ساداتُ كلّ أُنَاسٍ مِنْ نُفُوسِهِم

، بقلم عثمان آيت مهدي

ما أجمل أن تتيح لنفسك من حين لآخر، فسحة مع الشعراء والأدباء، منطويا في بيتك، متنقلا بين الكتب، متجولا بين العناوين والمواضيع، متوقفا عند بعض الآراء، متأملا سعة إدراك هؤلاء بواقعهم، ورؤيتهم الثاقبة التي تجاوزت عصرهم، وأطلت على عصور من بعدهم في صدقها وقوتها! كانت ليّ هذه المرة فسحة في ديوان أبي الطيب المتنبي، وهو بمصر في ظل حكم أبي المسك كافور. لم تكن نهاية إقامة المتنبي بمصر سعيدة، بعدما دبّ الشقاق بينه وبين كافور الأخشيدي، وتأزمت العلاقة وأصبح الفراق بينهما لا مفرّ منه. لم يكن راضيا بحكم أشخاص لا شرعية لهم، استولوا على السلطة قهرا وبسطوا أيديهم على مقاليد الحكم قسرا، ونصّبوا أنفسهم خلفاء وحكام على المسلمين ظلما وجورا، فما كان من أبي الطيب المتنبي، وهو يغادر مصر إلى الشام، إلا أن يهجو الحاكم والمحكوم كليهما هجاء لاذعا، مقذعا على نحو قوله:
ساداتُ كلّ أُنَاسٍ مِنْ نُفُوسِهِمِ وَسادَةُ المُسلِمينَ الأعْبُــــدُ القَزَمُ

أغَايَةُ الدّينِ أنْ تُحْفُــوا شَوَارِبَكم يا أُمّةً ضَحكَتْ مِن جَهلِها الأُمَمُ

كان أبو المسك كافور ذميم الوجه، قبيح الشكل، مثقوب الشفة السفلى، مشوه القدمين، ابتاعه أحد تجار الزيت يدير معصرة، فكان لهذا العبد المسكين أن يدوس برجليه الكُسبَ، ويحمل الأواني على كتفيه، ويفترش الأرض بعدها لينام. تقبل عليه الأيّام وتبتسم له، فينتقل من هذا العمل الشاق من تاجر الزيت إلى ابن عباس الكاتب حيث مكّنه من القراءة والكتابة، وبعد ذلك أهداه إلى محمد ابن طغج. وهنا تبدأ مسيرة أبي المسك كافور نحو العلى وبلوغ المرام. تشاء الأقدار والظروف السياسية أن يموت محمد بن طغج الإخشيد ويترك أنوجور ابنه صبيا لا يقدر على تدبير الحكم، يقوم أبو المسك كافور نيابة عن الطفل بإدارة دواليب الحكم، مبعدا أنوجور عن الظهور أمام الناس ليأفل نجمه سريعا ويسطع بالمقابل نجم كافور بدعاء الخطباء والأئمة له بالحكم الراشد والرأي الصائب، ويحكم مصر قرابة أربعة عشر سنة. يموت أنوجور، ويفعل كافور بعلي بن الأخشيد الذي كان يهابه ويتجنب سطوته وغضبه نفس ما فعله بأنوجور، ويصبح كافور السلطان المطلق اليدين فيما يقوم به ويفعله، بالرغم من أنّه لم يحصل على تفويض من الخلافة العباسية ولم يواجه اعتراضا منها.

كذلك، كانت تدار شؤون الرعية في العصور السابقة بدرجات متفاوتة من عصر لآخر، إلا أنّ القاسم المشترك بينها هو القبضة الحديدية والحكم بمهابة السيف، فلا يقوى أحدهم أن يخالف رأي سيّده، وإن كان ظالما أو طاغيا. توارثنا الطاعة والانصياع لأوامر الحاكم، بعض هذه الطاعة العمياء فرضت على أمّة الإسلام بأدلة شرعية وفتاوى دينية لنقرأ معا هذه الأحاديث: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِى فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ يَعْصِنِى فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِى وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِى". عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ". عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ : إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيّ - صلّى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَال: "عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ".
أحاديث كثيرة تنسب للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تمنع الخروج عن الحاكم، وأضاف بعض علماء البلاط، عدم جواز الإضراب عن الأكل أو عن العمل، عدم جواز الخروج في مسيرة ضد حاكم أو قرار جائر. فسدّوا بذلك جميع الأبواب التي تعيد للرعية مكانتها وحقها في القرار السياسي. وبعض هذه الطاعة العمياء للحاكم جاءت كنتيجة حتمية لتعوّد المسلم على الانصياع والتبعية، وأصبح مثله كمثل قصة الفيل الإفريقي الضخم الذي وضعت بإحدى رجليه سلسلة من حديد، كلما حاول الفرار آلمته، وبقي كذلك مدة معينة، إلى أن برمجت حركته على الألم، ثمّ انتزعت من رجله السلسلة بعدما تعّود الانصياع والطاعة. وهكذا أصبحت أمة العرب والإسلام ينطبق عليها قول الشاعر معروف الرصافي:

جار الزمان عليهم في تقلُّبه
حتى تبدّلت الأخلاق والشيَم
دبّ التباغض في أحشاهم مَرَضاً
به انْبَرَت أعظم منهم وجَفَّ دم
فأصبح الذُل يمشي بين أظهرهم
مشي الأمير وهم من حوله خدم
فأكثر القوم من ذلّ ومَسكَنة
تلقى الذباب على آنافهم يَنِم

متى كان الإسلام معيقا لتحرر الإنسان؟ ومتى كان أمل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يرى أمّته متخلفة، مستعبدة، جاهلة؟ أحقًّا هذه أمّة الإسلام في القرن الواحد والعشرين؟ إنّ ما نشاهده في مجتمعاتنا لا يبشر بخير، ما زرعته الأنظمة العربية في بلاد العرب، وما زرعه علماء الدين والبلاط في أرض الإسلام، نحصده جاهلية وحقدا وتعصبا وأمراضا نفسية واجتماعية وثقافية. أما حان أن يتحرر العربي من نظامه الفاسد، المتعفن، والمسلم من علمائه المتزمتين، المتنطعين، الجامدين، الرافضين لكل تطور وتقدم؟ فسادات كلّ أناس من نفوسهم، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.