سوس الحالمة ... بزوج أنترنيتي:

، بقلم مصطفى أدمين

شهر يناير والناس تسبح في خليج أكادير. في باقي ربوع المغرب الكثير من الأمطار والفيضانات، ولكن في أكادير العظيمة ولا قطرة ماء تأتي من السماء.
قال موسى إسلمان لمن تصَبَّرَ على سماعه:"إن الجفاف في أكادير إشارة عن غضب الله من الأفعال المقترفة فيه. فالزوار والمحليون لم يتركوا فندقا لم يمارسوا فيه شذوذهم الجنسي، ولأن المدعو السرفاتي البلجيكي الجنسية لم يترك فتاة أو امرأة من بنسركاو والدشيرة الجهادية ولابيركولا وحي بوتشاكاتْ إلا وصوّرها بكاميرته وهي في أشقى وضعيات العُري... كيف لا يعاقبنا الله وقد صوّر الكافر السرفاتي امرأة بحجاب وهي في وضعية الركوع؟... كيف لا ينتقم الله منا وقد سرق أحدهم مطاعم القصر الملكي العامر ولم يترك فيها ولو ملعقة فضية أو كأس كريسطال؟... كيف لا، وقد تحايل أحد أبناء الأعيان على مهاجر مغربي حتى باعه باخرة صيد محجوزة؟... كيف لا ينتقم الله منّا، والدعارة الرخيصة متفشية، والقرقوبي منتشر في كل حيّ، واعتراض سبيل المارة صار يحدث بالنهار قبل الليل؟"
غير أنّ إسلمان نسي أنه في بعض الأعوام تهطل الأمطار بغزارة على منطقة سوس وتغرقها في الخضر واللحم والفواكه والسمك؛ فهل الله عند ذلك راض على الناس؟
دلف الأستاذ زايو إلى مكتبي وخلفه امرأة خلتُ أنني أعرفها... متبرّجة وآية في القبح:
ـ رجاءً السي عمر، اعتن بهذه الزبونة !
ـ اسمي فاضنة إفَلاسْ. أرغب في ترجمة بعض الوثائق إلى الألمانية... هاك ! إنها شهادة ميلادي وموجز سيرة عملي وشهادة عزوبتي، وشهادة طبية تشهد لي بصحتي وعافيتي، وعقد إيجار باسمي وشهادة السوابق العدلية تشهد لي بأنني لم أعتقل من قبل وشهادة حياة أفراد عائلتي وشهادة صحية شاملة بأنني خالية من أيّ مرض وبالأخص مرض السيدا والكُباد (س) وبأنني لم أخضع إلى أيّة عملية تجميل أو ترقيع... أريدك أن تترجم كلّ هذه الشهادات إلى الألمانية لأجل الزواج.
كانت التاسعة صباحا عندما دخلتْ مكتبي تلك الكارثة، وبقيتُ معها في الشغل حتى التاسعة ليلا... في القلق والجوع والعرق.
لم تكن فاضنة إفَلاسْ بالسوء الذي ضننت فقد نفحتني 200 درهما عن اصطباري عليها بالإضافة إلى ثمن الخدمة ودعتني إلى العشاء في مطعم/بار صغير "تيو بيبي" الكائن بالمنحدر الدرجي بشارع 20 غشت.
كانت هي مسرورة على ما يبدو، وكنتُ أنا محرجاً بها؛ فأنا على قدر من الوسامة وهي آية في القبح كما قلت. لم تكن فاضنة زنجية، كانتْ مصيبة "كحلاء"، ولا بدّ من الاصطبار على سيل كلامها الأخرق وضحكاتها الانفجارية وهذيانها بالزواج من رجل أنترنيتي والعيش معه في ألمانيا عيشة الأمراء، تلبية لطلب أستاذي المحترم.
ركنتْ سيارتَها ال"سْيات" التي علّقت على زجاجها الخلفي "هذا من فضل ربّي" في مَركن سيارات فند آنيزي ثم جرتني من يدي إلى صيدلية مقابلة حيث اشترت علبة "فازلين" من فئة 500 غرام ودسّتها في محفظة يدها.
كنت بين الفينة والأخرى أفكّر في ورقة ال 200 درهما التي ناولتني في المكتب "هل أردّها إليها وأنجو؟" لكنني تذكّرت طلب الأستاذ زايو عندما جاء بي إليه صديقنا المشترك المحامي محمد أوْرّيكْ:"على محروسِك أن يهتمّ لأمرين: سمعة المكتب ومردوديته". وأنا في يومي أربحتُ المكتبَ ألف درهم وربحتُ مائتي درهما... غدا سأشتري لخولة جهاز MP3 الصغير الحجم لأجل دروسها اللغوية والموسيقى.
لم تطلب مني خولة أن اشتري لها هذا الجهاز وإنّما شعرتُ بحاجتها إليه عندما رفرفتْ رموش عينيها وهي تراه من خلف زجاج فيترينة. لي اليقين أنها ستفرح، ذلك لأن أجمل هدية يمكن لك أن تقدّمها لامرأة هي "الهدية اللامتوقّعة" في ظروف عادية جِدّا.
ونحن ننحدر إلى المطعم/البار الصغير، اشترتْ فاضنة عقداً من المرجان الأحمر وتمثالا لقطٍّ من المرمر الأسود.
ـ أحبّ القطط، قالت. "أنا لا أحبّ القطط؛ فهي أنانية خائنة" قلتُ في نفسي؛ "أنا أحب الكلاب لوفائها والسحالي لصمتها".
في المطعم، ارتمتْ على كرسي تعرفه ويعرفها. أنّ. ضحكتْ بأسنانها البارزة. سحرتْ سيجارة مارلبورو وهي مشتعلة. جمّرتْها، ثم نفختْ دخاناً أزرق من منخاريها العريضين.
تلصّصتُ على ساعتي فحدجتني بنظرة من عينيها الكرويتين. وجاء الجرسون بالمأكولات:
ـ هل تشربْ؟
ـ أشرب ماذا؟
ـ الشراب آويلي !
ـ وأنتِ هل تشربين؟
ـ هل تعرف شخصاً لا يشرب في أكادير؟ قالت وهي تسحق عُقب السيجارة المفحّم في مِطفأة.
ـ ...
ـ جرسون؛ هات الشراب وزد في الموسيقى!
تمنّيتُ لو كانت خولة معي الساعة في هذا المطعم/البار الجميل ونحن نتعشى على السمك ونشرب ونصغي إلى موسيقى الفلامينكو والعشق.
"... أعمل بمكتب الطيران... زميلاتي يحسدنني على جمالي... أغرم بي مُرادْ فور تعرّفه عليّ في مقهى بمحطة القطار بالرباط، ولكن عائلته أرغمته على ترك عمله بفاس... والسفر للعمل بأمريكا... ولي "فيرما" بنواحي تارودانت... ورصيد في البنك هنا... أنتَ لا تسمع... قلتُ لك أغرم بي ذلك الألماني على الفور: رآني عبر "الويبكام" وكتب لي بإنجليزية ركيكة (تضحك)؛ أيْ لوف يو... يو أرْ فيري بريتي..."
ترجمتُ على الفور:"آيْ حلّوف يو... سيري فينْ تْباتي".
ـ هل أنتَ متزوّج؟
ـ نعم ولي ثلاثة أطفال.
ـ دوماجْ!
إنها تتأسّف. هل تفكّر بالزواج بي؟ لقد شرعتْ تتخطّى الحدود. قد تقفز عليّ من مجلسها وتتكئ عليّ بقبلة فنطاستيكية...
في الحادية عشرة من تلك الليلة البهيمية كرهتُ نفسي. تمنّيت لو كنتُ في عرض المحيط مع الطيّب أزلماض ومجموعته. تمنّيتُ خولة. تمنّيتُ أن أكون في فراشي في موسيقى هادئة لمجموعة جيبسي كينكز... تمنّيتُ أن أكون في أيّ مكان عدا الذي أنا فيه.
أنا هنا مع فاضنة إفَلاسْ سجين اللياقة والأدب والماركوتينغ.
1200 درهماً أخرى هو المبلغ المالي الذي أدّته "الكارثة" للجرسون، وبدل أن تتركني أذهب لحالي، جرجرتني إلى فندق آنزي، إلى طابقه العاشر للمزيد من الشرب والرقص.
"هِركولة"؛ هذا هو الاسم الذي أطلقَتْه عليها ذاكرتي عندما رأيتُها ترقص كناقة في ثياب بغلة. ومن الزجاج، أكادير تتلألأ في أحلامها.
"الثانية عشرة" زمنٌ سرقتُه من ساعتي ليس لأتبول، بل لأستريح لحظة. عند عودتي وجدتُ سرباً من الفتيات القاصرات حول رجل في الخمسين، والغولة ما زالت ترقص.
فجأة تهاوتْ عليّ:
ـ خذني إلى بيتي، قالت. وأخيراً سكرت.
في حيّ السويس الراقي. في فيلّتِها. في صالونها. خرجتْ من الدوش في مئزر أحمر وفي يدها زجاجة براندي:
ـ ألا تغتسل؟
لحظتئذ أخرجتُ ورقة المأتيْ درهما ومددتها لها، وبدل أن تأخذها منّي، جرتْ إلى حقيبة يدها وأخرجتْ حزمة من الأوراق النقدية وصفعتني بها وأجهشتْ.
عند الباب، تنشقت هواءً عليلا عدّة مرّات... ثم شرعتْ تمطر.