تأمُّلاتٌ في روايةِ «ثورة في جهنَّم»

، بقلم رامز محيي الدين علي

الجزءُ الثَّاني من المقالةِ:

ثانياً: تعريفٌ بالمؤلِّفِ:

نقُولا حدَّاد (1878-1954)م من طلائعِ النَّهضةِ العربيَّة. صحفيٌّ وعالمٌ وشاعرٌ، وُلدَ في صيْدا بلبنانَ ودرسَ الصَّيدلةَ في الكلِّيَّةِ البروتستنتيَّةِ السُّوريةِ، ثمَّ هاجرَ من بعدُ إلى مصرَ واستقرَّ بها.
عملَ في الصَّحافةِ فحرَّرَ في جريدةِ الأهرامِ وغيرِها. سافرَ إلى نيويورك عامَ 1907 واشتركَ معَ فرح أنطُوان في إصدارِ الجامعةِ.

عادَ إلى القاهرةِ واشتركَ مع زوجتِه روز أنطوان حدَّاد في مجلَّةِ (السيِّداتُ والرِّجالُ) التي ظلَّت تصدُرُ طوالَ اثنَي عشرَ عاماً.

رأسَ تحريرَ المقتَطَفِ عامَ (1949- 1950).

له طائفةٌ كبيرةٌ من المؤلَّفاتِ: أبرزُها "علمُ الاجتماعِ" و"هندسةُ الكونِ بحسبِ ناموسِ النِّسبيَّة". وله مجموعةٌ كبيرةٌ من الرِّواياتِ والمسرحيَّاتِ بينَ المؤلَّفةِ والمترجمةِ.
عمِلَ على ترويجِ أفكارِه من خلالِ مطبوعتَي المقتَطفِ والهلالِ الَّلتين تأسَّسَتا على التَّوالي عامَي 1876 و1892 م .

ثالثاً- لمحةٌ عن الرِّوايةِ:

هيَ رحلةٌ خياليَّةٌ إلى جهنَّمَ تكشفُ حقيقةَ الرَّاهبةِ جوكوندا وصديقِها الرَّاهبِ سلفاستروس ودخولَهما المطهرَ بسببِ أعمالِهما الدُّنيويَّةِ الَّتي تستغِلُّ تعاليمَ الدِّين كما تَشتِهي نفساهُما.
ثمَّ تُبيِّنُ الرِّوايةُ حقيقةَ البشرِ الشَّيطانيَّةَ الَّتي أدَّتْ إلى الويلاتِ والحروبِ ونشرِ الفقرِ والدَّمارِ بما يُخالفُ تعاليمَ جميعِ الأديانِ السَّماويَّةِ، مركِّزاً على أهميَّةِ الضَّميرِ الإنسانيِّ الَّذي لا يحتاجُ إلى تعاليمَ مكتوبةٍ ومحفوظةٍ.

ويبسطُ المؤلِّفُ آراءَه العقلانيَّةَ المنطقيَّةَ ورؤاهُ الفلسفيَّةَ بأسلوبٍ سهلٍ ممتعٍ وعباراتٍ قويَّةِ الدِّلالةِ والتَّصويرِ؛ راسِماً صوراً دقيقةَ التَّفاصيلِ حولَ جهنَّمَ والعالمِ الآخرِ؛ حتَّى يجعلُك تعيشُ برفقةِ هؤلاءِ في المطهرِ، ومن ثمَّ مع سكَّانِ جهنَّمَ الَّذينَ هم ساسةُ العالمِ وقادةُ حروبهِ، إضافةً إلى كبارِ شخصيَّاتِ الشَّياطينِ الَّتي لعِبتْ دورَها في إنزالِ ملكوتِ السَّماءِ إلى الأرضِ، ومازالَت تُواظبُ على احتلالِ ملكوتِ الأرضِ من خلالِ الدَّسائسِ والمؤامراتِ والحروبِ الدِّينيَّةِ والاقتصاديَّةِ والاستعماريَّةِ؛ وذلك عَبرَ حوارٍ شيِّقٍ بين وزراءِ بعلزبول كبيرِ الشَّياطينِ والشخصيَّاتِ الأُخرى القادمةِ من المطهرِ.

رابعاً- بينَ الأرضِ والسَّماءِ:

في الفصلِ الأوَّلِ من الرِّوايةِ يترهَّبُ سلفاستروس، ويصبحُ راهباً في الكنيسةِ بسببِ زواجِ حبيبتِه جوكوندا ملكةِ الجمالِ من رجلٍ ثريٍّ لم يحقِّقْ لها السَّعادةَ، وبعدَ وفاتِه تترهَّبُ بحثاً عن حبيبِها الرَّاهبِ سلفاستروس، وفي الكنيسةِ تلتقِي به، ويتبادلانِ المحبَّةَ والقُبلاتِ، ثمَّ يموتُ سلفاستروس منتحِراً، ويصعدُ إلى المطهرِ في السَّماءِ، ثم تلحقُ به جوكوندا الَّتي أضحَتْ قدِّيسةً في الأرضِ، لها من العجائبِ ما عجزَ عنهُ الأنبياءُ، وتصعَدُ إلى السَّماءِ، وتلتقِي بالقدِّيسِ السَّماويِّ، ويدورُ الحوارُ بينَهما حولَ جمالِها وزواجِها وأعاجيبِها، فيحكمُ عليها القدِّيسُ بدخولِ المطهرِ بسببِ أعمالِها.

تعالَوا معِي نتأملُ ما وردَ في هذا الفصلِ من أفكارٍ عقلانيَّةٍ، لو أسقطْناهَا على الواقعِ لرأيْنا العجبَ العُجابَ في سلوكِ أغلبِ كهنةِ الأديانِ الَّذينَ بيدِهم مفاتيحُ الجنَّة، وعندَهمُ أعاجيبُ الغيبِ، ولا يملكونَ في الحقيقةِ غيرَ الكذبِ والخداعِ.

فإذا أخفقَ المحبَّانِ في جنيِ ثمرةِ الحبِّ قبلَ التَّوبةِ لأيِّ سببٍ من الأسبابِ، فلا بأسَ من قطفِ ثمارِه بعدَ التَّوبةِ ودخولِ عالمِ التَّصوُّفِ أوالتَّرهُّبِ، والنُّصوصُ الدِّينيَّةٌ جاهزةٌ لتبريرِ الإثمِ داخلَ المعبدِ: فعندَما يؤكِّدُ سلفاستروس لجوكاندا بأنَّهُ مازال يحبُّها، فتجيبُه: حرامٌ يا أبانَا، فيأتي التَّبريرُ: "ليسَ حراماً؛ أمَا قالَ يسوعُ: "أحبِّوا بعضَكم بعضاً"؟". وعندمَا يقبِّلُها ويقشعرُّ بدنُها، تخاطبُه: حرامٌ يا أَبَتي! فتنهالُ الرُّخصةُ من تعاليمِ الدِّين: هي قبلةٌ مقدَّسةٌ يا ابنتي؛ أمَا قالَ بولسُ: "قبِّلوا بعضَكم بعضاً قبلاتٍ مقدَّسة؟".

ولو تعمَّقْنا قليلاً في بعضِ الأديانِ الأُخرى أو مذاهبِها، لرأيْنا امتهانَ كرامةِ المرأةِ والتَّمتُّعَ بشرفِها مثوبةً كُبرى ونهجاً ربَّانيَّاً يحلِّلُ الوطءَ بما ملكَتِ الأيمانُ أو بمنْ عقدتمُ العزمَ عليهنَّ بمالٍ؛ فهؤلاءِ ليسَ لهم عقابٌ بل يُقذفُون من الأرضِ إلى جنَّاتِ الخُلدِ بِلا مناطيدَ ولا مَطْهرٍ ولا مطَهِّرٍ؛ لأنَّهم تمتَّعُوا وأمتعُوا غيرَهم وسَترُوا أعراضَهنَّ، وإنْ كانَ ثمَّةَ معصيةٌ، فلا معصيَةَ في ذلكَ لخالقٍ، عملاً بقولِ الحديثِ: وإذا ابتُليتُم بالمعاصِي فاستتِرُوا.

فكمْ في أَتُونِ المعابدِ من معاصٍ، لكنَّها مستتِرةٌ، والمستتِر لا حسابَ عليه في الدُّنيا، ومؤجَّلُ الحسابِ إلى أن تقومَ السَّاعةُ.. وكم من لِحىً كغيومِ الصَّيفِ في بياضِها، لكنَّها لا تحملُ قطرةَ غيثٍ تنهالُ خيراً على الأرضِ، وإنَّما تُطْبِقُ على السَّماءِ، فتحجبُ نورَ الشَّمسِ عن أبصارِ الباحثينَ عن الحقيقةِ؟!

فكمْ من القتلِ المقدَّسِ باسمِ السَّماءِ أُبيحتْ دماءُ شعوبٍ وقبائلَ! وكمْ من معاصٍ لوَّثتْ طُهرَ الأرضِ بفتْوى شيطانٍ دينيٍّ! و كمْ من طغاةٍ تفرعنُوا على هاماتِ الخلقِ بفقهِ عمامةٍ رخيصةٍ! وكمْ من مشانقَ نُصِبَت بدعْوى حمارٍ، وروثُ الحمارِ أطهرُ من لحيتِه؟!

فالدِّينُ الَّذي تمتَطيهِ عماماتٌ مزركشةٌ وعباءاتٌ مطرَّزةٌ بالدِّيباجِ والحريرِ، وليسَ في تلافيفِها عقلٌ ولا ضميرٌ إنسانيٌّ، وإنَّما هي مجموعةٌ من الببَّغاواتِ تجترُّ ما تحفظُه من بطونِ الكتبِ، أَوْلى به أن ينتبِذَ مكاناً قصيَّاً من الحياةِ؛ حتَّى لا يكونَ سدَّاً يُعيقُ تطوُّرَ الحياةِ إلى الأمامِ!
فلننظرْ ما هيَ شريعةُ هؤلاءِ الَّذينَ يحملونَ رفاةَ الشَّريعةِ على رؤُوسِهم، وما هيَ شريعةُ اللهِ الحقَّةُ الَّتي تُقرِّبُنا من السَّماءِ، وذلكَ من خلالِ تساؤلِ الرَّاهبةِ جوكوندا: أَلنَا شريعةٌ غيرُ شريعةِ اللهِ؟

فيُجيبُها القدِّيسُ السَّماويُّ: شريعةُ اللهِ هي الضَّميرُ يا بُنيَّتي، والضَّميرُ النقيُّ وحدَه كافٍ لإرشادِ الإنسانِ إلى الصَّلاحِ وتجنُّبِ الخطيئةِ، فلو حفِظتُم هذهِ الشَّريعةَ المختصرةَ وأطعْتُمُوها، لكانتْ وحدَها كافيةً لأنْ تجعلَ الأرضَ في جوارِ السَّماءِ. الضَّميرُ الصَّالحُ الَّذي يُقيمُ فيهِ اللهُ لا يُضِلُّ، ولكنَّكُم طمَسْتُم شريعةَ الضَّميرِ، وجعلْتُم تَتَفلسفُون في التَّشريعِ كأنَّكم نوَّابُ اللهِ في دينونتِه، فملأْتُم كتبَكُم شرائِعَ وقوانينَ، ولكنَّكم لم تستطيعُوا أن تحفظُوها، ولا أنْ تعملُوا بمُقتَضاها، والديَّانُ يُدينُكم بحسْبِ شرائِعِكم، فهلْ ظلمَكم؟

ولم تقفِ الرِّوايةُ عندَ نقدِ الشَّرائعِ السَّماويَّةِ الَّتي غدتْ ألعوبةً بأيديْ أناسٍ لا يحمِلون في وجدانِهم ذرَّةً من الضَّميرِ الحيِّ، بل يُوقِدُ فيها الكاتبُ مصابيحَ الحياةِ؛ ليكشفَ بطلانَ كثيرٍ من القوانينِ والتَّشريعاتِ الَّتي سنَّها الإنسانُ لتنظيمِ حركةِ الحياةِ بمجتمعاتِها، وإذا بهِ يكشفُ زيفَها وبهتانَها وخداعَها وقبحَ نواياهَا، وذلكَ من خلالِ الحوارِ بينَ جوكوندا الرَّاهبةِ ملِكةِ الجمالِ و قدِّيس السَّماءِ، إذْ تُبرِّرُ للقدِّيسِ دقَّةَ مقاييسِ الجمالِ الَّتي يتَّبِعُها شياطينُ العالمِ لإشباعِ رغباتِهم الجنسيَّةِ حينَ اختيارِ ملكةِ جمالِ العالمِ مُعتمِدينَ على أفكارِهم غيرِ المكتوبةِ وبالأحْرى شهواتِهم مُستخدِمينَ مجسَّاتِ نهمِهِم الحسّيِّ في كشفِ أماكنِ الإبداعِ الأنثويِّ في تضاريسِ الجسدِ الَّتي تُثيرُ الرَّغبةَ وتُحرِّكُ المشاعرَ، فيتساءَلُ القدِّيسُ: وما قاعدةُ الجمالِ هذهِ؟ ومَن وضعَها لهمْ ومَن كتبَها؟

فتُجيبُه جوكوندا: ليسَت مكتوبةً، بل هي في أفكارِهم.

فتنسابُ الحكمةُ على لسانِ القدِّيسِ: ليسَت أفكارُهم إلَّا شهَواتُهم، فشهواتُهم كانت مقياسَ جمالِكِ يا ملكةَ الجمالِ.

وحينَ تتحدَّثُ الرَّاهبةُ جوكوندا عن اختيارِها قدِّيسةً في الأرضِ بعدَ صعودِ روحِها إلى السَّماءِ، حيثُ أصبحَ قبرُها مزاراً يحقِّقُ المعجزاتِ لمن يقدِّمُ لها النُّذورَ، فتَشفي المرضَى، وتزوِّجُ العازباتِ، وتمنحُ الطِّفلَ للرَّحمِ المحرومِ من شهوةِ الحملِ، وتُعيدُ المسروقاتِ بكشفِ السَّارقِ، وتوظِّفُ كلَّ توَّاقٍ محرومٍ من العملِ، و تبعثُ قطراتِ الغيثِ من بطونِ السَّحابِ بعد انحباسِه عاماً كاملاً في رحِمِ السَّماءِ، لكنَّ سارقاً بارعاً يستطيعُ أن يسلبَ قداسةَ قبرِها؛ فيختلِسَ كلَّ نذورِها غيرَ عابئٍ بأعاجِيبها!

فتأتي إجاباتُ القدِّيسِ بصيَغِ عباراتٍ تقريريَّةٍ تعقِبُها تساؤلاتُ عارفٍ ساخرٍ من خرافاتِ المدَّعينَ قداسَتَهم وعجائبَ قدراتِهم، فينسابُ الحوارُ سلِساً بسيطَ العباراتِ:

& من ذلكَ أنَّ مريضةً عجزَ أمهرُ الأطبَّاءِ عن شفائِها، لما نَذرَتْ لي شُفيَتْ.

- القدِّيسُ: مسكيناتٌ تلكَ المريضاتُ الَّلواتي لم يَنْذرنَ لكِ. فقد قضيْنَ نحبَهنَّ مأسوفاً على شبابِهنَّ.

& ومنها أنَّ امرأةً نذرَتْ لي حليةً ذهبيَّةً إنْ وُظِّفَ زوجُها خلالَ عامٍ فوُظِّفَ..

- القدِّيسُ: أحسنَتْ زوجتُه في نذْرِها، ولكنْ إلى مَن نذَرتْ زوجاتُ الموظَّفينَ الآخرينَ حينَما وُظِّفُوا؟

& ومنها: نذرَ آخرُ لي عشرةَ جُنيهاتٍ إذا تزوَّجَ ممَّن يحبُّها وتحبُّه. فتزوَّجَها..

- القدِّيسُ: لقد انفرجَت أزمةُ الزَّواجِ إذنْ، وما على العشَّاقِ إلَّا السَّخاءُ بالنُّذورِ لكِ..

& وكذلكَ نذرَتْ أُخْرى حِليةً من حِلاهَا المسروقةِ إذا رُدَّتْ إليها، فعثَرَ البوليسُ على السَّارقِ واستردَّ لها حِلاها.

- القدِّيسُ: ما على البوليسِ إلَّا أنْ يعلِّقَ أيقونتَكِ في دائرةِ الشَّرطةِ فتسهِّلُ عليه مهمَّتَه.. ولكنْ إذا سرقَ لصٌّ تلكَ النُّذورَ من مقامِكِ، فلمنْ ينذرُ أهلُ ذلك المقامِ بغيةَ العثورِ على السَّارقِ؟

& ومنها أنْ حدثَ قيظٌ وتأخَّرَ المطرُ طويلاً في فصلِ الشِّتاءِ، فنذرَ الفلَّاحونَ عدْلَ الغلالِ لمقامِي إذا نزلَ المطرُ، فأمطرَتْ.

- القدِّيسُ: للهِ درُّكِ.. لولاكِ لانقضَى الشِّتاءُ بلا مطرٍ!

& ولي عجائبُ كثيرةٌ كما أخبرُوني..

- القدِّيسُ: إنَّ أعجبَ عجائبِك يا بُنيَّتي أنَّك تفعلينَ العجائبَ! وماذا حلَّ بتلكَ النُّذورِ؟

- سرقَها سارقٌ!

- القدِّيسُ: أَمَا خافَ غضبَ أيقونتِكِ؟

- إذا كانَ لا يخافُ غضبَ يَسُوعَ، فهلْ يخافُ غضبَ أيقونتِي؟

وهنا نقفُ لنتساءَلَ قليلاً أسئلةَ العقلِ: أليسَ في كلِّ الأديانِ شخصيَّاتٌ أسطوريَّةٌ خارقةٌ للخيالِ، تحملُ تلك الأيقوناتِ وتُتاجرُ بلقمةِ عيشِ الفقراءِ البسطاءِ؟! وحينَ يأتي مَن يدوسُ على جميعِ تلكَ الأيقوناتِ، فيقطفُ ثمارَها في هنيهةٍ، وتعجزُ كلُّ الأيقوناتِ عن ردعِ فعلتِه، يتعثَّرُ الجوابُ بعبارةِ تسليمٍ: " وما أدراكَ ما هيَ؟!"

ولكنَّ عقلَ المفكِّرِ بمنطقِ الحياةِ الواقعيَّةِ يسكُبُ عصارةَ فكرِه تِبراً صافياً ليسَ في ديدنِه صدأُ الأوهامِ ولا شوائبُ التجلِّياتِ الخرافيَّةِ، فينصِبُ براهينَه أوابدَ تحدٍّ على لسانِ القدِّيسِ:

- لا يسوعُ ولا سائرُ الرُّسلِ والأنبياءِ فعلُوا من العجائبِ ما فعلتِ يا بُنيَّتي.

* أعظمُ أعجوبةٍ فعلَها يسوعُ هي قولُه: "أحِبُّوا أعداءَكُم، بارِكُوا لاعِنِيكُم، أحسِنُوا إلى مَن أساءَ إليْكم".

* وأعظمُ أعجوبةٍ فعلَها محمَّدٌ هي: نداءٌ للعالمِ بوحدانيَّةِ اللهِ.

* وأعظمُ أعجوبةٍ فعلَها موسَى أنَّهُ استطاعَ أن يَقضِيَ أربعينَ سنةً يقودُ بني إسرائيلَ لعبورِ برّيةِ سيناءَ إلى أرضِ الميعادِ، على حينِ أنَّ القافلةَ لا تُطيقُ عبورَها في أكثرَ من ستَّةِ أيَّامٍ، والطيَّارةُ في سُويعاتٍ، والرَّاديُو في لحظةٍ..

فأينَ هذه العجائبُ من تلك الِّتي رواهَا لكِ الرُّواةُ؟

ونحنُ إن وضعْنا أيقوناتِ أصحابِ الهممِ الَّلاهوتيَّةِ تحتَ مجاهرِ الفكرِ والنقدِ العقلانيِّ، سنَرى فيها عجائبَ الدُّنيا الَّتي غفِلَ عنها الدَّهرُ، فطفِقتْ من المسلَّماتِ بل من المقدَّساتِ الَّتي يتعبَّدُ الجهلاءُ في محاريبِها، وأنا لن أجدِّفَ بعيداً عن الواقعِ وإنَّما سأغورُ إلى أيقوناتِ القداسةِ في البيئةِ المحيطةِ بي أيَّامَ كنتُ أسمعُ وأرى مَا لمْ سمعَتْ أذنٌ ولا رأتْ عينٌ، ولا سيَّما في عقيدةِ مَن يعبدونَ القبورَ، ويقدِّمونَ لها النُّذورَ، كانتْ وفودُ الزَّائرينَ تَتْرى فُرادى وجماعاتٍ حاملةً الهدايَا والقرابينَ والبخورَ، فتدخلُ إلى المقامِ المقدَّسِ بالقُبُلِ، وتعودُ القهْقَرى بالدُّبرِ حرصاً على مشاعرِ المقامِ المعظَّمِ، وتتصاعدُ التوسُّلاتُ إليه بالشِّفاءِ وتحقيقِ الأماني، وعندَما تنتهي لحظاتُ الطَّاعةِ والولاءِ لسيِّدِ المقامِ، تنهالُ السَّكاكينُ على رقابِ الفراريجِ والخرافِ، وتُوقَدُ نيرانُ الشِّواءِ مخلِّفةً سحاباتٍ من الضَّبابِ أشدَّ لوثةً من سحُبِ الغشاوةِ على عقولِهم وأفهامِهم، وتُفرشُ الموائدُ، وتُترعُ الكؤوسُ خُمُوراً، ويبدأُ الاحتفالُ المقدَّسُ بالغناءِ والرَّقصِ والدَّبكةِ، ثمَّ يتبادلُ الزَّائرونَ عباراتِ التَّهنئةِ بالزِّيارةِ؛ وكأنَّهم ملائكُ في رحابِ الملكوتِ السَّماويِّ.

وهذا المشهدُ غيضٌ من فيضٍ تُمارَسُ شعائرُه حولَ آلافِ القبورِ المقدَّسةِ الَّتي لا تعرفُ أسرارَ القداسةِ من أينَ هبطتْ إليها، فما بالُكَ فيمَن يزورونَ العتباتِ المقدَّسةَ، ويَجْلدون في رحابِها أجسادَهم تارةً بالسلاسلِ وتارةً بالسُّيوفِ تكفيراً عن ذنبٍ تقاعسَ أجدادُهم فيه عن حمايةِ ذلكَ الرَّمزِ المقدَّسِ الَّذي كانَ ضحيَّةَ تقصيرِهم منذُ مئاتِ السِّنينَ!

أيقوناتٌ وأيقوناتٌ أنهكتِ البشريَّةَ أمامَ عتباتِها المقدَّسةِ، وكانتِ المخلوقاتُ الحيوانيَّةُ البريئةُ قرابينَ تكفيرٍ عن ذنوبٍ أو تحقيقِ مآربَ دينيَّةٍ أو دنيويَّةٍ دنيئةٍ، لو سمِعتْ بها أذنُ السَّماءِ، لانهالَتْ عليهم مذنَّباتُها شُهُباً تُحرقُهم قبلَ أن تُلاحقَ الشَّياطينَ الَّتي رآهَا فكرُ نقولا حدَّاد وهي تحومُ حولَ عرشِ بَعْلزبول كبيرِ الشَّياطينِ، وهُم يتآمرُون على البشريَّةِ لبناءِ صروحِهم الشيطانيَّةِ في ملكوتِ الأرضِ!


رامز محيي الدين علي

كاتب سوري مقيم في الإمارات

من نفس المؤلف