الأحد ٩ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٢

قراءة أدبية لديوان «عودة جفرا» للشاعر مفلح طبعوني

فيصل طه

قراءة أدبية "عودة جفرا" للشاعر مفلح طبعوني... جفرا حاضرة، لا تعرف الغياب، وعودتها حتمية.

جفرا حاضرة في ذهن وخيال وواقع الشاعر مفلح طبعوني، كما هي حاضرة في بواطن وآفاق شعبه، وما عودة جفرة الا حضورها العميق المتكرر في كينونة حضوره، عودة جفرا كجفرى، لا تعرف الغياب الدائم، ولا المؤقت.

عودة جفرا، هي حركة دائرية دوُوبة، حاضرة بكليتها، تشع حضورا ابديا، هي كالشمس لا تعرف الخمود والسكينة، غيابها حاضر موجع ساخن ساخر، وحضورها فَرَح رابض على طرقات العودة، عودة جفرا الى جفرا، عودة جفرا الى ذاتها. يصر الشاعر مفلح رغم الآلام على عودة جفرا الحتمية "جفرا عادت تحمل اوجاع الحب"، انها عودة موجعة، دامعة، حالمة "جفرا تحلم بالغيم"، جفرا تحمل اعباءها، أعباءنا همومنا، تحملنا نحملها، تحمل عمرانها، تحمل حيفا "نحو نخيل الاغوار" و" تحمل يافا نحو الاعماق" وتحمل عكا التي " ما زالت فوق الاسوار تتصارع مع حيتان الظلمات" ساخرة باسمة، باكية "تذرف مع أحزان الفل دمعا" ساخنا آملا بالفرح، جفرا ترافقنا، تلاحقنا نلاحقها، تأخذنا "من جبل المصلوب الى باب العمود" الى "وادي القرن حتى جبل النار" و"اريحا صارت كالصبار"، ويضيف الشاعر "أنزف مع جفرا في أرض المل"،ويعود شاعرنا مُثقلا، مُتعبا، يحمل صليبه صابرا، ليطوف وطنه "حيفا فوق البحر جفون، تحت الكرمل دمع وشموخ"، "نركب درب المصلوب من جبل القفزة حتى الطور"، " جفرا تفتح صدر النّوار كي تدخل حيفا مع يافا لبلاد الجود"، "نحو البحر لنمشي مع يافا ، فوق الصبر" وبهذا العذاب العذب، وبهذا العشق الثقيل الصابر يأخذنا الشاعر طبعوني واياه لنسير دروبه المؤلمة الآملة، لنعيش جفرا حالا وحلما، تاريخا وتراثا، نحيا شموليتها بكل الأبعاد المتداخلة في الوجدان، والتي بداياتها تنحصر في حدود الواقع المحدد، ثم تتسع لتخترق حدود الخيال، تنصهر لتتجدد، تتصلب لحفظ تفاصيلها في الذاكرة الجمعية، تتجلى لرسم الوصل الطبيعي لتضاريسها، ولنزع الفصل القهري، ولكسرالحواجز الطارئة، والى شق الدروب الى "زمن العودة نحو النصر"، و"ليركب ريح المصلوب"، "ليعانق جفرا مع ايقاعات القطفِ"، "وليرقص مع جفرا بين الغيم"، ليندمج في حراك جدلي يحبو نحو الحياة الآمنة الى البقاء الحق.

مفلح يُصرِّح ويجزم معرفته لجفرا، ويبدع ابداعا لافتا في ذكر سعة بيادر معرفته بقسمات وسمات جفرا، بملامحها الطبيعية الأصيلة والأصلية"، "نعرفها كتقاسيم الخد"، "أعرف جفرا تسكن فوق تلال الوجد"، و" يعرفها من حبوب القمح، من الأعشاب، حبات التين، الزيتون، الصبار، نخيل الاغوار، اللوز، زيت الزهر، الورد، الأزهار البرية، الحبق، الفل، الغابات، من عمق الصحراء، البحر، الجبل، الصخر، الصوان، الرمل، الطين، الانهار، الوديان سرب حمام، ريش حمام، الاعشاش، النبع، العاصفة، النجمات، الشمس، من العشق، الشهد، الأمل. قلق المعرفة، يودُّ الشاعر مفلح دوما ان يتمسك ببواعث معرفته بجفرا خوفا عليها من الافلات عن زمانها ومكانها، عن عطرها الابدي الحقيقي، رهبة من الغياب الحقيقي، من الزوال، لئلّا تصبح نسيا منسيا لدى الاجيال الآتية، الاجيال الآملة. الشاعر الفلسطيني مفلح طبعوني يعتز بمعرفته بجفرا، ويخاطب الشاعر الفلسطيني عز الدين مناصرة، ويردد معه مجازا ضرورة هذه المعرفة الحياتية "من لم يعرف جفرا فليسبح فوق الرمل، تحت الرمل، وليبك من شهق الرعب، من لا يعرف جفرا، لا يعرف عطر الورد، فليسكن القاع، من لم يعشق جفرا فليبق في ظل القهر، بينما الشاعر مناصرة يصر بقسوة على اقصاء مَن لا يعرف جفرا، ولا خيار أمامه بالاختيار، إمَّا معرفة جفرا أو الموت الموت بالشنق، والخنق، والسم، وبالغير

"مَنْ لم يعرفْ جفرا فليدفن رأْسَهْ
من لم يعشق جفرا فليشنق نَفْسَهْ
فليشرب كأس السُمِّ العاري يذوي، يهوي ويموتْ"

مفلح يريد من مَن لا يعرف جفرا ان يتحرك فوقَ الرمل او تحتَه، أن يتعذب في حياته، بينما مناصره، يريده ان يدفن رأسه تعبيرا عن دفن وجدانه ووعيه وحتى حياته، الشاعر مفلح انتقى الكلمات التي تتلاءم ورؤيته الفلسفية التفاؤلية المتجذرة في نهج فكره الانساني التقدمي، والتي ترافق وتلتصق بكل قصائده في الديوان، الشاعر طبعوني يظهر أكثر رأفة وأقل قسوة واقصاء، هو يحاول أن يُصَّعِّب امكانات الحياة على الجاهل، ويُتيحَ له هامشا لأن يبكي، أن يجزع ، أن يُقهر، أن يتألم، علَّه يوما يعرفُ، يعشق، يعشق جفرا، ويُتيحُ لوعينا مساحةَ الفعل، والتأثير والتوجيه والإرشاد، وهنا تتجلى لدى الشاعر مفلح الحكمة، المرونة الانسانية اليقظة، والمسؤولية الوطنية لممارسة التوعية للتأثير الايجابي ، ولزرع البصيص من الأمل، والى فتح آفاق الحرية بالاختيار، فالعشق خيار، وعلينا ان لا نحكم ونتحكم، وألّا نجلد، ولا نظلم، وألّا نكون ممن "يمتهنون الجنازات". رغم تاريخ جفرا النازف دمعا ودما، والممتد عبر اللجوء والبقاء، من تل الزعتر الى ارض المل، يوم الأرض "عينا جفرا مطر عاصفة تابوت". الشاعر مفلح يحرض على النهوض، وعلى الغناء والصداح عاليا،"انهض من عمق الموت لأُغنّي"، يقهر الموت وينتشي تفاؤلا ثوريا، نافضا سذاجة المارقين الى هوامش الطريق، وينطلق حرا من جديد، لينحازَ الى طبقة المسحوقين، صانعي الأمل، "نعرف جفرا من خبز الفقراء، من عرق العمال"،"جفرا لم تترك ميناء الفقراء". جفرا في ديوان "عودة جفرا" ليست سلبية، بل ناشطة فعّالة ، لا تتعدى على أحد، هي "حب ينمو بين النهر وبين البحر"، تعتلي "القمم النارية"، تعشق وتحب، تقاتل، تبكي، تضحك، "تسكن المدن المنفية"،تسكن قلبَ الليمون، تتجول وتعود.

مفلح في جُلِّ قصائده يواجه بحدة عبثَ الدنيا، هيمنةَ الانتماءات الفاسدة،عتمةَ النفعية المستدامة، ضجيجَ الخطباء، الرقصَ فوق ارتجاج المنصات، وركامات نفايات العقائد المُبهمة، اّبارالغدر. ترعبه موهبةُ الصمت، وبؤسُ الحال، يصدمه هولُ الحال، وطن أنكر بقاياه، نفى ايتامه وعانق أعداءه، وبغصّة حزينة يتساءلُ شاعرنا، هل أنت وطن التشبث بالمال؟ هل أنت وطن الصادقين بالقيل والقال؟، ثم يصرخ مدويا، مستنكرا، أتفاوضون على ما تبقى من خيام الوطن ؟ اني أخجل من ثرثراتنا العارية.

يلامسُ مفلح ثنايا الحنين الانساني العذب الصادق الباقي فينا وفيه، الحنين للأحبة الراحلين، الباقين، وكأننا نقارب الموت، لا نقتحمه، بل نؤخذ اليه لنجاورالأحبة، نعود للارتباط بأرحام الأمهات، حيث البدءُ، نسكن اليهن ابدا، رحمة بنا وبمن سبقنا، نستعد لطقوس اللقاء الحميمي الجميل بالأم، نلامسُ الحزنَ بوقار اللقاء وننشد التراتيل ، ونُعِدُّ "كفنا يليق بلقائها، بعيدا عن هذا الموت، فهذ الموت مَعيب". يستمر الشاعر مفلح طبعوني بنسج لوحةٍ مَهيبة لمناديل امه المطرزة برموش العين، يتساقط منها الندى لتبقى على خدود حبيبته موجات النعاس الناعمة لتمدَّ سريرها المريح بحرارة العنب، تمهيدا لانفصال الحبق عن حاله، والتحام الحبق بالحبق، وانبثاق جفرا من جفرا. جفرا تبتسم لمفلح، يحبو نحوها "يُعانقُ انحناءات ضفائرها " ليتقاسمَ طفولتَه و"طراحة ستّي" الممدودة جسرا بين سواحل الوطن، والتي ما زالت معلقة، في زاويتها المسكونة بالسر بعيدة عن الموت المَعيب ...وتبقى حيث اتكأت على حافة النبض تحرس رمشها حتى العودة. ليس وحدها تحرس عين العذراء من القناصة، أنا وانت نتقاسم رشفة التودد، نتقاسم رصيف الضباب نبدده، ونتصدى، ولن نكون بعد اليوم وحيديْن، لن نكون، سنبقى كما صرخ زياد "ننشد الأشعار، نحرس ظل التين والزيتون"، وسنبقى حتى عودة جفرا، سنبقى بعدها أيضا.

ابدعَ الشاعر مفلح طبعوني في ديوانه الشعري النابض " عودة جفرا، الكلمة الصادقة من صِدقه جُرأة الكلمة من جُرأته، جَدَلَ جديته بسخريته اللاذعة، ورصَّعها بحدته المثيرة والمُسَكِّنة في ّان واحد، باندفاعه الهادر الودود ونقده اللاسع الحاضن، لا يُهادن ولا يُهين" يَقِظ، مُلتهب، قَلِق مسؤول، شِعره ممتع، غنيُّ الدلالات، عميقُ المعاني، يأخذك برغبة وسلاسة الى عوالمه الخيالية والواقعية، الى العمق والبساطة، وَيَدَعُكَ تتأمل، تجتهد وتفكر واحيانا يَدعُكَ على راحتك بردا وسلاما سهولا، هذه هي جفرا، يختلط فيها التبسيطُ بالتركيب، والفرحُ بالحزن، والفناءُ بالوجود، الرحيلُ بالعودة والأملُ بالأمل والعودةُ بالعودة ، عودةُ جفرا.

فيصل طه

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى