السبت ٢٧ آب (أغسطس) ٢٠١١
بقلم أمينة زوجي

إيقاعات الليل

أغلق سعد النوافذ وفتح المذياع، بيد أن صدى الزغاريد وتهليل النسوة يخترقان طبلة أذنيه، ينفذان إلى أعماق دماغه المشوش، يحس بآلام جسيمة في رأسه تنبش ذكريات تائهة، لا القهوة ولا الأقراص نفعت في التخفيف من وتيرتها.

كان وحيدا بين جدران غرفته، أمه، أخته الصغرى وجميع أهل الحي يحتفلون الليلة بزفاف نجاة ابنة الجيران، ذبح والدها عجلا سمينا، وأحضر العريس أكلة "البسطيلة" المحشوة باللوز والحمام من أرقى المحلات، أغدق عليها أجود الهدايا من الأثواب والحلي، وجاء بأشهر الفرق الشعبية لأحياء الزفاف، الذي تحول إلى مهرجان صيفي يستقطب المولعين بالرقص و "أصحاب الحال".

يساءل سعد نفسه، إذا ما كنت نجاة تعاقر كؤوس السعادة بين إيقاعات الموسيقى وتمايل الفتيات؟ تراها تهمس بدلال في أذن عريسها وتوزع الابتسامات تحية للضيوف؟ تراها مغتبطة بليلتها؟ أم لعلها حزينة منكسرة؟ لعلها تترقب معجزة من السماء تحول بينها وبين هذا الزفاف الذي لم تحلم به يوما؟

تارة تعتلي قسمات وجهه ملامح البؤس والحسرة، وتارة يكشف عن ابتسامة لا معنى لها، لم يعهد في نفسه هذا التناقض الكبير من قبل، ربما لم يتوقع أن يتجرع مرارة الندم وخيبة الضياع، لم يجرب أن يحصد زرع يداه، ويجني ثماره الفاسدة، بعد أن ظن نفسه المنتصر.

الإيقاعات الموسيقية تتعالى وألام رأسه تشتد، ينتفض في مكانه، يلتفت يمنة ويسارا كالمسعور، هل يهرع إلى نجاة ليجثو على ركبتيه أمامها ذليلا؟ هل يتسلل من بين الجموع ليخطفها كالحكايات؟هل يقتل العريس ويطرد الضيوف؟ أتراها تسامحه إذا ما رأت ندمه؟
إنه الجنون لا محال، كيف غاص به التفكير إلى هذه العمق، وقد كانت قبل أيام بين يديه كطائر محتضر، تتوسل إليه أن لا يجهز على أحلامها، أن لا يحاكمها بجريرة الحب، ذرفت الدموع رذاذا ومدرار، شهقت باسمه في السر والعلانية، الجميع كان على اطلاع بالحب الذي يجمعهما، المنتزهات، الشوارع والمقاهي بالمدينة تشهد هي الأخرى بما كان بينهما، لكنه رفض أن يربط اسمه باسمها، رفضها أن تكون شريكة لحياته وأما لأولاده، لان المرأة في عرفه تغزى ولا تغزي، تحلم في صمت ولا تجتهد في الإفصاح عن ما يخالج خواطرها، ذنبها أنها كانت في الحب متمردة، كانت جريئة، تبادر إليه بشغف، تملأ الدنيا هياما وحبورا عند لقائه، وترفض أن تكبت لهفتها إليه في قلبها.

تشتد آلام رأس سعد أكثر فأكثر، يندفع اتجاه النافذة، يفتحها فتبتلعه الإيقاعات، يحاول الصراخ فتخنق الصرخة في حنجرته، العروس بفستانها الأبيض في السيارة وإلى جوارها عريسها يودعان الأهل، إنها تلوح بيديها وكأنها تنفض الماضي قبل الرحيل، يصرخ سعد مرة ومرات، فتذوب صرخاته بين الإيقاعات، لا أحد يلتفت، لا أحد يستجيب، السيارة تبتعد، ونجاة تبتعد، تتلاشى في سراب ظلمة الليل، كأنها لم تكن.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى