الأربعاء ١٧ آب (أغسطس) ٢٠٢٢
بقلم نجاة بقاش

أحبك جدا..

أحبك جدا.. جدا.. وجدا.. ولا تسألني كيف.. متى.. ولماذا ؟.. فبعض الأسئلة ليس لها جواب.. وكثير من الأجوبة فيها إحراج.. سوف أظل أعشقك.. حتى تكف الأرض عن الدوران.. وتسأم الطيور من الهجران.. لا يهمني أن تكون جامدا كالأصنام.. جاحدا.. كافرا بعظمة هذا الهيام.. لا يهمني أن تكون متجاهلا.. سائرا ضد التيار.. فأنا أعرف متى أجد لك الأعذار.. وكيف أطلق عليك شرارة النيران.. ومتى أعلن عليك حالة الطوارئ والإعصار.. كما أعرف جيدا كيف أنقذك من أنياب النسيان.. وكيف أفتك بك حينما لا تستحق مني الاحترام.. لا يهمني ما ستقوله عني الجرائد والجرذان.. وما عسى أن تحكيه عنك الأيام.. ففي كل الأحوال.. أنا المتيمة وأنت الجبان.. أنا الغبية في الوفاء.. كن أنت العبقري في الدهاء.. أعرف أنك لا تستحق مني كل هذا الاهتمام.. كما تعرف أنني صاحبة حق.. سوف أسترده مهما طال الزمان..

حينما أراك.. تدق الطبول معلنة.. نهاية الأحقاد.. تتصالح بداخلي كل التناقضات.. لا تسألني كيف ؟ فلن تجد لدي.. أية مبررات.. فالأمر يفوق كل التصورات.. معك، أصبح عظيمة.. شامخة.. رائعا.. ساحرا أراك أنت.. أنا لم أحب يوما سواك.. هذا أمر لن أناقشه معك.. يخصني أنا.. لا يخصك أنت.. معك أصبح طفلة في الأربعين بين يديك.. أرى ألوان قوس قزح تعم الكون.. أقسم لك.. أنت الهيام في كل تجلياته.. أنت البطل في كل الأحوال.. لا أريد غير حضنك لي موطنا.. ولا أريد غير نبض قلبك لي نغما.. فبرغم الأكاذيب التي بعثرت دفاتر التاريخ.. والتعرية التي أصابت في عهدك التضاريس.. وبرغم جنون المغارير.. وكثرة المغاليل.. وبرغم تشابه الأسماء واختلاط المفاهيم.. ما زلت أرى في مقلتيك براءة الأطفال.. ما زلت أعيش على أمل تذوق مائك الزلال.. أشتاق لضوء القمر.. والركض تحت رذاذ المطر..

أحبك جدا.. جدا.. وجدا.. حتى ظنوا.. أنك الإله.. وأنا حولك أدور.. عشقتك.. عشق الشعراء للمعاني.. عشق الكروان للأغاني.. عشق الأرض للإنسان.. إن غبت.. سافر النوم معك.. وإن تعبت.. سهرت عيناي عليك.. إن بعدت.. تجدني تائهة.. أشتاق إليك.. وإن تهت.. تجدني أبكي حسرة عليك.. معك.. تجدني أقود أعنف معركة في العصر.. تصبح الكلمات قذائف.. أقصفها وبيلا عليك.. حتى وإن بدت كذلك.. فأنا لا أقصدك أنت.. قلي بالله عليك.. هل من مجنونة مثلي.. سبق أن صادفت؟

كلما ازداد شوقي وهيامي.. نصحوني بعيادة الحكيم.. فلما عدته للبرء راجية.. قال الحكيم.. ليس لحالي دواء.. ولا يرجى من العشق شفاء.. حينما أدركت حقيقة الأمر.. فات الأوان.. كان علي أن أختار بين الأمرين.. فإما التوبة من العشق.. فهو محال.. أو التمسك بالحبيب.. فهو شقاء.. أعشقك عشقا.. فيه طيف من الجنون.. شيء من خيانة العهود.. أعلم كما يعلم الرفاق.. أنك لي ولهم في الحب غير مبال.. فيك تصبح النجوم متلألئة.. والسماء ممطرة.. فيك تصبح كل التناقضات ممكنة.. تجعلني حورية.. أراقص أمواج البحر.. تحت نغمات أعظم سنفونية.. عنوانها.. "أهواك يا وطني".. أقسمت بأرضك وسماك.. أقسمت ببحرك وهواك.. ألا أكون عاشقة لسواك.. في الشام وفي الحجاز.. رفعوا لي شارة النصر.. بينما ظل "سايلا".. من إسبانيا يراقبني.. وكارلا تعاتبني.. أما الرباط.. فعلي أشعاري وضعوا بدل الألف.. مليون حصار..

من أجل عينيك عشقت الثناء.. كرهت الرحيل.. سئمت البقاء.. من أجلك أحرقت المجاديف.. ودعت الأساطيل.. اعتلأت عرش الشعراء والمجانين.. كتبت قصيدة "بئس المصير".. قدمتها للحجاج وللأمير.. أهديتها لشهداء الرغيف.. ولكل حر خلف الأسوار سجين.. تحت ظل القناديل.. وتحت وقع تأنيب الضمير.. أقبلت على إعادة صياغة التفاصيل.. حاورت بونابرت ورمسيس الثاني.. إيفان الرهيب والحسن الثاني.. جعلتني شاهدة على أبشع مآمرة عرفها الوطن السقيم.. تحكي أزمة "الثابت والمتحول" علاقة "الإله بالضعيف".. قصة الفقير الذي خانه العقل والضمير.. جوع القطيع.. ناصر التطبيع.. أتى على الكبرياء.. على كل شيء راق وأنيق.. آلهة مدانة.. مع سبق الإصرار والترصد.. جعلتنا حفاة.. عراة.. في سجن عظيم.. سكننا الوهن والعياء.. سقط عنا الحياء.. شربنا (حد التخمة) من بحر الوعود والأكاذيب.. نهرول بين النقيض والنقيض.. بين الهلال والصليب.. بين تل أبيب وأم الربيع.. سقطت عنا السراويل.. أفلست بنوك قيمنا.. أتتنا منها المراسيل.. تحمل حلولا.. فوائدها بالملايير.. بالغنا في الانحناء.. حتى ظنوا أننا مهابيل.. وضعنا الأرض في المزاد.. فمن يدفع المزيد.. أشعلنا الأسعار لهيبا.. بلا حسيب ولا رقيب.. برغم السلمون اللذيذ والفوسفاط الثمين.. على أبسط الحقوق نقف طوابير.. نبكي الجفاء.. نبكي الجفاف في عز الربيع.. تحت التطبيل والتصفيق.. غنينا المعاهدات والتطبيع.. مسالمون بالفطرة نحن.. نكره حمل السلاح والتجنيد.. منبطحون نحن.. اعتزلنا المنطق والتفكير..

سجل.. أنا لست يمينية ولا يسارية.. لا شرقية ولا غربية.. لا بوذية ولا مسيحية.. لست يهودية ولا مسلمة.. أنا لهذه الأرض منتمية.. سجل.. أنا لست سائحة أو عابرة.. مرت ذات يوم من هنا.. أنا مغربية الأصل ثابتة.. شتان بين من كان جده في الأرض منتصبا.. وبين من يدعي أن ابن عمه كان عابرا.. شتان بين من يرى في الوطن أسواقا شاسعة.. عروضها كثيرة.. أرباحها طائلة.. نساؤها جميلات.. وبين من يحبك جدا.. جدا.. وجدا..


مشاركة منتدى

  • مقال شيق وجذاب، كانك تستمع قطعة موسيقية أو كما ذكرتي سنفونية موسيقية
    فيها تناغم بين الأصوات المتتابعة والمتزامنة عبر الشخصيات وسرد الاحداث والرومانسية والتعبير عن الحب، وجع القلب، خيانة العهد،الاكاذيب عشق الارض، ... الوطن واستخدام حركات بطيئة وسريعة وأشكال إيقاعية وميلودية كما هي في بنية السنفونية أليكرو allegro انداتي andante موديراتو moderato بريستو presto... المتعارف عليها عالميا والتي احس بها عند قراءة واعادة قراءة النص واجدها توازي حركات سمفونيتك " اهواك يا وطني" التي من خلال عناوينها يمكن أن نحس يبطئ أو سرعة الحركة والإيقاع وكذا حدة الصوت ، الصخب والهدوء...
    الحركة الأولى:الحب الأعمى
    الحركة الثانية: وجع القلب
    الحركة الثالثة:دق الطبول
    الحركة الرابعة: الشوق والحنين
    الحركة الخامسة: معركة العصر
    الحركة السادسة: بئس المصير
    الحركة السابعة: المؤامرة
    الحركة الثامنة: مغربية الاصل
    وانتهت سمفونية نجاة "اهواك يا وطني " بقفلة موسيقية تامة توحي بالختام وانتهاء الكلام و الارتياح " وبين من يحبك جدا.. جدا.. وجدا.."

  • حينما كنت أقرأ شعرت أنني أعيش بين سيمفونية رائعة عذبة فيها لحب و المتاهة و الألم و العشقو الكبرياء .... راااائعة بكل معنى الكلمة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى