الخميس ١٠ حزيران (يونيو) ٢٠١٠
بقلم أحمد نور الدين

سيجارة

خرجت من الحجرة العابقة بروائح الأدوية إلى هواء الحديقة المفتوح. وقفت في ركن ظليل أرنو إلى الطريق المزدحم خلال قضبان البوابة السوداء، ومن حولي لا يكف الناس عن الغدو والرواح. شعرتُ بصداعٍ في رأسي. قلت لنفسي أنها ستشفى دون شك، ستنهض من وعكتها سليمة معافاة كما كانت، فيمتلئ البيت من جديد بحسها وحركتها. أخرجت من حقيبة يدي سيجارة وأشعلتها. رحت أدخن وسرعان ما شردت مع الخيالات المنبعثة من السيجارة.

أعرف أنني كنت مصدراً للإزعاج في حياتها، بل وسبباً للهم والألم. لكنها أمي التي ولدتني، وما عهد الأم بابنتها غير الحدب والعطف والتفهم. ومهما بلغ بها السخط من حدود، فإني لا شك قادرة على إحياء ما سلف من مودة وعاطفة بيننا. سوف ترضى على حتماً. ولا شك أنَّ سنوات غربتي وبعدي عنها قد أشعلت في صدرِها شوقاً لرؤيتي.

شددت نفساً عميقاً من السيجارة ثم أطلقت سحابة من الدوخان تصاعدت لتعانق خصلات شعري شبه المبعثر وتزيد من ضبابيةِ عينيي الخامدتين.

حمدت الله لأنه هيأ لي البارحة انتقالاً مباشراً من المطار إلى هنا، فلا يسعني تصور نفسي داخل جدران بيتنا وهو خال منها. وإني لا أحسبه في غيابها بيتاً، بل مكمناً لعزيز الذكريات بما تتلفّع به من تلاويين الحرقة والحسرة. حمدت الله مجدداً لأنه وقَّاني برودة تلك الحجرات التي كانت ستهجم علي بوحشية ترافقها كل الذكريات الموسومةِ بميسمِ الألم. ولعلي كنت أضعف وتخذلني قوايا فأنخرط في بكاء عظيم يستحضر أخطر ما يربض في القلب من أسى والتياع، وقد تشتد بي حال السوء فأنهار وأهوي في أعماقٍ سحيقةٍ من السكون والضياع. وقد يكون ذلك الضياع ملجأي الوحيد في حال أطالَ الغيابُ غربتها عني، فلن أحتملَ البقاءَ بدونها طويلاً. لكن الأمل في عودتها إلى عالم الصحو لا يزال قوياً كما يؤكد الجميع.

منذ وصولي إلى هنا وهي غارقة في نوم عميق. كنت أتمنى أن تلقاني ببسمتها الصافية التي أتوق إليها توقي إلى سلامِ الله الذي فقدُّته منذ سنين. وتلك البسمة خليقة ببث دفئ الرجوع في قلبي بعدما كاد صقيع البعد يخنق وهج الحياة المتدفقة فيه بعسرٍ أليم.

توقع الطبيب أن تصحو في فترة قصيرة، لكن قلبي غير مطمئن. لم أرها منذ سنوات، وليس لي من رجاء في الدنيا إلا أن تسامحني وتنسى سخطها علي، لتظلني من جديد بظلٍ وارفٍ من نعيم رضوانها. لكن ماذا لو...؟! لا...! لن أكملها لأن ذلك جنونٌ تفوق قسوته جفاء الغربة الأزلية وظلم الأيام الممعنة فراراً، غير آبهةٍ ما تدهسُ في طريقها من أمنياتٍ هي قطعٌ من القلب الثاوي في الضلوع.

عندما أنتهي من السيجارة سأشتري من الكفيتيريا شيئاً آكله. الليل طويل ولن أتركها وحدها. سأطلب من أختي وداد أن تحضر لي غداً بدلَ ثيابٍ من حقيبة السفر. مهما طالت إقامتها هنا فأنا لصيقة فراشها، ولن أفوّت فرصة التواجد بقربها لحظة تصحو من الغيبوبة. أريد بشغفٍ عارم أن أرى تعبير الفرحة على وجهها الشاحب علًّه يستعيد بعض ما أفقده المرض من وضاءة وإشعاع كانا موئل الأمن ومنار الأمل لأفراد أسرتنا منذ كانت.

نظرت إلى السيجارة بين أصابعي وهي تشحذ أنفاسها الأخيرة. تأملت شعلتها الذاوية بشجن عميق كأنه النذير. أدنوتها من شفتي لأنتزع الباقي من روحها، لكن صهري نبيل جاء في تلك اللحظة وتوقف بقربي، وقال لي باقتضاب:

- العوض بسلامتك!

نظرت إليه كالبلهاء لبرهة طويلة... توقعت منه أن يقدم تفسيراً ما، توضيحا ما، لكنه بدا متأثراً جداً ومستغرقاً في الحزن. وكدت أن أستفسر عن الشخص الذي مات، هل هو من الأقارب؟ الجيران؟ الأصحاب؟ لكنني أردت أن أمهله بعض الوقت ريثما يتمالك أعصابه ويستجمع قواه. أدخلت السيجارة بين شفتي ثم انتزعت منها نفساً عميقاً إلى أبعد الحدود....


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى