لمناسبة مرور ٢٥٠ عاماً على ميلاده

الناي السحري لموتسارت

، بقلم سعود الأسدي

لعل فن الأوبرا من أرقى ما وصلت إليه الفنون في الغرب ، وهو جماع لفنون ثلاثة من موسيقى وغناء وتمثيل تتداخل جميعها في عمل واحد يُسمّى " أوبرا " وهي مسرحية ملحّنة مغنّاة تمتاز بمقدمة موسيقية (( Overture ، قد تطول وقد تقصر بمقتضى بناء الأوبرا الفني ، وبحبكة قصصية لموضوع تراجيدي أو كوميدي أوتراجيكومي ، وأدوار متعددة متداخلة لشخصيات كثيرة على رأسها بطل القصّة ، وينظمها على خشبة المسرح عمل مـركب منسجـم متناسـق بتعدد أصــوات غنائيـة في مقاماتهـا وطبقاتهـا وأدوارها ، و( Airs ) آريات ( أغان مفردة مميّزة ) وليتموتيفات ( ألحان رائدة معبّرة عن شخصيات الأوبرا أو عن مواقف أو انفعالات معيّنة) ،وكورس ( فرقة منشدين )، وأبطال ثانويين ، وأداء موسيقى ملازم يوزّع أدواره قائد أوركسترا إلى جانب ديكور مسرحي وتزيينات بمناظر وتأثيث مناسب وألبسة ملائمة للفترة الزمنية ، وهندسة صوتية وتحكم بالإنارة والأضواء ، كل ذلك من الأعمال الهامة التي تتكاتف وتتآلف لخلق المتعة الكبيرة والفائدة العظيمة للمشاهد ، وهو المستهلك الأول والأخير لهذا الفن الراقي والسامي النبيل .

لقد تفوّقت إيطاليا منذ القرن السادس عشر بأعمال أوبرا ضخمة ، فكانت النموذج المحتذى لكل دول أوروبا ذات الاهتمام بهذا النوع من الفنون. ولكن ألمانيا وفرنسا وروسيا لم تلبث أن رسّخت فن الأوبرا في نتاجها الموسيقى المسرحي الغنائي . وهناك مئات الأعمال الأوبراتية التي تعدّ بالمئات ، وتعتبر مفخرة تراثية وإنسانية كبرى ، منها حلاّق إشبيلية لروسيني ، والبوهيمية لبوتشيني ، وعايدة لفيردي ، وكارمن لبيزية ، ويفجيني أونييجن لتشايكوفسكي .

وأما بيتهوفن فبالرغم من عظمته وكونه في المرتبة الأولى من الموسيقيين العالميين فلم يترك سوى عمل واحد في فن الأوبرا هو فيديللو ، وأما موتسارت فقد ترك أعمالا كثيرة بارزة لاتفني جدّتها مع الأيام ، منها الهروب من السراي ودون جيوفاني وزواج فيجارو وكل النساء سواء والناي السحري .

إن للناي السحري في قلبي مكانة خاصة فقد حظيت برؤيتها في أحد مسارح بطرسبرج عام 1993، ولم أتمالك عن البكاء لدقة العمل وسحره وتأثيره وروعته المذهلة وفخامته والجمهور الغفير المهذب ، حتى كدت أن أهمّ بالنهوض من مقعدي لتقبيل يد المهرج الذي كان يمثل " صياد الطيور" عندما نزل عن خشبة المسرح ، ومشي يغني بين صفوف المقاعد لولا الحياء والخوف من أن يفسر نهوضي لغير ما أضمره مما قد يثير استهجاناً وهمهمة ولغطاَ في جمهور لا يهمس همسة فضلاً عن أن ينبس بكلمة . ولكن للأمانة والصدق فقد تذكّرت بعد انتهاء العرض سيد درويش وجهوده الجبارة في إصلاح موسيقانا الشرقية والنهوض بها وتطويرها من خلال المسرح الغنائي ، وقد كان سيّده ، ورثيت موته المبكر وجهوده التي دفنت معه وهو الموسيقى العبقري والمبدع العظيم .

حكاية من حكايات الجن

وحكاية أوبرا الناي السحري أشبه بحكاية من حكايات الجن في ألف ليلة وليلة . وهي فائقة في الرقة والعذوبة والجمال تتأرجح بك أنغامها وألحان أغانيها وكلماتها بين مملكتي النعيم والجحيم بصورها الزاهية وألوانها المتألّقة ، وبتناقضها الإنساني الواقف على مفترق نجدين : إمّا السعي الدؤوب وصولا إلى ما يقره الحظ من قناعة بسعادة دنيوية ، وإمّا النفاذ بالبصيرة إلى عالم الحكمة السامية والحقيقة المثالية المطلقة .

صراع بين النور والظلمة

تتنازع ضمن إطار هذه الأوبرا قوتان : قوة شيطانية شريرة متمثلة في" ملكة الليل" تعاونها نسوة ثلاث غرغونات (مكسوات الرؤوس بالأفاعي) حيزبونات تخططن للانتقام ، وقوة ملائكية نورانية متمثلة في " ساراسترو" الباسط نفوذه على هيكل الحكمة حيث تحفّ به كهنة المعرفة وأساطين الحكمة دعاة القوانين الأخلاقية التي سيقف في أعلى درجات سلم رقيها الإنساني ونضوجها العقلاني في النهاية الأمير" تامينو" . وهوالذي سلك السبيل الأمثل إلى الكمال ، وحمى نفسه من التردّي والسقوط . والفتاة " بامينا " الحسناء الرقيقة ابنة ملكة الليل التي نشأت وترعرعت في كنف أمّها بمملكة الظلام حتى تطهّرت أخيراً في هيكل الحكمة بنار الحب المقدّسة ، وأصبحت لا تليق إلا بأمير كريم وندب هميم هو تامينو .

مرح فطري وخفّة دم

موتسارت في أوبرا الناي السحري يلعب لعبة البساطة والعمق ، والفرح والحزن وسائر التناقضات بموسيقاه المهذبة والمصقولة كالألماس ، فهو مثلا يجسّم في شخصية " باباجينو " صياد الطيور وبائعها المرح الإنساني الفطري وخفّة الدم ، وقد كتب على هذا أن يمرّ بتجارب قاسية برفقة تامينو لتحرير بامينا من أسر مملكة الليل . وباباجينو هذا ظلّ يسعى بخفة دمه إلى متع الحياة البريئة من طعام وشراب مقايضة بطيوره ، ولكن بنية بذيئة مع النسوة اللواتي كنّ يتحرشن به ، وما أكثرهن يعترضن سبيله ويمازحنه ويساومنه على طيوره الجميلة ، يحملها في قفص على كتفه ويرقص بها وينفخ في صفّارات من قصب الغاب مترنّما في الساحات والأزقة وتحت الشبابيك ويغني بصوته الجهير :

أنا صيّــاد الطيـورْ دايماً فرحان ومسرورْ
وانا معروف ومشهور بعرفوني كبيـر زْغيرْ
أنا صيـاد الطيور
ابلبس الريش الكذّابْ وبعزف عا قصب الغابْ
وبغري الطير وما بيهاب مني وبكمشـو بْيَـدِّي
وبصبح في القفص مأسورْ وأنا صيـاد الطيـور
بدي شبك شو ما كانْ أتصيّد فيـه النسوان
بالدزينه شكال لْوانْ ويصيرو كلهن عندي
وأنا صيـاد الطيورْ
ويصيرو كلهن عنـدي وأقعد مثل الأفنـدي
والحلوه اللي تبوس خدي هِيِّ من دون النسوان
بالفرشـِـه تنام بْحدّي وتحت راسا أوضع يدي
وأهزّلها حتى تنـــام مثل الطفل لزغيــور
وأنا صيـاد الطيور

تلخيص الناي السحري

تجري أحداث الناي السحري في فصلين رئيسيين ففي الفصل الأول نرى الشاب الوسيم الأمير تامينو يصطاد بقوسه ونشّابه في واد سحيق بغابة خضراء .. وقد أدركه الغروب فضلّ عن سبيله حتى أفضى به ضلاله إلى مملكة الظلام . وفيما هو سائر في مضيق لايدري فيه يمينه من شماله وإذ بباهشة ( أفعى مخيفة )تعترض سبيله وتأخذ في مطاردته لابتلاعه . ولولا ثلاث نسوة كنّ قد تسربلن الظلام في انتظار" ملكة الليل" تصدّين للأفعى وقامت إحداهن بطعنها بالرمح من خلف لما نجا تامينو من الموت المحدق ، ثم إن النسوة بعد أن أفاق تامينو ، وكان قد سقط مغشيّاً عليه ، أكبرنه لما أن رأين جماله ، وفُتنّ به وغالب بعضهن بعضاً فيه ، ولسان حال كل واحدة منهن يقول :
لمّا تبدّى إلى الأنظـارِ رونقُه

وحارتِ الناسُ طرّاً في معانيه

قلتُ مقالَ زليخا في عواذلِها

فذلكـنَّ الذي لُمْتنّني فيـهِ

وكان أن حضرت " ملكة الظلام " بذاتها وغنّت آريا رائعة كلّفت بها تامينو أن يعيد لها قرص الشمس وأن يسعى جاهداً وبكل حيلة ووسيلة لتحرير ابنتها الحسناء " بامينا " من أسر " ساراسترو" الباسط نفوذه على هيكل الحكمة ، وقد وعدته إذا خلّص ابنتها بأن تزفها إليه .

ألحب والواجب دافعان قويّان

وبدافع من الحب والواجب أخذ " تامينو" على عاتقه مهمة خلاص" بامينا " ، وكان قد تعرّف على جمالها الساحرمن صورة لها معلقة بسلسال كانت النسوة الثلاث قد أطلعنه عليها ، ثمّ أعطينه ناياً سحريا ًتجعل أنغامه الوحش أنيساً أليفاً ، والغول جليساً ظريفاً . وكذلك أعطين صيّاد الطيور "بابا جينو" رفيق تامينو في مهمته أجراساً سحريّة صغيرة لتكون والناي السحري حرزاً من كل ضرر ودفعا لكل خطر . وانطلق الاثنان لتحريرالفتاة "بامينا " الأسيرة، يرشدهما في رحلتهما ثلاثة فتية في رحلة شاقّة ومهمّة عسيرة .إلى دروب السلامة والأمان والنجاة .

المغربي الشريـــــــــــــــــر

وكان لساراسترو مولى مغربي أدهم اللون يسهرعلى حراسة بامينا اسمه " مونوستاتوس " وقد أسرّ هذا في نفسه هوى بامينا ، وكانت قد اعتصمت وأبت ولم تستسلم له في محاولاته وهو يراودها عن نفسها .. وتظلّ في أسرها تكابد العناء وتقاسي الضنى ، والشوق يغالبها للخلاص والعودة إلى كنف أمّها ملكة الليل . وبينما لم يستطع تامينو أن يلتقي فتيته المرشدين بعث برفيقه باباجينو ليجوس سرّا خلال ردهات هيكل الحكمة فلقي هذا بامينا وطمأنها أن هناك أميراً يدعى تامينو يسعى إلى خلاصها الوشيك ، وما عليها إلا الصبر ، وما بعد الشدّة إلا الفرج .

موسيقى ترقّص الوحــوش

وبعد أن انتهى تامينو إلى لقاء فتيته الثلاثة المرشدين وهدوه إلى دروب السلامة بالصبر والصمت عزف تامينو بنايه السحري ألحاناً عذبة شكراً لله الذى أبقى تامينا على قيد الحياة ، فجعلت موسيقاه الوحوش الضواري ترقص حوله طرباً وتتمسح به أنساً وعجباً ، كما كان يفعل أورفيوس الشاعر الغنائي اليوناني في ماضي الزمان .. ثم يسارع تامينو إلى التفتيش عن بامينا بعد أن سبقه رفيقه باباجينو إلى العثور عليها ، وقد أخذ هذا يدق الأجراس السحرية دقّاً هدّ حيل مونوستاتوس الشرير فخارت قواه ، وهرب لا يلوي على شيء .

لقاء تامينو وبامينا

وعندما سمع ساراسترو بقدوم غريبين يجوسان خلال ردهات "هيكل الحكمة " ، واشتمّ بفراسته القوية رائحة شيء ما يدبّر في الخفاء ، وعلم بمراودة مونوستاتوس بامينا عن نفسها أرسل للقبض عليه لإيقاع العقاب به ( سبعة وسبعين جلدة ) . وأخيراً التقى بامينو ببامينا وجرى بينهما حوار ما فتىء أن انقلب إلى مناجاة حبيبين مولّهين . ولكن ساراسترو لم يمكّن الحبيبين من الوصال حتى يمر تامينو ورفيقه بمحن شديدة وتجارب قاسية أقلها تجربة الماء والنار، ولجم الفم عن الكلام مهما جرى وصار.

الفصـــل الثانـــــــــــــي

وبما أن ساراسترو كان عاقلا حكيما ، ومتسامحاً كريماً ، وتحفّ به كهنة ومفكّرون فقد قرّربدعم من رأى مستشاريه أن يمنح تامينو ورفيقه باباجينو حرّيتهما إذا هما ثبتا في المحن ، وصمدا في التجارب القاسية ، وكان أن أرشدهما إلى طريق الخير والواجب الإنساني ، والاّ ينبسا بكلمة عن التجربة القاسية . وبالرغم من أن باباجينو كان ينسى نفسه أحياناً فيأخذ بالثرثرة ولا يحبس لسانه عن الهذر فإن تامينو لم يكن ليفوه ولو بكلمة واحدة . ولماذا يفوه ؟! وهو الذي كسب ثقة " ساراسترو " العاقل الحكيم ، وأن حبّه لبامينا أصبح هياماً شديداً بها ، وأن بين يديه ناياً سحرياً يفعل به العجب ويغلب كلّ من غلب !! وهو حرزه المكين وحصنه الحصين من كل خطر وضرر . ولذا نراه في صيام عن الكلام حتى في أحرج المواقف كالتقائه بالنسوة اللاتي بعثت بهن ملكة الليل لتذكيره بوعدها له بالزواج من بامينا إذا خلّصها من الأسر .

ملكـــــة الليل تتامــر

ولما علمت ملكة الليل بحسن علاقة تامينو بعدوها ساراسترو ، وأنه وضع ثقته وثقة كهنته فيه بعثت إلى ابنتها بخنجر مسموم لتطعن به ساراسترو ، ولكن بامينا لم تطع والدتها بل أطاعت صوت ضميرها ، ولذا أسقط في يدها لعلمها أن ساراسترو ليس شريراً بل رجل خير وإحسان ، وعاقلاً حكيماً ونصيراً للمظلومين .

محاولـــة انتحـــــــار

وإذا كان قد قدر للحبيبين تامينو وبامينا أن يمشيا طريق الشوك ويسلكا درب الآلام قبل أن يتحقق حلمهما بالزواج ، وكانت ذروة التعقيد في امتناع تامينو عن الكلام ـ كما وعد ـ عندما التقي بحبيبته بامينا . فلقد أثار صمته المطبق شكوكها في صدق حبّه لها مما دفعها إلى التفكير في الانتحار ، بغرز الخنجر المسموم في صدرها ، ولكن كيف تنتحر والحبّ دعوة إلى الحياة ؟! والمحب الحقيقي يقوى بحبه فلا ينتحر . لذا فإنّ هاتفاً في صدرها نادها ونهاها فخارت عزيمتها وهوت إلى الأرض ، فقام الفتية الثلاثة برفعها وشدّوا حيلها وأخرجوها من الحرج بان التقت بتامينو .. وظل يصابرها وتصابره على كل كرب وأمر صعب بمساعدة الناي السحري الذي كانت أنغامه تخلق من العسر يسراً ومن الترح فرحاً !

وأخيـــراً جاء النصــر

وأخيرًا جاء النصر فارتفع شأن تامينو وفتاته الحسناء بامينا بعيون الرعية ، وكانت السعادة من نصيبه ونصيب باباجينو الذي لقي بدوره سعيدة الحظ باباجينا المرأة الطروب اللعوب لتكون زوجاً له بالرغم من ثرثرته وضعفه في تجربته ، فإن ساراسترو ورجاله قد سامحوه ولم يعاقبوه بسبب مرحه وخفّة ظلّه . وأما ملكة الليل وأعوانها من النسوة الغرغونات الحيزبونات والمولى المغربي مونوستاتوس الذي كان قد قلب ظهر المجنّ لسيده ساراسترو ، ولجأ إلى ملكة الليل ليعرض خدماته بأن يقتل ساراسترو ويحرق هيكل الحكمة ويدمّره على من فيه ، فإن أولئك جميعا كانوا قد ذهبت ريحهم ،وخرّوا صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية ، وقذف بهم في ظلمة أزلية بعد أن تغلّبت عليهم مملكة النور الإلهي .. واحتفلت الرعية بانتصار الحبيبين أعظم احتفال وأروعه !


سعود الأسدي

شاعر فلسطيني من كبار شعراء فلسطين

من نفس المؤلف