الأحد ٩ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٢

موسى حوامدة في اسطنبول

بدعوة من منتدى حرمون الثقافي في اسطنبول، أحيا الشاعر موسى حوامدة أمسية شعرية مساء الثلاثاء الماضي، في قاعة المركز في منطقة الفاتح حضرها عدد من المهتمين والعرب المقيمين في تركيا، قدمته خلالها وأدارت الحوار الإعلامية التركية السورية أسماء صائب أفندي والتي قالت في تقديمها: الشاعر الجدلي، الشاعر المشاكس، أو الصوت الثائر في الأدب والحب، وبعبارة أكثر وضوحًا الشاعر الحر، الذي عشق الحرية وكتب عن الحب والمكان والوجود، كلمات وجدتها مناسبة لتقديم الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة.
وأضافت أفندي: غالبًا ما يؤثر فيمن حوله، وقليلًا ما يتأثر بغيره، له العديد من دواوين الشعر المطبوعة، منها شغب، تزدادين سماء وبساتين، شجري أعلى، سلالتي الريح وغيرهه، في قصيدته "سأمضي الى العدم" وقف بطريقته الخاصة على الماضي والمكان والأفكار ورؤيته للوجود وهو المترع بمشاهداته وذكرياته المرتبطة بالأرض والتاريخ، فهو ابن وطن احتلته اسرائيل، وقد أثر ذلك في تشكيل ثوريته وفلسفته، ورؤيته للوجود، كشاعر يرفض التقليد في الشكل والمضمون، وفي تكوين مخيلته الشعرية وصقلها، ففي قصيدته "غريبة عني حلب"، نرى حضور التاريح والجغرافيا والأماكن وفسلفة الوجود لكن عين الشاعر ترى كل ذلك بصورة أخرى.
بعد ذلك قرأ الشاعر موسى حوامدة عدة قصائد من بينها، حكمتي القديمة، غريبة عني حلب، بومة على شرفة القصيدة، سوريا كانت حلم الإله الأول، قاطع طريق، وسأمضي إلى العدم.

بعد ذلك جرى حوار موسع طرحت فيه المقدمة وعدد من الحضور العديد من الأسئلة حول اللغة والهوية، قال فيه حوامدة: أن دخول الاحتلال الإسرائيلي على بلدته وبدء سماعه لغة غريبة عن اللغة العربية، ومحاولة اسرائيل تغيير أسماء المدن والاماكن العربية جعلته يتسمك بلغته الام أكثر، وهي اللغة التي يعتز بها والتي امتدحها إدوار سعيد الذي كان يكتب باللغة الانجليزية، وتحدث عن قدرتها وبلاغتها ومرونتها..

وحول قدرة اللغة العربية على البقاء والاستمرار قال حوامدة: إن اللغة العربية لغة حياة، ليس لأن القرآن الكريم نزل بها، فقد كان من الممكن أن تتحول اللغة إلى لغة عبادة كما تحولت بعض اللغات التي كتبت بها الاناجيل، لكن اللغة العربية لغة قوية ورافضة للفناء والانقراض.

وقد ضرب مثالين على ذلك، فقد ظل الحكم العثماني على بلادنا أكثر من خمسة قرون، ومع ذلك لم تتأثر اللغة العربية، وظلت لغة يومية متداولة، بينما أثرت على اللغة التركية ودخلت فيها ما يزيد على ستة الاف كلمة عربية، كما أثرت على لغات أخرى مثل االفارسية والإسبانية، وغيرهما.

أما قوة اللغة العربية في النموذج الثاني فتتمثل ببقائها لدى فلسطيني ال48 والذين ظلوا متمسكين بلغته القومية، رغم أن الاحتلال الإسرائيلي سعى ويسعى إلى تدريس وتعليم اللغة العبرية وفرضها على العرب هناك.

وقال: اللغة هي وطن، فحيث تصل لغتي، ترتسم حدود وطني، واستغرب أن العديد من المثقفين العرب، والنخب العربية يرفضون سايكس بيكو لكنهم متمسكون بالحدود التي رسمها، وهناك سعي لتكريس هويات فرعية اعتبرها هويات زائفة لا تشكل بديلا عن الهوية الام.

وفال أنه ابن سوريا الطبيعية، وذكر د. جمال حمدان وحديثه عن عبقرية الجغرافيا، وأن بلاد الشام وحدة جغرافية واجدة، تشكل مكونًا من مكونات العالم العربي.

ورغم اعتراض البعض على حداثة القصيدة العربية ومطالبته بالشعر التقليدي والحماسي قال موسى حوامدة: إنه لا يطالب بقطع الصلة مع التراث بل المواصلة معه شريطة ألا نظل أسرى الماضي، والحداثة الشعرية أمر ضروري لتستمر اللغة في التطور، وما دام هناك شعر يكتب في أي لغة فهي لن تموت.

وقال أنه لم يعد مقتنعا بالشعر الحماسي المباشر، وان الشرط الجمالي ضروري في الكتابة الشعرية، وفي قصيدة النثر، التي وإن تخلت عن الوزن والعروض الخليلي لكنها بحاجة إلى ابتكار أدوات جديدة وطرق تعبير مختلفة.

التسجيل الكامل للندوة https://www.facebook.com/Harmoon.Cultrual.Forum/videos/2022008514671983

وفيما يلي القصائد التي قرأها في الأمسية

حكمتي القديمة

لي حكمةٌ ناقصة
تنام في جيبي
تغيبُ طويلًا دون أن تشعرني بوجودها
أحيانًا …
تحك بإظفرها جلدي
ترفع رأسها كلما هُزمتُ من جديد..
أردُّ لها التحية
أضغط فوقها بشدة
نامي مجددًا ..نامي يا حكمتي
ما زلت أحب أخطائي
اتفيأ تحت ظلالها
وأمضي بها إلى طرق أخرى..

لي حكمةٌ كاملة
صُغتها من ركاكة الحٍكم
ومن جرأة الموج على الوثوب
ونادرًا ما أفتح عليها صنبور المياه
أو أظهرها لعين الشمس
لا أريد تنظيفها من صدأ الخسارات
وضحالة البشر.
كم مرة أجلتُ فتح دفتري القديم
وكم مرة تغاضيت عن فتح دفتري الجديد
لا أحبًّ تَقليبَ العَناء
كمن يعيد النظر في تجاربه الفاشلة
لا أحب رؤية نفسي عاريًا منها
ولا أحب التعلم على كبر.

كانت لي حكمةٌ مبتورة
وطيبة شاسعة
وأحلام تسحق الظنون
وبذور قصائد كثيرة على شقتي
وما أن لوحت لها بيدي مناديًا:…
آه يا حكمتي القديمة…
حتى حنت رأسها
وأجهشت في بكاء طويل.
اسطنبول 28-9-2022

غريبة عني حلب

غريبة عني حلب
جئتها عاشقا
فما عرفتها ولا عرفتني
ولا مسَّدت شعرَ الغريب
ولا أدخلتني قلعتها الحصينة,
وحين عدتُ للشام
عاتبني سيف الدولة
قلت: لا أتقن حرفة المتنبي!
قال : من يعلو على صوت أبي الطيب
من يمسح من كتاب الشعر ريشتَه؟؟
قلت : ومن يرفع كُمَّه عن مائدة كافور؟
...
بعيدة عني حلب
واللاذقيةُ لم تعرفني
قلت: يفعلُ البحرُ أكثرَ في ساحله
وحين عدتُ إلى حمص
كانت بانياس تلوح في البعيد
بينا شاطئها يأسى
ويأخذ على الموج بعضَ التفاعيل ؟؟
..
بعيدة عني حلب
الفرات على مرمى قصيدة
مرّ النسيم على أرض الجزيرة
مرّ النسيم
لكنه لم يفعل في جسدي بعضَ التفاعيل!
///
غريبة عني حلب
فستانها لم يعد صالحا للسهرة
وعملتي قديمة لا تقبلها الحانات
شئتُ أشتري عكازا
فاعتذر لي التاجر الحلبي:
خبأتُه ليد الساحل السوري
قال : لدي بعض الزبيب وصابون الغار
قلت : اشتريته من كَسَبْ
ولم يفعل في جسدي بعضَ التفاعيل!
///
بعيدة عني حلب
دخلتُ حمَّامَها العثمانيَّ
تنشقتُ رائحةَ سائحةٍ ألمانية
لم ينعشني بخارُها
لم يبلِّل روحي مَرْمرُها
وأوهت روحي بعض التفاعيل!
///
يممتُ أرضَ العراق
أنكرتني الكوفة
لم تقبلْ صلاتي كربلاء
واصلت جنونَ القرمطي …
وحين وصلتُ شطَّ العرب
لم يعرفني الفراهيدي
قلت :ربما ضيَّعَ الشيخُ صنعته في أسواق البصرة
أو تاه في بحر الخَبَب
لكنه خلّى تمثال السيَّاب
شاهداً على بعض التفاعيل!
///
قريبة مني
حلب
فمن يعيدني
إلى الرملة
أتبع آثارَ خطوي
إلى النيل
من يبيعني حمامةَ أبي فراس
ويمنح رحلتي بعض التفاصيل ؟

عمان 6/2000

بومةٌ على شُرفةِ القَصيدة

سَيَنْقَضي الوقتُ الذي تَقضيه البومةُ على شرفةِ القصيدة
ويطارِدُني الهُدهدُ كي يُفرٍحَ الوشاة عند "مسامرة الموتى"
لديَّ رغبةٌ في التكثيف
والاستعارة
لديَّ رغبةٌ في نَقْلِ صُندوقِ الكِنايةِ إلى مَخزنِ الغياب
لديَّ شهوةٌ لاستعارةِ بعضِ السَّنوات من عمري السابق
وزجّها في طحالبِ النَّهارِ الآتي..
لديَّ حنينٌ لحياةٍ لائقةٍ
ونساءٍ لا يُشبهنَ النساء
وكائناتٍ ليستْ كالتي أعرف
أما الأشجارُ فتعجبني كما هي
والطبيعةُ مُكتملةٌ
ربَّما تنقصُها بعضُ العبقرية
لكنَّها تكفي لأبتعدَ عن جنون البحثِ عن حياةٍ وبشرٍ في مجراتٍ نائيةٍ.

أحثُّ الكلماتِ على النَّوْح
والنائحاتِ على القُرْب
والغانياتِ على الجَوى،

أحثُّ المدينةَ على النسيان
والطائرَ على التَّذكّر
والشجرَ على الزهو
والنارَ على السواد.

يشرقُ المساءُ
ويصبحُ الخريفُ أرعنَ
مثلَ كمانٍ مأجورٍ
وضائعٍ
انا كمانٌ مهجورٌ وضائع
وعازفي جبانٌ يَخْتفي خلْفَ تلِّ الألم الذي يوجع صدري
يوجعُ صَدري ولا يقول.

بعيدةٌ تلكَ الليالي الآفِلة
بعيدةٌ أكثرَ من نَفَسٍ يُفارقُ قاتِلَه
وحلم طار عن وسادتَه
وامرأةٍ كانت تزفُّ الحكاياتِ للوَسَنِ العجيب.

يا نَديمي الوَحيد
يا نَدمي الأوحد
دُلّني عَلى مُطلَقِ النعمة
وخصرِالمَجرّة
كي أضربه بكاحِلِ "أخيل" المغدور
وأجرُّ "هيكتور" المتوحشَ من أذنيه.

يا نَديمي الأوحد
يا نَدمي الجديد
سينقضي الوقتُ الذي تَقضيه البومَةُ فوقَ شُرفةِ النَّهار
وَيَتبَعُني الهُدهدُ كي يُفشي سرّي للطُغاة
يا نَدَمي العَنيد
يا نَديمي العَليل
ابتعدْ عني
لأواصلَ رحلتي إلى "إيثاكا" البعيدة.

30-1-2020

وأَرَاهُ وافرًا عمّا سواه

كنتِ لي الماءَ والهواءَ
البردَ والدفءَ والمَسرَّةَ
اليومَ والليلَ والأحلامَ وما بينها
الوجودَ وعضةَ العمر النبيلة
الطعنةَ القاتلةَ والسريرَ المهتريء
حبَّة الدَّواء ومشطَ العافية
ثم كنتِ لي المحوَ والصَّحوَ
الحضورَ والتَّلاشي
الفاصلةَ والنُقطةَ
أولَ السَّطر
آخرَ السَّطرِ الذي لا ينتهي
............................
لا
ينتهي..

سيتآكلُ الماضي
كما تتآكلُ السَّنواتُ والعافية
وتتآكلُ الحواسُ المغدورة
في شَطْحة الفَيلَسُوف
وتَتَلاشى ساعاتُ المَرح
يَخفقُ جَبَلٌ بعيدٌ وتضطربُ هَوامشُ مُزخرفةٌ
تتألَّمُ وُعولٌ لا تُثرثرُ عن وَجعِ قرونها
وَتَتعافى غيُومٌ لا تُؤلمها أَنَّاتُ الرَّعدِ.

تباعدتِ كثيرًا حتى صرتِ سرابأ
وكنتِ ماءَ الحكمةِ الجاري
تباعدتِ حتى صارَ الكلامُ صدى
والأغاني مراثيَ
والملامحُ غبارا
والديارُ طلولا.

في دَوَرَانِ الموتى،
في احتفالاتِ البُكاءِ بأشدِّ الألم،
في خِياناتِ النَّفسِ للنَّفسِ،
وَجَلدِ الذاتِ للذاتِ،
في تَراتيلِها عن خَيباتِها؛
تتولَّدُ اللُّغةُ من دَمٍ حرٍ وأَصَابعَ خَرْسَاء،
وفَمي لغةٌ خرساء تَتقاطعُ مثلَ وجهِكِ البَّعيد،
وقربكِ الأكثرَ من وَرَمٍ
في لسانِ الكلمات.

لمنْ هذه الأجراسُ إن كانتْ لي حِكمتُها
لمنْ هيَ الكلماتُ إن رَفَّتْ لِحاظُهَا فوقَ جَفنيَّ
وتأوّهَ الوحيدُ بمفردِه
والغريبُ نَأى بكلِّهِ المُدنَّس
والمتأنقُ تجلَّى بشهوةِ الغَدْرِ.

سيكونُ عندي ما لا يَكون
وتجفًّ العَناقيد
وحبَّاتُ المَعنى الطازَجة
تلوحُ في بالِ الصَّبايا
تلوكُ نعالُ المعجزة.

أحدِّقُ في نَقْصي
وأراهُ جَديرًا بالتَّمامِ
أحدّقُ في تَمامي
وأراهُ وافرًا عمَّا سِواه
أحدِّقُ في ذاتِكِ المُتَشظِّيةِ
وأراكِ أكثرَ منّي قُبورًا وطَلاسمَ
أكثرَ مني موتًا وذكرياتٍ ذابلةً.

ومن ليديَّ سوى أصابعك لتعبر عن سر المعاني
من ليديَّ سواكِ لأحشُرَ البحرَ في ثُقبِ إبرتِكِ
وأقَسِّمَ النتائجَ لغيرِ الوَرثةِ
ومنْ للموتِ غيرُكِ يُشهِدُهُ عليَّ
ويُشْهِدُني عَليه
ليموتَ وأحيا في موتِك الحيّ.

أُحدِّقُ في المُوسيقي والعازفين
وأنتِ تَرينَ سُقوطهَم واحدًا واحدًا
لا يُربِكُكِ الحَنينُ
ولا تحرقُ أصابِعَكِ شَهوةُ الحياةِ التي لم تَنْطفَئْ في وَهَجِ الكمَان الأخير.

منْ لفَمي إنْ لم تَمْنَحيني قُبلةَ الموتِ الأخيرة
ومن ليديَّ
لتزرعا بستاني بميْتٍ جَديد
إن لم تُعزّيني الكلماتُ وتَتَأبطُ ذراعي الفاجِعةُ؟

يا لحِصَتي في الجُلجة وأعيادِ الشَّعانين
يا لحِصَتي في دمِ المَسيحِ النازفِ
وخَشبِ صَليبِه الطّريّ
يا لحِصَتي في لمَعَانِ البُراقِ السَّماويّ
وهوَ يُطوِّفُ سمَاواتِ القَصيدةِ
ناثرًا دَمَه بينَ الأنْبياءِ
وطعامَه عَلى جَوْعى الدياناتِ
يا لحِصَتي فيكِ
وأنتِ تَشردينَ في الضَّباب الهاربِ من قَبضةِ النُّفور.

يَستريحُ القيثارُ والزمَّار يُغني...

حِصَّتي في الندم
حصةُ الغريبِ في الوليمة
وحصةُ الضيفِ في الجَّنازة
والمقرئِ في الكلام
والمغني في التهاليل.

يا ربيعيةَ الضَّحكات
خريفيةَ الجنونِ والخيال
أيتها العاشقةُ المُتقلِّبةُ الدَّمِ والهواء
حُلمُكِ سَحابٌ يَقطعُ رأسَ البخار
على ساحلِ الغُربة
وبيتُكِ ضيِّقٌ لا فَراغَ فيهِ ولا رَذاذ
فَتَثبَّتي من حَلقةِ الباب
واحكمي غَلْقَ البَحرِ عَلى جَسَدي
وبالمزلاجِ المُعدِّ للغرباء
اغلقي رتاجَ عمُري بيديك
ولا تَتَعمدي تَشويه الخاتمة.
10-2-2020 القاهرة

سوريا كانت حلم الإله الأول

طيرانٌ فوق صفحة السماء
وهبوطُ فاجعةٍ من خلف التلكؤ
يسري في دم الهواء
يرشًّ الكون باللعنات
ويَقدحُ ذمة الكحول
والخريفية تتهجى لغة الردفين الآرامية
بعينين ناعستين على "باب الهوى"*
من قطعةٍ أرض سماوية انزلقت على الأرض
سوريا كانت حلم الإله الأول
ليولد فيها آدميون يشبهون الفكرة الطازجة
مرت الخارطة من بين يدي الحاجب
ولم ينقل بقية الفسيفساء
وكان الرب مشغولا بممالك سرية
وهو يمضى دردشات كثيرة مع أولياء لم يصلوا إلى مرتبة النبوة
وغانيات مقبلات على الورع
فأعطى كلمته للحاجب دون مراجعة الشكل النهائي للأرض
بقيت سوريا وحيدة جانب الطاولة
ولم تهبط مع التميمة الأولى
ولما أفاق البناؤون
لم يجدوا الجرأة
لمراجعة الله في خلقه
فتركوا سوريا كاملة بين يديه وصنعوا العالم الناقص.

القاهرة
10-2-2020

*باب الهوى معبر الحدود بين سوريا وتركيا.

قاطع طريق..

كمنْ يقصُّ أَثَرَ غيمةٍ في السماءِ
كان يحرثُ الريحَ،
بمحراثٍ من يأس.
الطريقُ استمدتْ عزمَها من سعة البرق،
القاطع مرَّ بقريةٍ صغيرة؛
مرَّ بحفنة حصادين يغمرون الأرضَ بالحركة.
القاطعُ توقفَ يبحثُ عن سبب لإكمال المسير.
القمح نادى قاطع الطريق.
أصحابُ البيادر رَمَوا أغمارهم فوق الغيمة..
قاطع الطريق صار سنبلة.
*
تلك السيدة مشغولة بنسج شالٍ مطرز بالصمت،
لفّت خيوطها على شعر البناتِ،
تجلّى الليل بقمر وَضيءٍ،
تلعثم الحزنُ
قرب أيقونة العذراء؛
مَنْ مِنكُنَّ يا بنات وصلت للكمال؟
مَنْ مِنكُنَّ يا بنات حاكت شَرشفَ الموت بيدها؟
مَنْ مِنكُنَّ يا بنات..
كانت تلك السيدةَ المشغولة بنسج خيالٍ مطرز بالنجومْ؟
*
كثيرةٌ أشجار الكلام الجارح،
كثيرة حِكَم العجوز الطيبِ،
كثيرة تأويلات القصيدة،
والشاعرُ إذ يعبر حاجزَ الخَطابةِ
يرى روحَه مغمورةً بأشجار كثيرة،
وحطابين مذهولين
عن سماع روايات التقهقر.
*
أرغب كما يرغب الجريحُ
بضُمَّادٍ وإبرة بنجٍ؛
أرغب كما يرغب طائرٌ،
بقبضةِ ريحٍ يحملُها بين جناحيه؛
أرغبُ كما يرغب الجبلُ
بزحزحة الشمس قليلاً،
ومبادلة السماء
بوظيفة التسكع مع صديقاتِه النجمات.
*
ليس شرطاً أن تهطلَ الأمطار حين تعطش البقراتُ.
الكاتب المغروس في دفتر المذكرات
لم يجدْ علةً لخروج آدم من الجنة
مباشرةً بعد مأدبة الغداء.

فكر الكاتب المنهمك في كتابة التأريخ:
(كيف انقضت المسافة الزمنية بين الجريمة والولادة
كيف انخلع قلب اليقين،
وانزلقت الجنة، ببساطةٍ، من بين يديْ حواء
كيف كان شكل البرق والرعد هناك
كيف كانت تهطل الأمطارُ
وحامض الكبريتِ، كيف كان يتطبب به المجذومون
وتلك الأدوية المكدسة في صيدليات السماء،
من نهبها قبل أن يُحقَنَ آدم بحقنة الدوخانِ،
ويُرمى بين الصخور).

لعلَّ الكاتبَ لم يشأ أن يكمل النبش في أرض المعصية،
يُرمى بالخيانة،
يهدر دمه
أو تطلق عليه النيران!
فكَّرَ الكاتب، لحظةً،
ألقى بالقلم جانباً،
نظر للأوراق المكتوبة،
همَّ بتمزيقها،
لكنَّ صوتاً خافتاً جاءه من سماء بعيدة:
لا تَرمِ الأوراقَ؛
لن يقرأها أحد،
أكملْ مسيرتك الذاتية في تعريف السجين بحقِّهِ في طلب الإعدام.
*
قاطع الطريق لم يجد طريقاً يقطعُه،
توقَّفَ قليلاً،
تساءل: أين ذهبت خطواتي؟
أين آثار أقدامي؟
أين اختفت الطريق؟

كان قاطع الطريق نائماً،
كان الحلم لا يسير في طريق معلوم،
قاطع الطريق واصل إكمالَ طريقِه السرية
في تنظيف الغيوم من قُطَّاع السماوات.

عمان 3\11\2007

سأمضي إلى العدم

سَأمْضي إلى العَدم
بخُطى مَلك
وأمضي إلى الخَلاص
على دربِ المَسيح
وإن كنتُ لا أثقُ بالنجومِ والأدْعِياء
.....
سأمضي إلى العدم...
فلستُ نادماً على شيء
ولست طامعاً في شيء
سرابٌ كلُّ الذي مرَّ بي
من تلالٍ وسهولٍ وبحارٍ
وأناسٍ سيئين أكثرَ من عَدوٍ مُتَربِصٍ بالهزيمة.

كلُّ الأصدقاءِ الذين صادقْتُهم أصْداء
كلُّ الذين أحبَبْتُهم أسْماء
أمَّا أنا ......
فعلى خُطايَّ أسير...

لا وطنَ لي
ولا شارعَ يَعرفُني
لا شاعرَ لي
كلُّ الشعراءِ الذين أحببتُهم لصوصُ أوراقٍ وكتب
كلُّ النبلاءِ الذين تبعتُهم أوْغاد
كلُّ الصعاليك الذين أحببتُ أسماءَهم جُبناء
كلُّ الناسِ أشباهُ أشْياء
حتى النساء اللواتي أحببتُهن
......
على خطاي أسير

حتى النساء اللواتي أحببتهن ..

...لا لن أقول
فأنا خلاصُ نفسي
ونبيُّ ذاتي
لستُ اليَسوع
لكن أبي عِقالٌ طائِشٌ
وأميّ بستانُ رجاء.

وعلى ذكرِ النُبوات أُفتي:
بأني أنا الشريرُ الذي أرسلَ
الطُغاةَ إلى ديار الأنبياء
فالأنبياءُ الذين ساروا على هَدْيي ليْسوا أنْبياء
والأنبياءُ الذي جاؤوا بعدي
تَعثَّروا في الحِقدِ
غَرِقوا في أوَّلِ البَحر
وظلَّلت وحدي أسيرُ على الماء
همْ فكرةٌ هنديةٌ
واللهُ حافظُها
وأنا رمُّان الزمانِ
وعَتمة الأشياء.

كلُّ ما على الأرضِ افْتراءٌ
"صخبٌ وعنفٌ"
وعواء
مسرحٌ مفضوحٌ
هدوءٌ يسبقُ الحقولَ
وثرثرةٌ تُصغي لتَفاهةِ المعنى
تقضمُ تفَّاحَ القَصائدِ
وشجرَ الهَوامشِ
في كتبِ الظَّلام
وتفسيرِ الضلال.

والآنَ يا صاحبي وحدَكَ تَرتَّقي شيئاً غامضاً
الآنَ قُلّ لي: ما أنتَ؟
....
لا لن أقول
فأنا سرُّ نفسي..
وعلى خُطاي أسير...
.....
على خُطاي أسير.

اسطنبول 29/1/2016


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى