الخميس ١٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٩
بقلم يونس أحمد عفنان

الهذيان ذاته

نعم، ليس يخجلني أن الهروب بكل أشكاله واتجاهاته كان ولا يزال من أهم مهماتي؛ الهروب إلى الأمام، إلى الوراء، إلى الأعلى، إلى الأسفل، إلى منفى، أو إلى الذكريات، أو الأوهام؛ المهم أن أخلع (الوضع الراهن) كالحذاء وأغادر (المرحلة)، لكن المؤسف بحق، أنني لا أجد في نهاية المطاف شيئا؛ إلا جراحات هاني شاكر الكرتونية، والازدحام المروري الناجم عن مرور موكب مسؤول، أو قفا عاهرة، أو لأن الشعب يصبح فجأة، ودون أسباب واضحة، أو منطقية، على عجلة من أمره.

أبتي، يا قطار الشجن المسافر في أوردتي، ماذا أفعل بحزني، وحنيني الغامض؟ بغربتي وأفكاري؟ بدفاتري الفارغة وخطاي وقلقي؟ حين تصبح الكلمات هشة كالسراب؛ بحيث لا تحتمل لمسة حب، أو نظرة من أنين، أو غضب، أو لهفة من أمل؛
لا تقل شيئا، عد إلى مسبحتك القديمة المعطرة، وخطابات عبد الناصر، واعبر كالظل فوق عصرنا المجرم وهو يشقنا نصفين بدءا من فتحة الفرج.

بالأمس، اخترقت الحواري المجهدة، والشوارع الغبراء؛ نحو الصقيع المستتر، واليوم كذلك، ولقد حلمت بوردة حمراء ألوكها بفكيّ بلا رحمة، اشتهيت الموت وأنا ألمس الأنين القديم بقلبي، وحلمت بعاهرة فاتنة أجلدها أمام كآبتي كالدابة، بسلسلة من نار أقود بها الشرق من رقبته، عاريا كالعار، ذليلا كزوج بلا ذكورة، لأعدمه أمام الأديان جميعها بمقصلة من الأظافر، والعيون الذليلة.

محال.. أن يكون هذا الشرق بأربع جهات فقط !، حيث لا مفر من (روبي) و(عمر موسى) إلا إلى (شعبله) و(خفير سولانا)، ومن أزمات الحب، والمال، والمناخ، والثقافة إلا إلى (عبد الرؤوف الروابدة)، والأزهار المصنّعة و(مهند شاد اوغلو)، وخطابات ابن لادن من وراء المجهول!.

محال، أن أبحث عن كل شيء؛ ثم لا أجد شيئا ولا حتى وجهي، أن تكون الصحراء كلها ملكي؛ ثم لا أجد ثمن الريح، كي أثير زوابع الغبار، وأنقل الرمل من مدينة إلى مدينة. و من المحال، أن استمر بالدفع لصندوق التقاعد، أو التأمين الصحي، إذ أن صور المغنيين وهم غارقون في التأمل، والتفكير كبوذا،أو عمر الخيام، لن تعطيني فرصة لأمرض مرض الموت، أو لأبلغ السن التقاعدي، بل ستقضي عليّ بالجلطة المميتة، هي وصور الزعماء العرب وهم يبتسمون في مودة.

ومحال أيضا، أن أقبل مستقبلا ليس فيه سوى العكاز، ونزق الشيخوخة، وتأفف الجميع من حولي؛ من خرفي وقصاصات أوراقي هنا وهناك.

محال، أن أقبل وطنا ليس لديه لي سوى التأنيب، وهوس الطرد، وتأشيرات المغادرة.
ترى، أين يمكن أن يكون الوطن؟!، في دفتر؟، في أحلام اليقظة؟، في حذاء؟، في رماد سيجارة؟...
تبا لوطن يمكن طيه كفاتورة، أو ارسالة برسالة قصيرة، من هاتف نقال إلى عاهرة.

كيف أجتازك أيها الليل هذه المرة؟.

بعود محمد عبد الوهاب وأنهاره الخالدة، ومتكأ على (يا وبور ريح على فين)، و(لمّا انت ناوي)، و(يا مسافر وحدك)؛ سأعبر الحطام، وجنائز الشعوب الساهرة، سأتقدم فوق أشواك الخوف، والأرق، مغمض العينين والقلب، فقد رأيت النهايات جميعها، لحاف يحاول تجنب الشرق. رأيت الدروب وهي تتناسل متشابهة تماما كعيون اللصوص، رأيت المأزق واضحا كالبدر المكتمل والمستحيل يلفه ويحميه، كالأوزون والغلاف الجوي، حيث تحت جباه العبيد الدامية، ما من برعم سيموت الأ لينمو مكانه أضفر، وما من يد ستنهار، الا ليعلو مكانها خنجر، وما من طفل سيكبر، الا ليكون خالد أو فارس أو وائل.

ثم سأسير بلا رحمة، نحو تجاويف الأسف، وحيدا كذراع مبتورة، ومنفاي يتسع ويحترق، يتهادى متراميا نحو كل الجهات، كموج بطئ من حمم. سأتوقف فقط، لأتأمل أظلاف السوط، وتجاعيد الشرف، وعرق الجلاد. لأتأمل عواصم العالم العربي. وهي تأوي إلى فراشها منهكة كنصاب عقاري، لم يفلح في أي صفقة تحت الهجير؛ إلا ببيع أمنية لعاطل عن العمل.
يا وطني، ما من شيء تحت سمائك يستحق أن يُرى، ولو بتلسكوب جاليليو الحقيقي.

أيها الحزن الكثيف، كشعر ليلى وأبناء الشوارع، هل لا أزال أحبك؟ لم يعد هذا مهما، ولم يعد مهما كذلك كيف أحولك إلى نحو وصرف وبلاغة، فهذه ليست مهمتي ولا هدفي، اريد فقط، أن أدخل جراحي إلى التاريخ؛ كمعركة حاسمة أو خاسرة، كطاغية أو بائعة هوى، أو طابع بريدي، وليذهب النقاد جميعا للجحيم، بما فيهم الرصيف، فروحي المنهكة، تمد أمعاءها خارج اللغات، وخارج ما يمكن أن يقال، أو يفهم، وما من شيء يدفعها للتنفس، الا ذكرياتي.

ماذا يريد وجهي المتمسمر في الزحام، كنقش إغريقي؟

يريد صديقا؛ أضحك معه بلا تردد.

وبطلا؛ أقبل نعليه بلا تردد.

ونصرا صغيرا؛ ابكي على ذراعيه بلا تردد.

ودهشة حادة كالرمح، كالريح الساخطة، تقتلعني من فصول العرب الأربعة: الغناء، والشتائم، والخطابات، وجنونهم بالطعام والمسلسلات في رمضان.

ثمة مرض ما ضرب أوطاننا الغافية، بحيث أصبح إسماعيل، هو ذاته؛ سمير وكريم وطارق ونديم. وحنين، هي ذاتها؛ سلاف وأميرة وسوسن وعبير. وسائق التاكسي، هو ذاته؛ الطبيب والمهندس والمعلم و البّناء. والمغني، هو الرقاصة والنادل وصاحب الملهي....، ثم أن سائق التاكسي، والطبيب، والمهندس، والمعلم، والبّناء، والمغني، والرقاصة، والنادل، وصاحب الملهي، هم أنفسهم؛ إسماعيل وسمير وكريم وطارق ونديم، وحنين وسلاف وأميرة وسوسن وعبير......، إنها بحق فنتازيا بوذية من المرايا.

منذ شهور، وأنا أحمل جثتي فوق أكتافي، أتنقل بها بين الأسواق الرتيبة والضجر، وأزيز المراوح اللعينة. وحين يعييني اليأس، تحملني هي، لتتنقل بي بين الجنائز والأعراس، وآخر تقارير البدو، ثم بين الحوارات والأحذية؛ذات الحوارات التي نعرفها، تلك التي لا تفضي الا النعاس والجنس، والنميمة المبتذلة، أو الصمت امام دموع العتبات.

أمي، يا شراعي الوحيد والأخير، انزعيني من مسام روحك للأبد، لأنني الآن، سالف خصري بشال، وانهمك بالرقص والدبك حتى الصباح، حيث سأرمي بنفسي من النافذة، تاركا كل شيء...، لقيصر بن عجلان.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى