سمير عبده يبحث مدققاً وموثّقاً

دور المسيحيين في الحضارة العربية – الاسلامية وضاح يوسف الحلو

كتاب "دور المسيحيين في الحضارة العربية الاسلامية" لسمير عبده موضوع قلّما تناوله المفكرون على نحو ما فعل الباحث عبده شارحاً دور المسيحيين الشرقيين في الحضارة العربية الإسلامية، مما يبين أساس العنصر المسيحي في تركيبة الشرق الحضارية في القرون الأولى للإسلام، علما أن المسيحيين والمسلمين ليسوا بعيدين بعضهم عن البعض الآخر لكونهم من منطقة واحدة، وأحيانا من عشيرة واحدة، قبلوا بعضهم عن البعض الآخر لكونهم من منطقة واحدة، وأحيانا من عشيرة واحدة، قبلوا بعضهم بعضا في رحابة وعمق وتسامح.

إن انتشار الإسلام باعتباره الأساس الأيديولوجي للمجتمع الجديد حتّم القضاء على الديانات الوثنية القديمة وانتصار التوحيد على الوثنية. واعتبر المسلم الطبيعة من صنع الله، اما النظام الدقيق الذي يسير فيه الكون فهو نتيجة للكمال والحكمة الالهية. كتب إنغلز محللاً: "لقد صاحب تحول الديانات (والحديث يدور على الديانات الثلاث المهمة وهي البودية والمسيحية والاسلام) انقلاب تاريخي عظيم. فالديانات المحلية التي كانت موجودة عند القبائل والشعوب الصغيرة لم يكن لها اي تأثير تعليمي او تبشيري فكانت هذه الديانات تفقد قوتها على الاستمرار والمقاومة في حال وقوع هذه القبائل والشعوب تحت سيطرة من هم اقوى منها".

كانت الحرب التي خاضها النبي محمد وصحبه ضد الديانات الوثنية (ونلاحظ ليس ضد المسيحية) اول حرب مدمّرة للقيم القديمة في الجزيرة العربية، وطهّر النبي محمد بعدما الكعبة من آلهة العرب الوثنية. هذا الانتصار الذي حققه الاسلام على الوثنية كدين ونظام سياسي ترك آثاره على تطور العرب حضارياً وفنياً.

لم يتصادم ظهور الإسلام مع المسيحية لكنه فرض مفاهيمه من زاوية علاقته الخاصة بالخارج الانساني او الشيئي. يقول احمد تيمور: "أعرب المسلمون عن عقيدتهم بالامتناع عن التعبير الفني كالتصوير، والنحت عن الله والانبياء والانسان، وفي يوم القيامة سيلاقي كل من صور كائنا حياً عقاباً صارماً وعذاباً اليماًًً. وكان لهذا التحريم سببه الجوهري، مجابهة الديانات الوثنية والمسيحية التي كانت تجعل الانسان متعبداًً لتماثيل الآلهة والقديسين ولصورهم. هذا عن الاسلام فماذا عن المسيحية؟

انتشرت المسيحية في ارض اليمن والجزيرة العربية قبل ظهور الاسلام. لا يقول الباحث سمير عبده لنا تحديدا مَن سعى في تبشير انسان الجزيرة العربية واليمن، وإن اشار الى "ان للهاربين من المملكة البيزنطية بسبب الاضطهاد الهرطقي فضلا كبيرا في نشر المسيحية في البلاد العربية، في القرنين الرابع والخامس للميلاد"، ويضيف: "اذا راجعنا كتبة العرب مثل الطبري وياقوت الحموي وابن خلدون نجد ان اهل نجران تنصروا على يد رجل اسمه فيمسيون لكن ملكهم كان متعصباً للدين اليهودي فاضطهدهم واحترق حوالى عشرين الفا منهم، وتم الاستنجاد بالامبراطور البيزنطي بستينوس الذي امر ملك الحبشة بمحاربة الملك اليهودي".

يذكر التاريخ التواجد المسيحي في عمان والبحرين حيث كانت تلك البلاد مليئة بالكنائس والاديرة وحتى بعد ظهور الاسلام، اي نحو عام 676. ويروي مؤرخو العرب امثال ابن الاثير وابن خلدون وابي الفداء أـن سادس ملوك دولة بني جرهم كان عبد المسيح بن جرهم، مما يؤكد ان المسيحية دخلت مكة بعد موت المسيح بقليل. وعن تدوين الانجيل يذكر المؤلف ان متى سجل الكتاب المقدس بالحرف العبراني، ونقل هذا الانجيل الى اللغة اليونانية. والانجيل بحسب العبرانيين، اي ما دونه متى، كان الكتاب المقدس للنصارى من بني اسرائيل. اما المسيحيون فكانوا يستخدمونه بترجمته اليونانية، وهو الانجيل بحسب مرقس، وبحسب لوقا، وبحسب يوحنا. ويورد المؤلف ان نقصان المسيحيين والنصارى في الجزيرة العربية واليمن حدث بعد اوامر الخليفة عمر بن الخطاب باجلائهم منها، وان اكثر القبائل العربية (نحو عشرين قبيلة) كانت مسيحية الطابع، ومن اهمها تغلب، وقيل: لو تأخر الاسلام لأكلت تغلب العرب".

يقول سمير عبده: "لعب المسيحيون دورا مهما في ظل الدولة الاسلامية ابان القرن الاول الهجري حيث برزت مساهمة القبائل المسيحية (خاصة السريانية) ابان الفتوحات العربية، وفي تثبيت اركان الحكم، وبقيت جماعات كثيرة على دينها مثل اقباط مصر، وموارنة لبنان، وتغالبة الجزيرة، وكان نصارى الشام من القبائل التغلبية يشكلون سندا للامويين في الجيش، وفي الاسطول. وبقيت ادارة الدواوين في ايديهم، وسمح الخلفاء والولاة لهم ببناء كنائس جديدة". الى ذلك، لعبت الاديرة في المنطقة دورا مهما في التوعية ودعم الانسان الجديد الحامل افكارا جديدة.

إلى ذلك تزعّم السريان حركة الترجمة من الحضارة الاغريقية إلى السريانية ثم إلى العربية، أي أن اللغة السريانية لعبت دور الوسيط بين اللغتين العربية واليونانية. ويذكر العالم ديمتري غوتاس: "ان حركة الترجمة في صدر الاسلام جاءت نتيجة حماسة علمية لدى المسيحيين الناطقين بالسريانية كما كانوا يجيدون اليونانية والعربية واشتهرت مراكزهم في الرها وقنسرين ونصيبين والموصل حتى جنديسابور. وكمثال على الهوس الترجمي فان ثاوفيل الرهاوي رئيس منجمي الخليفة المهدي ابي هارون الرشيد نقل كتابي هوميروس (الالياذة والاوديسا) من اليونانية الى السريانية في عناية وفصاحة". وتزعم حركة الترجمة بلا منازع حنين بن اسحق، ثم يوحنا بن ماسويه، واسحق بن حنين والحجاج بن مطر ويوحنا بن البطريق، وعبد الملك بن ناعمة الحمصي، ومتى بن يونس، وابو علي اسحق بن زرعة، وسواهم العشرات.

ملاحظة

عن جريدة النهار اللبنانية