الخميس ١٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٠
الدكتور جابر عصفور، فكره وأخلاقه،
بقلم علي القاسمي

وموقف التنويريين من الحكم العسكري


"قد أختلف معك في الرأي ولكني على استعداد لأن أموت دفاعاً عن حريتك/ حقك في التعبير عن رأيك."

فولتير

في "قول في التسامح"

تمهيد:

في سنة 1990 كنتُ مديراً لإدارة التربية في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، وسافرتُ إلى القاهرة في مهامٍ منها الاجتماع بصديقي عالم اللغة المصري الدكتور محمود فهمي حجازي الذي كنتُ قد عهدتُ إليه الإشراف على مشروع الإيسيسكو لتأليف كتب تعليم اللغة العربية في المدارس الماليزية الابتدائية والثانوية. وكان حجازي آنذاك وكيلَ كلية الآداب للدراسات العليا، بجامعة القاهرة.

في نهاية اجتماعنا، قال لي الدكتور حجازي:

ـ تعال معي لأعرّفك على الرئيس الجديد لقسم اللغة العربية في كلّيتنا، الدكتور جابر عصفور. لا بدّ أنك قرأت له.

ـ نعم، قرأت له ويسعدني التعرف إليه.

وذهبنا إلى مكتب الدكتور جابر عصفور، والتقيتُ به، ومنذ ذلك الحين، تعدّدت لقاءاتي معه، وواظبتُ على القراءة له، وتتبع أخباره. وحصل لدي الانطباع بأنه رجل وطني، متواضع، كريم، شجاع، صادق، معتدل، دبلوماسي. واجتماع هذه الصفات الحميدة في شخص واحد، هو من باب " تكامل الأخلاق" كما يُسمّى في فلسفة الأخلاق.

وطنيته:

كنت ذات يوم من سنة 2006، بعد أن تركتُ العمل في الإيسيسكو، أشارك في الحوار الثقافي العربي الكوري في سيئول. وكان معنا الدكتور جابر عصفور، والدكتور بوسنينة المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألسكو )، والدكتور محمد صابر عرب الذي تولى حقيبة وزارة الثقافة في مصر بعد ذلك عدّة مرات، وغيرهم. وفي بداية الاجتماع، التفتَ الدكتور جابر عصفور إلى المشاركين قائلاً:

ـ أرجوكم، إخواني، أن تتكلّموا باللغة العربية فقط، فالاجتماع يتوفر على ترجمة فورية عربية ـ كورية.

وطبعاً الدكتور عصفور يجيد الإنجليزية، فقد ترجم منها عدّة كتب مرجعية في النقد الأدبي. ولكنّه أراد من ملاحظته تلك تأكيد الهُوية العربية بدافع وطني. (و" العربية" هنا صفة ثقافية للهُوية وليست عرقية).

وذات يوم، قال لي الدكتور جابر عصفور:

ـ أقترح عليك أن تترجم كتاباً في علم المصطلح، لأن المكتبة العربية تخلو منه.

أجبت:

ـ حتى في اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية، لا توجد سوى ثلاثة أو أربعة كتب فقط، وليس من بينها كتاب يستوفي جميع روافد علم المصطلح: اللسانية والمنطقية والوجودية والمعجمية والسيميائية والحاسوبية والفهرسية. بيد أني أعِدُك بتأليف كتاب متكامل خلال خمس سنوات.

وهكذا ألفتُ ونشرتُ كتابي "علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية" (1) الذي صدرت طبعته الثانية عن مكتبة لبنان ناشرون في بيروت قبل شهرين بتسع مئة صفحة تقريباً.

تواضعه وكرمه:

يتحلّى الدكتور عصفور بتواضع العالِم وبكرم المصري الأصيل.

حوالي سنة 2005 وفيما كنتُ أتأهَّب للسفر إلى القاهرة قصد المشاركة في المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية، رجاني صديقي الناقد المراكشي الأستاذ إبراهيم أولحيان أن أحملَ معي ترجمة كتاب الأديبة الفرنسية آن موريل " النقد الأدبي المعاصر: مناهج، اتجاهات، قضايا"(2) التي أنجزها بالتعاون مع زميله الأستاذ محمد الزكرواي، وأعرِضَها على المجلس الأعلى للثقافة، لعلّهم يودون نشرها في سلسلتهم الشهيرة للكتب المترجمة.

اغتنمت فرصةً بين اجتماعات مؤتمر المجمع، وذهبتُ إلى مكتب كاتبة الدكتور جابر عصفور، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، ولم أكن قد حصلت على موعد مسبق. وسألتها:
ـ هل يمكنني أن أقابل الدكتور؟

ولدهشتي، أجابت ببساطة:

ـ مرحباً، تفضل أدخل.

وازدادت دهشتي عندما وجدتُ في مكتب الدكتور عدّة أشخاص يتبادل معهم الحديث بلطف، ولعلهم من مسؤولي المجلس الأعلى للثقافة أتوه لتلقي تلعيماته في بعض القضايا. فهذان علامتان من علامات الرجل الكريم قال عنهما الشاعر العربي وهو يمدح كريماً:

هشٌّ إذا نزلَ الوفودُ بـبابهِ ...
سهلُ الحِجابِ مؤدَّبُ الخُدّامِ
وإذا رأيتَ شقيقَهُ وصديقَهُ ...
لم تدرِ أيُّهما أخــو الأرحامِ

كما حدَّد الشعراء العرب صفةَ الرجل البخيل الأولى بصعوبة مقابلته:

إذا ما أتيناهُ في حاجةٍ ...
رفعنا الـرِّقاع لهُ بالقصبْ
لهُ حاجِبٌ دونَهُ حاجبٌ ...
وحاجبُ حاجِبهِ مُحتجبْ

وبعد ترحيب الدكتور جابر عصفور بي، عرضتُ عليه الموضوع، فسألني:

ـ هل قرأت المخطوطة؟ وما رأيك في الكتاب والترجمة؟

ـ نعم اطلعتُ على الكتاب في الطائرة، وأحسب أنه مفيد وترجمته جيدة.

هنا نادى الدكتور عصفور كاتبتَه (وأظنها السيدة شهيرة العالم، ابنة الناقد المعروف الدكتور محمود أمين العالم): وقال لها وهو يسلّمها الكتاب:

ـ هذا الكتاب للنشر.

وقد نُشِر الكتاب فعلاً.

شجاعته وصدقه:

بعد حوالي خمسة أشهر من انتخاب محمد مرسي (من جماعة الإخوان المسلمين) رئيساً لجمهورية مصر، قال الدكتور جابر عصفور في مقابلة لجريدة الوطن بتاريخ 27 / 11/ 2012 ورد فيها:

"إن قرارات الرئيس مرسي هي إعلان عن دكتاتورية لا يمكن إلا أن تؤدّي إلى الحرب بين أطياف الأمة...وإيحاءات الجماعة تدلُّ على الرغبة في القمع... وإن تطبيق الشريعة وهْم... وأحلام المصريين تحوَّلت إلى كوابيس..."

أطلق تلك الكلمات النارية دون أن يخشى القمع الذي ذكره.

وعندما كان الدكتور جابر عصفور وزيراً للثقافة سنة 2014، لم يتردّد في إقالة الدكتور رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، لأنه أوقف عدداً من كبار موظفي الهيئة عن العمل دون الرجوع إلى الوزارة أولاً.

وحينما منعتْ وزارتُه عرْض فيلم "الخروج: آلهة وملوك" للمخرج البريطاني ريدلي سكوت الذي يدور حول خروج النبي موسى من مصر، صرّح الدكتور جابر عصفور لوكالة فرانس برس:

ـ "إن قرار منع الفيلم صدر من الوزارة ولا علاقة للأزهر به. هذا الفيلم صهيونيٌّ بامتياز، فهو يعرض التاريخ من وجهة النظر الصهيونية، ويتضمَّن تزييفاً للوقائع التاريخية؛ لهذا تقرَّر منْع عرضه في مصر.".

وهو يعلم حقَّ العلم أَن القانون الفرنسي يعدُّ هذا التصريح نوعاً من اللاسامية، ويُجرّمه ، وكان هو يتردد على باريس للعلاج.

اعتداله ودبلوماسيته:

يوصف الدكتور جابر عصفور بأنه تنويري يساري، ولكنه يختلف عن كثير من التنويريين اليساريين باعتداله ودبلوماسيته. وسأعود إلى هذا الموضوع بشيء من التفصيل. ولكن أورد هنا مثلَين على اعتداله ودبلوماسيته:

حينما حصلتْ، سنة 2014، مشكلة بينه، بوصفه وزير الثقافة، وبين الأزهر حول عرض فيلم نوح في مصر، صرح الدكتور عصفور في مقابلة تلفزيونية:

ـ"مشايح الأزهر ضيّقوا الأفق، ولا يتمتعون برحابة صدر شيخ الأزهر أحمد الطيب."

وهذه دبلوماسية عالية يُعبَّر عنها بالقول السائر "يكسِرُ ويجبُرُ".

ويتجلّى اعتداله في اهتمامه بالتراث العربي الإسلامي خلافاً لكثير من التنويريين الذين ينادون بالقطيعة مع التراث. وهذا ما سأعود إليه لاحقاً.

عندما يتحدث عن التنوير الذي يناوئ ظلامية رجال الدين، لا يتردد في القول إن الفكر التنويري في مصر قديم يرجع إلى القرن التاسع عشر، ويشير إلى أن موجته الأولى انطلقت من مشايخ الأزهر ورجال الدين مثل الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801ـ 1873) أحد أبرز رواد التنوير في مصر وصاحب كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريس"(3) وكتاب "المرشد الأمين للبنات والبنين"(4).

وينبغي التنويه هنا إلى أن الطهطاوي نظر إلى أفكار الإصلاح السياسي في مصر من وجهة نظر إسلامية في تناول الحداثة. فقد كان يرى أن مبادئ التنوير، كالمساواة والعدالة الاجتماعية والحريات المدنية متضمنة في أصول الفقه، وأن الاقتباس من الأغراب، لا سيما إذا كانوا من أولي الألباب، تجلب للأوطان من المنافع العمومية العجب العجاب، وأن الأفكار الصادرة عن العقل لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية(5). وليس جميع التنويريين العرب هم ذوي مرجعية إسلامية.

جابر عصفور مفكّرا تنويرياً:

يُعدّ الدكتور جابر عصفور من زعماء التنوير في تاريخ مصر الحديث. وينعت المتديّنون المتشدّدون هؤلاء الزعماء بالكفر والإلحاد والانحراف الديني والعقدي. وزعماء التنوير في مصر منذ بداية القرن العشرين هم: سلامة موسى (1887 ـ1958) وطه حسين (1889 ـ 1973)، وتوفيق الحكيم (1898 ـ 1987)، ونجيب محفوظ (1911ـ 2006)، ونوال السعداوي (1931 ـ )، وجابر عصفور (1944 ـ )، وصلاح فضل (1938ـ )، وغيرهم.

والدكتور جابر عصفور أحد أبرز زعماء التنوير بمصر في العصر الحديث، لا لأنه ألّف ونشر أكبر عدد من الكتب حول التنوير فحسب، بل لأنه كذلك أعلى التنويريين صوتاً، وأوضحهم فكراً، وأقواهم حجة، وأكثرهم إقناعاً.

ففي التسعينيات، نشر الدكتور جابر عصفور ستة كتب قيّمة تحمل مصطلح "التنوير" أو أحد مشتقاته في عناوينها، وهي:

1ـ التنوير يواجه الظلام، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993.
2ـ محنة التنوير، القاهرة :الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993.
3ـ دفاعاً عن التنوير، القاهرة: الهيئة العامة للثقافة، 1993 ،
4ـ هوامش على دفاتر التنوير، بيروت: دار سعاد الصباح، 1994،
5ـ أنوار العقل، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996.
وثمّة بعض مؤلَّفاته لا تحمل في عناوينها كلمة التنوير، ولكنها تدور حول بعض موضوعاته ، مثل:
6 ـ آفاق العصر، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997،
7 ـ ضد التعصّب، بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000،
8 ـ عن الثقافة والحرية، القاهرة: مؤسسة الأهرام للنشر، 2016.

والتنوير، في الأصل، حركة فلسفية اجتماعية سياسية ظهرت في أوربا، وترتكز على دعامتيْن: العقلانية، والحرية.

فالحركة تُعنى بتنوير العقل، وتحريره من الجهل والخرافات، وإطلاق قدراته على التفكير الحر، وعدم تبعيته لأية سلطة دينية كسلطة الكنيسة ورجال الدين، أو دنيوية كسلطة الحكومات الاستبدادية. وتؤمن الحركة بأن وظيفة المثقف التنويري التربوية هي تشجيع المواطنين على الاعتماد على عقولهم وطبيعتهم وعفويتهم، وتفعيلها بالمعرفة والعلم، وعدم الطاعة العمياء للآخرين مهما كانت منزلتهم، فالناس الأسوياء متساوون في قدراتهم الطبيعية الغريزية على التفكير والفهم.

ونافحت الحركة آنذاك عن ضرورة تمتُّع المواطنين بحرياتهم الطبيعية، والمدنية، والسياسية. وكانت أغلبية السكان في أوربا لا تتمتع بهذه الحقوق خلال القرون الوسطى بسبب طغيان الإقطاع على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.. وفي القرن العشرين، سُميّت هذه الحريات بالحقوق، وأُضيفت إليها الحقوق الاقتصادية، بفضل المنظمات الأممية والمنظمات غير الحكومية والنقابات وغيرها.

وبناء على مبادئ هذه الحركة الفكرية، خاصة المساواة بين المواطنين وضمان حرياتهم، تفرّعت وتطوّرت مفاهيم تنويرية كثيرة مثل: الديمقراطية، والعَلمانية، والحكومة المدنية، والتسامح، وغيرها.

انطلقت هذه الحركة الفكرية أواخر القرن السابع عشر وخلال القرن الثامن عشر في أوربا، خاصة في انجلترة، حيث ساعدت الظروف الاجتماعية والسياسية في القرن السابع عشر على ظهور البرجوازية (كسبة، تجّار، صُنّاع) وتزايد نفوذها، ما اضطر الطبقة الإقطاعية إلى تطوير أساليب الإنتاج وقبول الإصلاحات الجديدة. وكان من رواد هذه الحركة الذين أرهصوا لها، رجل الدولة الفيلسوف فرانسيس بيكون (1561 ـ 1626) قائد الثورة العلمية القائمة على الملاحظة والتجريب، والفيلسوف السياسي الأخلاقي توماس هوبز (1588ـ 1679) صاحب نظرية العقد الاجتماعي وكتاب " المواطن "(6) الذي ألفه وهو في منفاه في فرنسا، والفيلسوف الفيزيائي إسحاق نيوتن (1642ـ 1726) صاحب نظرية الجاذبية، والفيلسوف جون لوك (1632 ـ 1704) الملقب بأبي العَلمانية وصاحب "رسالة عن التسامح "(7)، وكتاب " في الحكم المدني" (8).
بيدَ أن هذه الحركة التنويرية وجدت أرضاً فكرية خصبة لنموها وازدهارها في فرنسا في زمن تزايد فيه النفوذ الاقتصادي والاجتماعي للبرجوازية الفرنسية وتراجع نفوذ الإقطاع خاصة في عصر لويس الرابع عشر (1638 ـ 1715) الملقّب بالملك العظيم أو الملك الشمس، الذي دام حكمه الفعلي أكثر من 60 عاماً وتعاظم الحكم المركزي خلاله على حساب سلطات الإقطاع، وأصبحت فرنسا في عهده الدولة الأوربية الأولى في العلوم والآداب والفنون، بفضل رعايته للمفكرين والفلاسفة والأدباء والعلماء، وانتشار المكتبات، وتكاثر الصالونات الأدبية. وهكذا انتعشت الحركة التنويرية في الثقافة الفرنسية على أيدي الفيلسوف القانوني مونتسكيو (1689ـ 1755) صاحب كتاب " روح القوانين" L’esprit des lois (ترجمه عادل زعيتر بعنوان " روح الشرائع")(9) الذي بيّن فيه أنواع الحكومات: الملكية، الدكتاتورية، الجمهورية؛ وطرح فيه نظريته حول الفصل بين السلطات: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، لتحقيق الحرية والمساواة والعدالة ؛ والمؤرِّخ الفرنسي فولتير (1694 ـ 1778) المشهور بدعوته إلى التسامح وحرية التعبير، خاصة في رسالته " قول في التسامح"(10)؛ والفيلسوف الأديب من جنيف، جان جاك روسو (1712ـ1778) صاحب نظرية التربية الطبيعية التي بسطها في كتابه " أميل: في التربية" Emile: ou De l’education (ترجمه نظمي لوقا بعنوان "إميل: أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد"(11) )، وصاحب الدعوة إلى المساواة في بحثه " منشأ وأسس عدم المساواة"؛ ودينيس ديدرو (1713 ـ 1784)، الملقب بفيلسوف الحرية والمشهور بأقواله البليغة اللاذعة، مثل "لم يسبق لفيلسوف أن قتل رجلَ دِين، ولكن رجال الدين قتلوا كثيراً من الفلاسفة."

وخلال ما يسمى بالنهضة العربية في بلداننا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وجد بعض المفكرين العرب أنفسهم يطرحون قضايا أصبحت بديهيات في الفكر الأوربي، كالتسامح، وحرية التعبير، والفصل بين السلطات، والعَلمانية، والحقوق السياسية ، إلخ.(12) وقد انتشرتْ هذه القيم في المجتمعات الأوربية، ليس بفضل القوانين فحسب، وإنما بفضل انتشار الثقافة وإلزامية التربية والتعليم الجيدين في المقام الأول.

ولو ألقينا نظرة عابرة على بعض مؤلّفات الدكتور جابر عصفور، لوجدناها تطرح تلك القضايا التي كان مفكرو التنوير يطرحونها في أوربا في القرن السابع عشر والثامن عشر. فهي تطرح قضايا التخلُّف والتقدُّم، والحرية الفكرية، والتسامح، والإبداع، والعناية بالمستقبل، إلخ.

ففي كتابه "أنوار العقل" (1996)، مثلاً، يرى أن العقل أساس التنوير، وهناك تنافر بين التنوير والظلامية. وبحسب الدكتور عصفور، فإن الفكر الظلامي هو حالة من حالات فقدان العقل. وتتمثل الظلامية في ظلامية الفكر الديني، وظلامية النخب السياسية، المتمسكة بالاستبداد ووعدم الانتقال الديمقراطي.

وفي كتابه " آفاق العصر" (1997)، مثلاً، يرى أنه لكي يتقدّم العرب، لا بُدّ لهم من خيال ابتكاري، يستطيع وضع تصوّر واضح للمستقبل، وأن يتخلّوا عن الخيال الاسترجاعي سجين الماضي الذي تجتره قوى التخلف والثبات.

أما في كتابه "ضد التعصّب" (2000)، فيتطرق الدكتور عصفور إلى بدايات ظهور العنف في الصراع بين التيار الديني المتطرف والتيار المدني المتحرّر في البلدان العربية، ولجوء التيار الأول إلى تكفير المفكِّرين. ويعدُّ هذا الصراع من مظاهر معركة سياسية كانت تدور بين ثقافتين،:

ثقافة دينية تقليدية اتباعية متشدِّدة ومشدودة إلى الماضي وتحافظ على الثبات والجمود ويقودها رجال دين متشددون، وثقافة جديدة متحرِّرة متحرِّكة تسعى إلى مستقبل أفضل يقودها مفكِّرون تنويريون مدنيّوين؛ ويصم التطرف الديني بمعاداة الإبداع والاجتهاد، والعمل على تكفير المجتهدين.

يقول المؤلِّف في مقدِّمته لهذا الكتاب:

"كتبت هذا الكتاب في مواجهة تيار التعصُّب الذي أشاعته مجموعات التطرُّف الديني بفصائلها المتعدِّدة وضدَّ عمليات الانغلاق الموازية التي حرص هذا التيّار على تثبيتها في النفوس. ودفاعا عن حرِّية الفكر والابداع، وتأكيدا لقيم الدولة المدنية، واستمرارا للتقاليد الخلّاقة نفسها التي تصل اجيالنا بجيل طه حسين في الدفاع عن الحرِّية التي لا يمكن ان ننالها الا اذا انتزعناها انتزاعا."

وهذا الكتاب (ضدَّ التعصُّب) يتناغم مع كتاب فولتير (قول في التسامح)، في الغاية والوسيلة والمصطلح. فالتسامح هو نقيض التعصُّب. وإذا كان فولتير انطلق في كتابه من مأساة المواطن جان كالاس البروتستانتي الذي قامت جماعات التعصب الديني المذهبي بإعدامه، ونفي أمّه، وسجن ابنه؛ فإن جابر عصفور قد انطلق في مقالاته الصحفية التي جمعها في هذا الكتاب، من فتاوى بعض رجال الدين المتعصِّبين في تكفير جملةٍ من المجتهدين كما حصل في حالات نصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، وأحمد البغدادي، وسيد القمني؛ أو تكفير بعض المُبدعين، كما حصل في حالات تكفير حيدر حيدر، ومرسيل خليفة، وليلى عثمان، وعالية شعيب.

وأكثر من ذلك، فعندما يورد الدكتور جابر عصفور بعض المصطلحات التنويرية في هذا الكتاب، فإنه يستعملها بمفهومها الذي كان قائماً في أوربا خلال القرن الثامن عشر، مع إدراكه أن المفاهيم قد تتغيّر وتتطوّر باختلاف المكان والزمان. فمثلاً عندما يقول الدكتور عصفور إنه كتب هذا الكتاب تأكيدا لقيم (الدولة المدنية)، فهو يستعمل هذا المصطلح بمفهومه لدى رواد التنوير في القرن الثامن عشر، أي مقابلا للدولة الدينية أو الكنسية التي كان لرجال الكنيسة أثر كبير في توجُّهاتها وإجراءاتها، وليس مقابلاً للدولة البوليسية أو الدولة العسكرية السائدة في معظم بلداننا العربية عندما نُشِر كتابه. ففي اللغة العربية حصل توسُّع في مفهوم المصطلح لم تعرفه معظم اللغات الأوربية في عصر الأنوار. ففي هذا الكتاب لا يستعمل الدكتور عصفور مفهوم " الدولة المدنية" كما استعمله الشبان المصريون، عندما شاهدوا المشير محمد حسين الطنطاوي القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية وهو يرتدي بدلة مدنية لأوّل مرة ويتجول في وسط القاهرة في أواخر سبتمبر أيلول 2011 ( اي بعد سقوط الرئيس اللواء حسني مبارك)، فرفعوا أصواتهم قائلين:

ـ "يا سيادة المشير! إحنا عاوزين (دولة مدنية)، مش بدلة مدنية."

ومعروف أن المصطلح قد يكتسب مفاهيم متعددة بمرور الزمن، فمثله مثل الكلمة التي قد تتعدّد معانيها، فكلاهما لفظ. والسبب في ذلك أن الألفاظ محدودة متناهية، وذلك لأن عدد الأصوات الرئيسية تتشكل منها الألفاظ معدود في كل لغة وتشكُّل الألفاظ خاضع لقوانين التنافر بين الأصوات وقوانين الاقتصاد في الجهد. أما المعاني والمفاهيم فهي لامحدودة لا متناهية، بل في ازدياد مضطرد بفضل تقدّم البشرية وتنامي المعارف والعلوم. ولهذا أصبح الاشتراك اللفظي ظاهرة لغوية في جميع اللغات البشرية الطبيعية. ومن هنا يُقدِم كثير من الباحثين على تعريف مفاهيم المصطلحات التي يستعملونها في مقدمة البحث.

التنويرية والدولة العسكرية:

هنالك نقطتان استوقفتاني في دراستي لفكر الدكتور جابر عصفور التنويري العَلماني، وهما:
الأولى، إن الموضوعات التي تدور حولها كتابات الدكتور عصفور التنويرية هي في الغالب: الثقافة، الحرية، العدل الاجتماعي، الإيمان بنزعة إنسانية لا تميز بين الأجناس ولا تفرّق بين الدول، الدولة المدنية القائمة على التسامح، حقوق الإنسان، التقدُّم، التخلُّف، ظلامية التعصب الديني، إلخ.

هذه قيم فلسفية رائعة. ولكن كتاباته لم تركّز على النظام التعليمي القائم في البلدان العربية، الذي أعدُّه السبب الأساس في تدنّي التنمية البشرية وانعدام العدالة الاجتماعية في بلداننا العربية ومنها مصر العزيزة؛ فهو نظام توجد فيه أربعة أنواع من المدارس: مدارس أجنبية تستخدم منهجاً أجنبياً بلغة أجنبية، ومدارس أهلية حرة تعنى كثيراً باللغة الأجنبية، ومدارس حكومية سيئة، ومدارس دينية. وهذا النظام التعليمي لا يساعد على توفير فرص متساوية أمام الأطفال خاصة أن معظم بلداننا العربية تستعمل اللغة الأجنبية في دوائرها الحكومية وفي التعليم العالي وفي المؤسسات الاقتصادية والمالية والشركات. وهكذا فالنظام التعليمي القائم يؤدي إلى طبقية اجتماعية ويعمل على إعادة توليدها دائماً (13).

لعلَّ التنويريين يرون أن هذه النقطة متضمَّنة تلقائياً في مطالبتهم بالعدل الاجتماعي أو حقوق الإنسان.

الثانية: يناوئ التنويريون الاستبداد بجميع أشكاله، ولكن كيف يبرِّرون دعمهم لحكومات عسكرية وتسنمهم مناصب وزارية أو رفيعة في هذه الحكومات التي يصفها بعضهم بالاستبداد؟

وهذا لا يعني أن الدكتور جابر عصفور لم ينتقد الحكم العسكري، ففي حوار له مع جريدة "الوفد" بتاريخ 1/3/2012 ( أي بعد ما يُسمى بـ " ثورة 2011 " وظهور ما يوحي بقرب حكم ديمقراطي)، صرح الدكتور جابر عصفور بـ " أن المشروع التنويري ضُرب على يد الأصولية العسكرية والإصولية الدينية " وأضاف: " بدأت محنة التنوير في مصر عندما أجهزت ثورة يوليو رسمياً على الفترة الليبرالية، وتمَّ تحطيم الديمقراطية في أزمة مارس 1954 تحت أحذية العسكر."

ولكن تبقى إشكالية تعاون كثير من التنويريّين، ومنهم الدكتور جابر عصفور، مع الحكومات العسكرية قائمة. وقد طرحتُها على صديق تنويريّ مصريّ آخر في لقاء لي معه بالقاهرة، هو الشاعر الدكتور حسن طلب أستاذ الفلسفة في جامعة حلوان نائب رئيس تحرير مجلة "إبداع" الذي كان يتكرّم بنشر بعض قصصي القصيرة أو ترجماتي مثل ترجمتي لرواية "أحلام أنشتاين". ولكن إجابته الكريمة لم تُشفِ غليلي ، ولم أقتنع تماماً بتبريراته الكثيرة.

وعندما أعملتُ الفكر في المسألة وأنا أكتب هذا المقال، تبادر إلى ذهني أن اعتدال الدكتور جابر عصفور ودبلوماسيته جعلاه يوائم بين واجبه تجاه أمته بوصفه مثقفا تنويرياً حراً، وبين واجباته الرسمية بوصفه موظفاً حكومياً أو مسؤولا رسميا. بيدَ أنني لم أرتَح لهذه الإجابة القلقة، لأن المسألة لا تخصُّ الدكتور جابر عصفور وحده، بل تعمُّ معظم رجال الاتجاه التنويري العَلماني في مصر.

ومن عادتي في البحث أنني إذا استعصى عليّ أمر ما، أتركه جانباً وأعود إليه بعد استراحة تقصر أو تطول. وهكذا تناولتُ فنجان قهوة في المقهى التي كنتُ أزاول الكتابة فيه، وأخذتُ صحيفة الأخبار المغربية لذلك اليوم 7/8/ 2019 لتصفّحها. وما إن فتحتُها حتى وقعت عيناي على مقالٍ للسياسي المصري الدكتور عمرو حمزاوي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة الذي انتُخب عضوا في مجلس الشعب المصري سنة 2012، والذي اعتذر مرتين عن قبول منصب وزاري في حكومتيْن عسكريتيْن. وعنوان مقاله " عن تبرير العَلمانيين المصريين للاستبداد".

وهذا يؤكد ظني أو شعوري الدائم بأنني باحث محظوظ. وأنقل هنا نصَّ الجزء الأساسي من مقال الدكتور حمزاوي لئلا أفسده بالتلخيص:

"لم تكن الدوافع الوحيدة لتحالف النخب العَلمانية (ليبرالية ويسارية) مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية للخروج على الإجراءات الديمقراطية في صيف 2013 هي فشل إدارة الرئيس الأسبق، محمد مرسي، في إخراج البلاد من أزماتها وعصفها بسيادة القانون والإطار الدستوري القائم ( الإعلان الدستوري الاستثنائي في نوفمبر 2012).

كذلك لم ترتبط دوافع النخب العَلمانية في الانقلاب على الديمقراطية فقط بما طُرح آنذاك كفعل ضرورة لحماية مصر من استبداد ديني محقق والحفاظ على هُويتها الوطنية. فالموقف المضاد للديمقراطية الذي تبنَّته النخب العلمانية في ذلك الصيف ثمَّ تأييد أغلبية عناصرها لعودة السلطوية وصمتها على انتهاكات مفجعة لحقوق الإنسان، مثلٌ وما زال ترجمة لميراث تاريخي طويل حَدَّد منذ القرن التاسع عشر جوهر العلاقة بين النخب العَلمانية ونظم الحكم المتعاقبة، كما بينها وبين فعاليات المجتمع وعموم المواطنات والمواطنين.

فقد كان تشكُّل النخب العَلمانية في أعقاب نشوء الدولة الوطنية الحديثة (دولة محمد علي الذي حكم البلاد بين 1801 و 1840) وثيق الصلة بالتحالف مع نظام الحكم والسلطة القائمة. وتبلورت (باستثناء فترات عابرة) مقولاتها الكبرى وإنماط ممارساتها لدورها السياسي والمجتمعي في سياق الدفاع الدائم عن الحكم ودعم السياسات الرسمية وتبرير إخفاقاتها ونتائجها السلبية.

لم ترَ النخب العَلمانية في الدولة الوطنية سوى قوَّة التنوير والتحديث والتقدُّم القادرة على تجاوز الجهل والفقر والتخلّف..."

وبعبارة وجيزة، فإن القائد العسكري محمد علي باشا الكبير (1769 ـ 1849) حاكم مصر (1805 ـ 1848)، هو التنويري الأكبر في مقابل ظلامية رجال الدين الذين ورثوا فكر عصر الانحطاط بتخلُّفه وجهله وتعصّبه وثباته، بحيث كان بعضهم يحرّم زواج رجل من المذهب الشافعي بامرأة من المذهب المالكي، مع أن كلا الزوجين لا يعرف شيئاً عن أحكام أيِّ مذهب. كما أن العبقري محمد علي باشا الكبير هو الذي أعدَّ وكوّن التنويريين الأوائل في مصر ورعاهم واستعان بهم في مناصب الدولة. فالشيخ الطهطاوي، الذي ذكره الدكتور عصفور بوصفه من رواد التنوير في مصر، هو من صنع محمد علي باشا الكبير وحظي برعايته.

وعلى رجاحة رأي الدكتور حمزاوي، فإنه يبقى مجرَّد وجهة نظر قابلة للتصديق أو التكذيب. وكنتُ أتمنى أن يبرر لنا الدكتور جابر عصفور شخصياً موقفه. وبعد قليل من البحث عثرتُ على ما كنتُ أتمناه في ثنايا حوار أجراه صحفيٌّ حاذق مع الدكتور جابر عصفور ونشرته جريدة " الأخبار " اللبنانية في عددها بتاريخ 9/7/ 2008، أي بعد انتهاء مهمته في المجلس الأعلى للثقافة، وانتقاله إلى إدارة المركز القومي للترجمة الذي سعى لإنشائه إيماناً منه بأهمية الترجمة في تنمية الثقافة، وقبل بضعة أيام من سفره إلى باريس لإجراء عملية جراحية في القلب. فقد طرح الصحفي محمد شعيرة بجرأة سؤالاً عن التناقض بين كون الدكتور عصفور تنويرياً وبين رئاسته لأهم جهاز ثقافي في مصر في وقت كانت أجهزة الثقافة والإعلام مجنَّدة لمعركة السلطة ضد الأصولية... وتساءل هذا الصحفي عن الجوانب التي يرى هذا المثقَّف التنويري أن مشروعه يتقاطع مع مشروع الدولة، خصوصاً أن معظم الأنظمة العربية عسكرية وقائمة على الاستبداد والفساد.

أجاب الدكتور جابر عصفور بـ " أنه تنويري خارج السلطة... وأنه لم يكن يعمل مع سلطة بل مع دولة أتاحت له (منافذ) حقّق عبرها بعضا من مشروعه الثقافي ... وكان بين الطرفين (اتفاق مضمر) ما دامت هذه الدولة تسمح له بتحقيق ما يؤدي إلى تثقيف الناس ... وفي كل الأحوال، ما دمتَ مثقفاً، يجب أن تعوّد نفسك على أنك خارج السلطة، بل خارج الدولة تنظر إلى ما يحدث فيها من منظور معارض أو مستقل يستطيع رؤية السلبيات."

ولعل جواب الدكتور عصفور يتفق في جزأ منه مع تحليل الدكتور حمزاوي.

وينبغي أن نذكر أن كثيراً من زملاء الدكتور جابر عصفور من التنويريّين المصريّين مثل الدكتورة رضوى عاشور والدكتورة ميرال الطحاوي قد انتقدوا بشدة قبوله وسام رئيس تونس رجل الأمن المستبد زين العابدين بن علي سنة 1995 ، وقبوله جائزة طاغية ليبيا الغوغائي الملازم معمر القذافي سنة 2009، ووقبوله منصب وزير الثقافة في حكومة اللواء حسني مبارك الأخيرة، ومصافحته له في حين كانت دماء المصريين الرافضة لحكمه العسكري الفاسد ما زالت تنزف في شوارع مصر. ولعلَّ هذا النقد هو مما جعل الدكتور جابر عصفور يقدّم استقالته بعد بضعة أيام من استيزاره.

وينبغي الإشارة كذلك إلى أن بعض التنويريين العرب مثل المغربي الدكتور محمد عابد الجابري ( 1935ـ 2010)، صاحب رباعية "نقد العقل العربي"، رفضَ تسلّم جوائز مالية ثمينة من صدام حسين طاغية العراق، ومن العسكري الملازم معمر القذافي طاغية ليبيا.

الدكتور جابر عصفور الناقد:

لم يقتصر عمل الدكتور جابر عصفور على نقد ثقافة المجتمع ومحاولة تطويرها، بل انصبَّ في معظمه على النقد الأدبي، تخصُّصه الأصلي في الجامعة. فالنقد، في نظر الدكتور جابر عصفور، خطاب معرفي يقوم على منهج مكوّن من مجموعة من المبادئ والقواعد المستمدة من الأفكار الأدبية.

أعدُّ الدكتور جابر عصفور ناقداً شمولياً، بمعنى أنه أحاط بالنقد من جوانبه الأربعة:

أ ـ النقد النظري،
ب ـ النقد التطبيقي،
ج ـ نقد جميع الأنواع الأدبية،
د ـ نقد النقد.

ففي النقد النظري، اعتنى الدكتور جابر عصفور عناية خاصة في نظريات النقد وأسسه، ليس في التراث العربي فحسب، بل كذلك في الفكر الغربي. ففي التراث النقدي العربي له عدة دراسات، أهمُّها أول كتبه "الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي "(1973)، وعاد إليه في كتب ودراسات لاحقة مثل كتابه "قراءة التراث النقدي" (1997). أما النظريات النقدية الغربية الحديثة، فعمل على جعلها في متناول النقاد العرب باضطلاعة بترجمة أربعة كتب مرجعية هي: "عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو" (1985)، " الماركسية والنقد الأدبي" (1986)، "النظرية الأدبية المعاصرة" (1991) " اتجاهات النقد المعاصر" (2002).

وفي النقد التطبيقي، لم يكتفِ الدكتور عصفور بالتعريف بالمضامين الجمالية في النصوص التي يتصدّى لها بالنقد، بل كان يحاول كذلك الكشف عن قيمتها الإنسانية. وهكذا تناول الدكتور عصفور كثيراً من إبداعات أعلام الأدب العربي قديما وحديثاً. كما أنه اضطلع بدور هام في مجلة "فصول" النقدية منذ تأسيسها سنة 1981، حين ترأس تحريرها الناقد الدكتور عز الدين إسماعيل، وكان الدكتور صلاح فضل والدكتور جابر عصفور نائبيه. وابتداء من السنة الحادية عشرة من حياة هذه المجلة النقدية الهامة، تولى الدكتور جابر عصفور رئاسة تحريرها. وقد رعت هذه المجلة النقد الأدبي في الوطن العربي تنظيراً ونطبيقاً وترجمة، وشجعت ظهر أجيال من النقاد العرب، ويسَّرت لهم الاطلاع على النظريات النقدية الغربية الحديثة.

ولم يقتصر الدكتور جابر عصفور في نقده التطبيقي على نقد نوع أدبي معين، كما يفعل كثير من نقادنا المعاصرين، فيتخصَّصون في نقدّ الشعر، أو نقد السرد، مثلاً، بل تناول في دراساته جميع الأنواع الأدبية، كالشعر (كما في كتابه "مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي" (1978)، وفي دراساته لشعر أدونيس، ودراسته عن شعراء السبعينيات في مصر، المنشورة في جامعة صنعاء)؛ والسرد (كما في دراسته عن "نقاد نجيب محفوظ" المنشورة في العدد الثالث من المجلد الأول من مجلة فصول)؛ والمسرح (كما في دراسته المطولة " التجريب المسرحي في حياتنا" (14) .

وخصَّص الدكتور جابر عصفور كتابه "نظريات معاصرة" (1998) لنقد النقد، أي مساءلة النقد ذاته في فعل مساءلة موضوعه. وهكذا يضطلع النقد بمراجعةٍ دائمة لمفاهيمه وتصوراته وإجراءاته وأدواته، وذلك من أجل تطويرها وتهذيبها.

وهكذا يمكننا القول إن الدكتور جابر عصفور عالِم في النقد، وليس مجرّد ناقد . ولهذا نجد أن الدراسات النقدية في الجامعات العربية قد تأثرت بآرائه ونظرياته، بدليل صدور رسائل جامعية عديدة عن دراساته النقدية.

الدكتور جابر عصفور والقطيعة مع التراث:

يدل (التراث)، لغةً، على ما يخلّفه الميت لورثته من تركةٍ، سواء أكانت تلك التركة مالاً أو مجداً أو فكراً. أما (التراث)، اصطلاحاً، فيشير إلى ما ترثه الجماعة من أسلافها من ثقافة وحضارة.
وعلى الرغم من أن ( الإرث/ الميراث والتراث) هي جميعاً أسماء مشتقة من الفعل (وَرِثَ)، فإن (الإرث/ الميراث) يعني نصيب كل فرد من تركة الميت، على حين أن التراث ـ في مفهومه الحديث الذي تبلور خلال النهضة العربية في القرن التاسع عشر ـ يشير إلى الإرث الفكري والثقافي الذي وصلنا من آبائنا. وهكذا، فإذا كان (الإرث /الميراث) يقتضي وفاة الأب لحلول الولد محله، فإن (الميراث) يعني حضور الأب في الولد واستمرار الماضي في الحاضر. (15)
ورد مصطلح (القطيعة المعرفية ) على يد فيلسوفِ العِلم الفرنسي غاستون باشلار (1884 ــــ 1962)، ليدل على مفهومَين:

الأوَّل، تخلّي العالِم في المختبر عن المعرفة التقليدية الشائعة، والأخذ بالمعرفة العلمية الموضوعية القائمة على التجربة والبرهان.

الثاني، القطيعة بين الأنظمة المعرفية. فعندما يعجز النظام المعرفي عن معالجة الإشكاليات التي تواجهنا، لا بدَّ لنا من التخلّي عن النظام المعرفي القديم وتبنّي نظام معرفي جديد. لا بدَّ لنا من تغيير الزاوية التي ننظر منها إلى الأشياء، أي التخلّي بوعيٍ تامٍّ عن ذلك النظام المعرفي القديم، وتبنّي نظامٍ معرفيٍّ جديدٍ يستطيع التعامل مع الإشكاليات التي عجز النظام المعرفي القديم من التعامل معها. فالتطوُّر العلمي لا يتوقَّف على التراكم الكمي فحسب، بل على آليات التفكير الجديدة أيضاً.

وفيما اشتغل باشلار على المفهوم الأوَّل لمصطلح القطيعة المعرفية، تبنّى المفهومَ الثاني وطوَّره ثلاثةٌ من المفكرين هم: الفيلسوف الناقد الفرنسي ميشيل فوكو (1926 1984)، والفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير(1916 1990) ؛ ومؤرِّخ العِلم الأمريكي توماس كوهن (1922ــــ 1996) الذين رأوا أنَّ التطوُّر العلمي ليس بالضرورة تراكمياً وتدريجياً، وإنَّما قد يتأتّى من ثوراتٍ بنيويةٍ يتمُّ فيها تغييرُ نسق البحث وآلياته. وأصبح للقطيعة المعرفية مفهومٌ مختلفٌ شيئاً ما لدى كلِّ واحد من هؤلاء المفكِّرين الثلاثة(16).

وعندما دخل مصطلح ”القطيعة المعرفية” إلى اللغة العربية في القرن العشرين، طبّقه التنويريّون على التراث بطرقٍ مختلفة. وينبغي الإشارة إلى أنه لا يمكن القطيعة مع جميع عناصر التراث من دون إحداث ضرر كبير في هوُية الجماعة والتماسك الاجتماعي والتراكم المعرفي والتنمية البشرية فيها. فلغة المجتمع وسّلمه القِيمي، مثلاً، لا يمكن القطيعة معهما بصورة مفاجئة أو بقرار إداري، لأن هذين العنصرين يستغرق تكوّنهما فترات زمنية طويلة، ويتغلغلان في وجدان الجماعة ولاوعيها. وأحد أسباب التنمية البشرية المتدنية في معظم البلدان العربية هو محاولة القطيعة مع اللغة الوطنية وفرض لغة أجنبية، لغةَ تواصل في العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد.(17)

وفي ميدان النقد الأدبي دعا بعض النقاد التنويرين إلى ضرورة القطيعة مع التراث العربي في البلاغة والبيان والبديع، لأنه وصل إلى أفق مسدود، ولا تفيدنا في نقد النصوص الأدبية الحديثة.

وفي لقاء لي بالقاهرة مع الناقد التنويري الدكتور صلاح فضل، أعرب لي عن ذلك الرأي. وهذا ما فعله عندما اختاره مجمع اللغة العربية بالقاهرة رئيساً للجنة وضع معجم لمصطلحات النقد الأدبي، فإنه اعتمد معجماً أجنبياً حديثاً أساساً لمعجمه الذي يخلو من أي مصطلحات تراثية.

وعلى الرغم من أن المرحوم الدكتور محمد عابد الجابري (1935 ــ 2010)، قد نبّه في مقدمة كتابه "نحن والتراث" (18) إلى أنه لا يطالب بالقطيعة مع التراث العربي برمته، بل مع العناصر السيئة منه، فإنه في ندوة فكرية نظمتها جمعية الفلسفة المغربية حول "المصطلح التراثي بين الإعمال والإهمال " ورأسها المرحوم الدكتور عزيز الحبابي وشاركتُ فيها إلى جانب الدكتور الجابري، انتقدَ المصطلحات التراثية في الأدب، مثلاً، لكونها لا تلائم الحياة العصرية المتطورة، فمصطلحات الشعر العربي وأوزانه، مقتبسة من الخيمة البدوية، والجمل وشؤونه، والخيل وسيرها: مثل مصطلحات (البيت)، و(العمود)، و(الوتد) ، ووزن (الخبب)، إلخ.، فهي غير ملائمة للعصر الحديث. أما أنا فأشرتُ إلى أن الاستعمال والشيوع هما اللذين يقرران حياة المصطلح أو موته، وأن مفهوم المصطلح في وعي مستعمليه لا علاقة له بمعنى اللفظ قبل شيوع المصطلح. واستبدال مصطلحات حديثة جديدة بمصطلحات تراثية مستعملة قد يتسبّب في ازدواجية المصطلح العربي وعرقلة التواصل العلمي (19).

بيدَ أن الدكتور جابر عصفور، يختلف عن معظم زملائه التنويريين في هذا الموضوع. ففي أول كُتبه، الذي أعدّه، في الأصل رسالة جامعية، بعنوان "الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب" (1973)، نظر الدكتور جابر عصفور إلى الأدب بوصفه نسيجاً لغوياً ذا بنية تتفاعل عناصره بطريقة تؤدي إلى إثراء المتلقّي، وتعميق وعيه بنفسه ومجتمعه وواقعه. ورأى في الصورة الفنية وسيلةً رئيسة من وسائل استيعاب موقف الأديب من الواقع، ومعياراً للحكم على أصالة تجربته، وقدرته على تشكيلها في نصٍّ يُمتع المتلقي ويعمِّق وعيه.

وفي ذلك الوقت المبكِّر من تطور علم المصطلح الحديث، أدرك الدكتور جابر عصفور مبدأً مصطلحياً تبلور فيما بعد، مفاده إمكان وجود المفهوم بخصائصه الذاتية والعرضية في زمن من الأزمان، دون وجود المصطلح الذي يعبّر عنه، وإنما يُستحدَث في زمن لاحق، أو يُعبَّر عنه سابقاً بمصطلحٍ مختلف قد يتغيّر ويتطوّر مع الزمن. وبالمقابل قد يوجد المصطلح الذي يُعبِّر عن مفهوم ما، ولكن خصائص هذا المفهوم تتغيّر وتتطوّر بمرور الزمن، ويبقى المصطلح ثابتاً كما هو.
ويصوغ الدكتور عصفور هذا المبدأ الحديث في علم المصطلح بقوله:

"ومع أن " الصورة الفنية مصطلح حديث...، فإن الاهتمام بالمشكلات التي يشير إليها المصطلح، قديم، يرجع إلى بدايات الوعي بالخصائص النوعية للفن الأدبي. قد لا نجد المصطلح ـ بهذه الصياغة الحديثة ـ في التراث البلاغي والنقدي عند العرب، ولكن المشاكل والقضايا التي يثيرها المصطلح الحديث ويطرحها، موجودة في التراث، وإن اختلفت طريقة العرض والتناول، أو تميّزت جوانب التركيز ودرجات الاهتمام" (20).

فالدكتور عصفور، بوصفه ناقداً تنويرياً، يؤمن بعدم القطيعة مع التراث البلاغي العربي، بل يدعو إلى دراسته والبناء عليه وتطعيمه وتطويره بما استجد من نظريات نقدية لدى الأمم الأخرى، ليكون قوياً متكاملاً ، وأداة فاعلة من أدوات نهضة الأمة .

الخلاصة:

وخلاصة القول إن الدكتور جابر عصفور رجل وطني مخلص على خُلق رفيع، ومفكر مجتهد له ما له وعليه ما عليه، ناضل من أجل التنوير وإشاعة مفاهيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والعقلانية والنظر إلى المستقبل من أجل تقدّم أمته. وفي الوقت نفسه، فهو ناقد أدبي مرموق، أسهم في إشاعة مفاهيم النقد الحديث وإجراءاته وتقنياته، دون إهمال تراث العرب النقدي والبلاغي. ويشهد على أثره الإيجابي في تطوير الدرس النقدي في المحافل الأكاديمية العربية وتنمية الحركة الأدبية المعاصرة، كثرة الرسائل الجامعية التي تناولت أعماله ونظرياته وأفكاره*.

الهوامش:

الكلمة الافتتاحية في الندوة التي أقامتها كلية الآداب بجامعة القاضي عياض في مراكش، تكريماً للدكتور جابر عصفور في بداية العام الدراسي 2019/2020.

علي القاسمي. علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون،ط 2، 2019)

آن موريل. النقد الأدبي المعاصر: مناهج، اتجاهات، قضايا؛ ترجمة إبراهيم أولحيان ومحمد الزركاوي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2008)

رفاعة الطهطاوي. الأعمال الكاملة. تحقيق محمد عمارة (القاهرة: التمدن، 2015).

المرجع السابق.

علي رسول الربيعي. "استجابة الطهطاوي لأفكار الحداثة السياسية" في صحيفة المثقف بتاريخ 20/8/ 2019.

Thomas Hobbes. De Cive (On the Citizen) trans. Tuck and Silverthorne ( Cambridge: Cambridge University Press, 1998) وكذلك:

ـ توماس هوبز. اللفيتان. ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب (بيروت: دار الفارابي: 2011)

جون لوك. رسالة في التسامح. ترجمة وتعليق: عبد الرحمن بدوي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988) . تُرجِم إلى العربية عدّة مرات منها مؤخراً ترجمة سعيد بنكراد بعنوان "قول في التسامح".

جون لوك. في الحكم المدني. ترجمة ماجد فخري (بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع. 1959).

مونتسكيو. روح الشرائع. ترجمة عادل زعيتر. (القاهرة: اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، 1953)

فولتير. قول في التسامح. ترجمة سعيد بنكراد. (بيرت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. 2016)

جون جاك روسو. إميل: أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد. ترجمة نظمي لوقا (القاهرة: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1958)

علي القاسمي. "الإمام عبد الحميد بن باديس وريادة النهضة العربية" في " الناقد العراقي" بتاريخ 27/6/2018. الرابط: https://www.alnaked-aliraqi.net/article/54404.php
علي القاسمي. السياسة الثقافية في العالم العربي (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2019) ط2

جابر عصفور. "التجريب المسرحي في حياتنا"، مجلة فصول، العدد الأول، المجلد 14 (ربيع 1995) ص ص 5 ـ 23.

علي القاسمي. التراث العربي الإسلامي: دراسات وتأمُّلات (المدينة المنورة: نادي المدينة المنورة الأدبي، 2017)، الفصل الأول،" مفهوم التراث" ص ص 7ـ 25.

المرجع السابق.

السياسة الثقافية في العالم العربي. مرجع سابق

محمد عابد الجابري. نحن والتراث: قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي (بيروت: المركز الثقافي العربي ودار الطليعة، 1980) المدخل العام.

تُنظر أعمال ندوة "المصطلح التراثي بين الإعمال والإهمال"في مجلة " المناظرة" المغربية في العدد 6 (1993) وفيها دراستا الجابري والقاسمي.

جابر عصفور. الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب (القاهرة: دار المعارف، 1973) ص 7.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى