَ الّذي يُنمّي بذورَ الحقدِ والكراهيةِ، ولا يُنبِتُ غرساً من المحبَّةِ والتّسامحِ بينَ البشرِ!
كلُّ الأديانِ والفلسفاتِ لم ترَ النُّورَ في نفوسِ المؤمنينَ بها، إلّا بعدَ أن اجتثّتْ بذورَ الحقدِ والكراهيةِ والأنانيّةِ من أعماقِها، وغرسَت فيها بذارَ المحبّةِ والتّسامحِ والإيثارِ.

الأمّةُ الّتي تُرضعُ أبناءَها الحقدَ بجلدِ الذّاتِ، وتلعنُ التّاريخَ ورموزَه العظيمةَ، ما هيَ إلّا لعنةٌ شعوبيّةٌ تتستَّرُ بها أمامَ قطيعٍ من البهائمِ؛ كي يتفانَوا في ترسيخِ حقدِها وكراهيّتِها على التّاريخِ.

أيُّها الحقدُ..

قلْ لي ماذا جنَتِ البشريّةُ من غرورِكَ وغطرستِكَ غيرَ الكراهيةِ والدّمارِ والهلاكِ؟!

ماذا جنتِ البشريّةُ من ثمارِكَ غيرَ النّدمِ والحسرةِ والألمِ؟!

ماذا جنتِ البشريّةُ من حُمقِكَ الدّفينِ غيرَ الجهلِ والتّخلُّفِ والهمجيَّةِ؟!

ماذا حصدتِ البشريّةُ من غرسِك غيرَ الظُّلمِ والطُّغيانِ وضياعِ الحقوقِ والانحرافِ عن كلِّ حقٍّ وحقيقةٍ؟!

إنّكَ شعورٌ وحشيٌّ وغريزةٌ حيوانيّةٌ طاغيةٌ تُودي بحياةِ البشريّةِ، وتُلقي بها في مَهاوي الرَّدى!

إنّكَ أفنيتَ نصفَ البشريَّةِ بقتلِ قابيلَ لأخيهِ هابيلَ!

إنّكَ أهلكتَ ثلاثةَ أرباعِ البشريّةِ، وأنت تطحنُ أوراحَها في رحَى حروبِكَ، ودمّرتَ ثلاثةَ أرباعِ المعمورةِ، وأنتَ تُحرقُ أكواخَ المستَضعفينَ بنيرانِ أحقادِ المتجبّرينَ الطّامعينَ بخيراتِ الكونِ!

إنّكَ قتلتَ الإخوةَ بالإخوةِ، والأسرةَ بالأسرةِ، والقبيلةَ بالقبيلةِ، والعقيدةَ بالعقيدةِ، والسِّياسةَ بالرّياسةِ، والممالكَ بالأسيادِ، والدّولَ بالخرائطِ، واليابسةَ بهيجانِ البحارِ، والجِنانَ الخضراءَ بالزّلازلِ والبراكينِ والأعاصيرِ!

إنّكَ صنعتَ من قوّةِ العلمِ أدواتِ تدميرٍ للكونِ والبيئةِ والطّبيعةِ، بكَ دمّرُوا طبقةَ الأوزونِ بسمومِ حقدِهم على البشريّةِ وجشعِهم في استهلاكِ كلِّ خيراتِ الدّنيا، فباتتِ الأرضُ في جحيمٍ لا يُطاقُ، وبكَ غيّرُوا معالمَ الأرضَ وخرائطَها وأممَها وسكّانَها، حتّى باتَ المجرمُون يبتلعُون ثلاثةَ أرباعِ ثرواتِ الأرضِ، فيمَا يبيتُ ثلاثةُ أرباعِ سكّانِها على الجوعِ والطّوَى والحِرمانِ!

وهَا أنا إذْ أذمُّكَ أيُّها الحقدُ، وأُثْني على التَّسامحِ، سأبيِّنُ الفروقَ الكبيرةَ بينَكما، كما وضَّحتُها فيما سبقَ بينَ النُّورِ والدّيجورِ، بينَ الحبِّ والكراهيةِ، بينَ الكِبرِ والتّواضعِ، وغيرِها من ثنائيّاتِ الصّراعِ في الوجودِ:

الحقدُ شطرٌ من ظلماتِ الكفرِ، والتَّسامحُ جوهرٌ من جواهرِ الإيمانِ.

الحقدُ مِخلبٌ من مخالبِ الشّيطانِ، والتّسامحُ جناحٌ من أجنحةِ الملائكةِ.

الحقدُ دخانٌ أسودُ من النّارِ الّتي تتلظَّى بها النُّفوسُ المظلمةُ، والتّسامحُ نورٌ من الرّحمةِ يشعُّ من النّفوسِ العظيمةِ.

الحقدُ إعصارٌ يقتلعُ الجمالَ من الحياةِ، والتّسامحُ نسيمٌ يغازلُ جمالَ النّفسِ والرّوحِ والحياةِ.

الحقدُ بركانٌ لا ينتَهي إلّا بالخرابِ والدّمارِ بنشرِ حممِه على وجهِ الأرضِ، والتّسامحُ قمرٌ يضيءُ الكونَ، كلّما زحفَ الظّلامُ على صدرِ الطّبيعةِ، فتتزيّنُ السّماءُ معهُ بالنُّجومِ، ويغفُو الكونُ في أمنٍ وسلامٍ.

الحقدُ سلاحٌ يقتلُ صاحبَه قبلَ أن يقتلَ الأبرياءَ، والتّسامحُ سحابةٌ تُمطرُ جميعَ سكّانِ العالمِ بالرّحمةِ والمحبّةِ والخيرِ والعطاءِ، فيَحيا الجميعُ في نعيمٍ وسلامٍ.

الحقدُ ثورةُ غضبٍ تنتَهي بالعبوديَّةِ، والتّسامحُ دعوةُ سلامٍ لا تنتَهي إلّا بالحرّيّةِ الأبديّةِ والسّلامِ الشّاملِ في الأرضِ والسّماءِ.

الحقدُ جحيمُ الرُّجماءِ على الأرضِ، والتّسامحُ فردوسُ الأنقياءِ في الأرضِ والسّماءِ.

الحقدُ شيطانٌ لا يَحكمُ غيرَ النّفوسِ المظلمةِ على الأرضِ، والتّسامحُ ملاكٌ يحلِّقُ بالنّفوسِ العظيمةِ في ملكوتِ السّماءِ.

الحقدُ يُعشّشُ في ضمائرِ البشريّةِ المتوحِّشةِ، والتّسامحُ يفيضُ أنواراً زكيّةً من الضّمائرِ المَصوغةِ من أجنحةِ الملائكةِ.

بينَ الحقدِ والتّسامحِ هنيهةٌ تفصلُ البشريّةَ إمّا إلى أبالسةٍ ينفثُون الدّمارَ والخرابَ أينَما حلُّوا، وإمّا إلى ملائكةٍ ينشرُون العدلَ والرّحمةَ والمحبّةَ والتّسامحَ في ربوعِ الكونِ.

بينَ الحقدِ والتّسامحِ هنيهةٌ، قد تُخرجُ البشريّةَ إلى الجحيمِ، وقد تطيرُ بها إلى عالمِ النّعيمِ والسّلامِ الأبديِّ.
بينَ الحقدِ والتّسامحِ هنيهةٌ منَ التّأمُّلِ والتّفكيرِ، قد تنتَهي بالهلاكِ والدّمارِ، وقد تتجدَّدُ بالأملِ والتّفاؤلِ، بالثّناءِ والعطاءِ، بالخيرِ والسَّعادةِ والهناءِ والبناءِ.

ختاماً أُعيذُ نفسِي من شرِّ الحقدِ ووساوسِ الكراهيةِ، وأبثُّها أنوارَ فِكري وألحانَ الملائكةِ الّتي تفيضُ بالمحبّةِ والخيرِ والسّلامِ لجميعِ أممِ الأرضِ الّتي ما خلقَها اللهُ لتفْنَى في نيرانِ حقدِها، وإنّما لتَحْيا في جنانِ الخُلدِ والمحبّةِ والسّلامِ، واللهُ الخالقُ هو السَّلامُ المُهيمنُ..

وأدَعُ بينَ أيديْكم ثمراتِ العارفينَ جحيمَ الحقدِ ونعيمَ التّسامحِ شعراً ونثراً:
ابنُ الرّومي:

الحِـــقدُ داءٌ دوِيٌّ لا دواءَ لــــهُ
يَرِي الصُّدورَ إذا ما جمرُهُ حُرثا
فاسْتَشْفِ منهُ بصفحٍ أو مُعاتبة ٍ
فإنّما يبــــرأُ المصــدورُ ما نُفِـثا

عليّ بنُ أبي طالب:

إنّ الحَقُودَ وإنْ تقادمَ عهدُه
فالحقدُ باقٍ في الصُّدورِ مُغيَّبُ
صفيُّ الدّين الحِلّي:
ذُلُّوا بأسيافِنا طولَ الزَّمانِ فمُذْ
تحكَّمُوا أظهرُوا أحقادَهُم فيْنا
لم يُغنِهم مالُنا عن نهبِ أنفسِنا
كأنَّهم في أمـــانٍ منْ تقاضِيْنا

عبد الغني النّابلسي:

كنْ كالنَّخـــيلِ عــنِ الأحقـــادِ مرتفــعاً
يُؤذَى برجمٍ فيُعــطي خيــرَ أثمارِ
واصبِرْ إذا ضقْتَ ذرعاً والزّمانُ سطَا
لا يَحصلُ اليُســرُ إلّا بعـــدَ إعسارِ

عنترةُ بن شدّاد:

لا يحملُ الحقدَ مَن تعلُو بهِ الرُّتبُ
ولا ينالُ العُلى مَن طبعُهُ الغضبُ.
الأخْطلُ:
إنّ الضّغينةَ تلْقاها وإنْ قدُمَت
كالعَــرّ يكْمُـنُ حيـناً ثمّ ينتشرُ

المقنَّعُ الكِندي:

ولا أحمِلُ الحقــدَ القــديمَ عليْهمُ
وليسَ رئيسُ القومِ مَن يحملُ الحِقْدا

أسامةُ بنُ مُنقذ:

إذا أدْمَتْ قَوارِصُهُم فؤادِي
كَظَمْتُ على أَذَاهُم وانطويْتُ
ورُحْتُ عليهِمُ طَلْقَ المُحَيَّا
كأَنّي ما سـمِعْتُ ولا رأيْــتُ

مصطفى الغلايينيّ:

سامِحْ صديقَكَ إنْ زلّتْ بهِ قدمُ
فليسَ يسلمُ إنســانٌ مـنَ الزّللِ.

في العالمِ أكداسٌ من الكراهيةِ والحقدِ لابدّ من تصفيتِها. مالك بن نبي
في العَفوِ لذّةٌ لا نجدُها في الانتقامِ. مثل فارسيّ
الشّجرةُ لا تحجُبُ ظلَّها حتّى عنِ الحطّابِ. هيتوباديسا

القلوبُ الّتي تُسامحُ كثيراً وتصبرُ طويلاً وتتنازلُ دوماً، هي القلوبُ الّتي إنْ قرّرتِ الرَّحيلَ، فلن تعودَ يوماً. جورج برناردشُو

النُّفوسُ الكبيرةُ وحدَها تعرفُ كيف تسامحُ. جواهر لال نهرو

لا يُغيظُني الوقوعُ في الخطأ، فهو شيءٌ يُمكنُ التّسامحُ فيهِ، وهو شيءٌ رائعٌ لأنّهُ يُؤدّي إلى الحقيقةِ، ما يُغيظُني هو الإصرارُ على إنكارِ الأخطاءِ! فيودور دوستويفسكي

التّسامحُ هو أكبرُ مراتبِ القوّةِ، وحبُّ الانتقامِ هو أوّلُ مظاهرِ الضَّعفِ. نجيب محفوظ

الضّعيفُ لا يُمكنُ أن يُسامحَ، فالتَّسامحُ من صفاتِ الأقوياءِ. المهاتما غاندي

كنْ شديدَ التّسامحِ مع مَن خالفَك الرّأيَ، فإنْ لم يكُنْ رأيُه كلَّ الصّوابِ، فلا تكُن أنتَ كلَّ الخَطأ بتشبُّثِكَ برأيِكَ.. فولتير


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى