الأربعاء ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٢
بقلم محمد عبد الحليم غنيم

مختارات من الإبداع القصصى «المجموعة الجديدة»

سميحة (قصة جديدة)

أنسل من الغرفة المعتمة في الطابق التاسع، أسير في رفق عبر الطرقة الطويلة على أطراف أصابعي، وعيني على باب غرفة حسنين، ألمح الباب مغلقًا، أحمد الله وأتنفس الصعداء (لحسنين أذن رهيفة السمع، يسمع بها دبة النملة) تهدأ خطواتي، وتتزن أقدامي فوق الأرض. تتجسد على الفور صورة سميحة واضحة أمامي، أضغط على زر المصعد، ثوان معدودة ويفتح، فإذا بي أجد حسنين أمامي، أرتبك، وأخشى أن يلمح ارتباكي، فأباغته بسؤالي:

 "نازل؟
يومىء برأسه، يختلط ارتباكي بشك وحيرة، نازل أم طالع؟ وأكاد أسمع صوت سميحة"احذر حسنين"،

يسألني:
 إلى أين؟

أجيب على الفور:

 الجمعية الإستهلاكية، خضار.
يصمت وعلى شفتيه ابتسامة غامضة تشي بالاتهام وعدم الاقتناع.

نخرج سويًا من باب المصعد، يتزاحم كتفانا وكأننا نتسابق على الخروج، نسير متجاورين عدة خطوات، نفترق مع نهاية الممر، اتجه نحو شارع قابوس، أتركه دون كلمة وداع، خطوات قليلة وألتفت إلى الوراء، أراه يتجه نحو المبنى المقابل، حيث الفرن في الطابق الأول، وسميحة في الطابق الثالث، أتطلع إلى أعلى، أجدها تنظر من النافذة مبتسمة وكأنها تسخر منا، أهم بأن ألوح بيدي، فأتراجع على الفور، أواصل طريقي وأجد نفسي داخل مبني الجمعية الاستهلاكية، تكاد تخلو من الزبائن، أشعر ببرودة الجو في الداخل، بفعل جودة أجهزة التكييف وقلة الزبائن،أملأ في شرود عدة أكياس من الفاكهة والخضار، أضعها في العربة، أجرها وأتجه إلى المحاسب، أدفع وأستلم الفاتورة وأخرج، أعود إلى الغرفة الخالية، اكتشف أنني نسيت بعضا من أكياس الخضار والفاكهة، أنزل مسرعًا، ولا يخطر في بالي أبدًا أن ألتقي حسنين من جديد، يا ألله ! حسنين فى الطرقة يسير نحو المصعد، أحاول أن أتجاهله، لكنه يباغتني بالسؤال:

 إلى أين هذه المرة؟
 الجمعية.
 من ثان.
 نسيت الأكياس.

يبتسم في خبث ويقول متهكمًا ولكن فى شرود ظاهر:
 اللي واخد عقلك.

لا أبتسم وأقول، لا أعرف كيف خرجت الكلمة قوية وحادة:

سميحة.

يقف مندهشًا، لا ينبس بكلمة، يفتح باب المصعد، أدخل، فلا أدعوه إلى الدخول، وأنزل بالمصعد دون أن آبه له.
(تمت)

(2) فى شارع قريب من المحكمة

أسكن فى شارع قريب من المحكمة، و لأن عملى بجوار المحكمة، لابد لى من المرور كل يوم من أمام باب المحكمة حتى أصل إلى مكان عملى البائس فى بدروم حقير بجوار شونة الغلال. فى كل مرة أرى الشاحنة الزرقاء الكبيرة (فى بعض الأحيان أكثر من شاحنة) يقف على باب سلمها الخلفى جندى يبدو مرهقاً وشاحب الوجه دائماً، تستند إلى كتفه بندقية سمراء نحيفة مثل عود حطب جاف غطاه غبار أسود. أنظر إلى الجندى وأنظر إلى الشاحنة وأفكر لو أن هذه الشاحنة انفجرت فجأة، من الذى سيموت أولاً؟ أنا أم الجندى؟ لا أحب أن يموت الجندى، وأخشى أن أموت أنا أيضاً ويقال عنى: لقد مات إثر انفجار شاحنة أمام باب المحكمة.

(3) مقعد مريح فى شرفة تطل على شارع مغلق

فى جلسته المريحة فى هذا المقعد الجديد الذى أتت به زوجته من دولة الإمارات فى الإجازة الأخيرة، لا يتذكر هل كانت إجازة نصف العام أم نهاية العام، ليس هناك فرق، فى هذه الجلسة المريحة وعبر الشرفة التى تطل على شارع مغلق، تذكر وتذكر وكل ما يتذكره يبدو له ناقصاً أو مشوشاً مثل كتبه ومشاريعه التى لم تكتمل أبداً، تذكر رجلاً مريضاً وشابة صغيرة، تلميذة، فى المرحلة الثانوية، تجلس أمامه يلقنها معلومات عن الفعل والفاعل وناب الفاعل والمفعول به والمفعول معه والمفعول لأجله، وامرأة شابة أيضاً لا يذكر منها سوى كفها الضخمة وفمها الشهوانى الوسيع، هل هناك علاقة بين الكف الضخمة والفم الشهوانى الكبير؟ ورجل مريض يجلس فى مقعد مثل المقعد الذى يجلس عليه الآن، وفتى ضخم أسمر الوجه لا يشبه أبداً ذلك الرجل المريض ولا يشبه تلك المرأة الشابة أيضاً. الفتى ينظر إليه شذراً. آه يا للذاكرة اللعينة، هناك طفل أيضاً، من ثلاث إلى أربع سنوات، ها هو اسمه يقفز أمام عينى، اسمه، اسمه محمود. يتذكر الآن أن هذه الأسماء كانت مشروع رواية لم تكتمل، كتب منها عدة فصول وتوقف، شعر للحظة أنه يكتب سيرته الذاتية وأن ثمة أحداثا ستكون محرجة وسوف تسبب له مشكلات مع زوجته والمجتمع، أى مجتمع، إنه لا يخشى أحدا ولا يعمل حسابا لأحد، هذا ما يقوله فى العلن، لكنه فى الحقيقة يخشى المجتمع، يخشى نظرة المجتمع له، تؤلمه نظرات الناس إليه. هل يتذكر الآن ما حدث له مع جارته الصغيرة عندما رأته أمها وهو يقبلها فى فناء البيت، وكيف أنه لم يعد يدخل بيتها ولا يستطيع أن يصوب نظره نحوها، تزوجت الفتاة وبقيت تلك الذكرى مثل غيمة خفيفة. لديه مشكلة مع الماضى، يحاول أن يمسك به، يحاول أن يجمع تفاصيله فى يده ويعيد تركيبه من جديد، يحاول أن يجعله يمشى أمامه أو يروضه ويركب صهوته، وفى كل مرة يفشل، مثلما يفشل الآن فى الإمساك بخيوط الأحداث، لكى ينسج منها قصة ذات مغزى وإيقاع وبهجة تشرح القلب، وتعيد بسمة إلى وجه شاحب يشعر بالقرف من كل ما يحيط به من بؤس وعبث. وهذا المقعد المريح، هل طلبه من زوجته أم أتت به من نفسها،لا يتذكر يا للذاكرة الخئون! أين هى الآن؟ هل انتهت إعارتها، وعادت إلى عملها فى مصر، فى هذه المدرسة الملاصقة للمنزل، منزله الذى اشتراه من بائع الخردوات ودفع فيه مبلغاً خيالياً، لماذا يدفع مثل هذا المبلغ الكبير فى هذا المنزل الحقير؟ أبسبب تلك المرأة الجميلة، زوجة بائع الخردوات التى سلبت لبه؟ وها هو جالس فى المقعد المريح فى هذا المنزل الحقير الذى يطل على شارع مغلق لا تدخله الشمس، وها هو يشعر بالبرد وعليه أن يعود إلى داخل المنزل قبل أن تنادى عليه زوجته وتوبخه على جلسته فى تلك الشرفة حتى هذا الوقت المتأخر من الليل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى