السبت ٢٧ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢١
بقلم عاطف أحمد الدرابسة

أزمةُ العقلِ النَّقدي العربي

يبدو لي أنَّ العقلَ العربيَّ عموماً قد توقَّفَ عن الإسهامِ في النَّظريَّةِ المعرفيَّةِ العالميَّةِ منذ القرنِ الخامسِ عشرَ الميلادي، فلم يُضِفْ مفهوماً جديداً واحداً إلى نظريَّةِ المعرفةِ عموماً، والنَّظريَّةِ النقديَّةِ خصوصاً، فالعقلُ العربيُّ في حالةِ كمونٍ ظاهرةٍ؛ فهو من نحوٍ غيرُ قادرٍ على استيعابِ المخرجاتِ المعرفيَّةِ أو استيعابها، ومن نحوٍ آخر فهو غيرُ قادرٍ على هضمِها، واستلهامِها ، وإدراكِ مرامي مفاهيمِها، وتجلِّياتِها ، فاكتفى بأن يعيشَ على هامشِ العقلِ النقديِّ الغربيِّ، يقتاتُ على ما يمكن أن يرشحَ إليه من تلك النَّظريَّةِ .

ليس كلِّ مَن يُمسِكُ القلمَ، ويخطُّ على الورقِ ناقداً، ربَّما أنَّ الورقةَ التي لا يتجاوزُ ثمنُها مع الورقِ عشرةَ قروشٍ، هي أغلى ممَّا يكتبُ، ولعلَّ ما يتنزَّلُ عليها من قراءاتٍ ناقدةٍ ما هو إلَّا تشويهٌ لبياضِ تلك الورقةِ، واستنزافٌ للحبرِ ، لقد كثُرَ مُتكلِّفو النَّقدِ ومُدَّعوه في هذا الزَّمنِ من أكاديميِّين، وإعلاميِّينَ، وهم خاليو الذِّهنِ من المفاهيمِ المعرفيَّةِ والاجرائيَّةِ، لا يعرفونَ كيف تعملُ، ولا يعرفونَ كيف تُوظَّفُ، يخلطونَ بين المذاهبِ والمناهجِ، والرُّؤى والأفكارِ، يتصدَّرونِ السَّاحةَ النَّقديَّة وهم لا يُفرِّقونَ بين رؤيَتَينِ: رؤيةِ (كانت وروسو)، ورؤيةِ (هيجل وماركس)، أي بين فلسفَتَينِ أو محورَينِ: الأولى مرتبطةٌ بالوعي، والثَّانيةُ مرتبطةٌ بالتَّاريخِ، أو ما بين ثنائيةِ ما هو وعي، وما هو مادي، فخلطوا الحابلَ بالنَّابلِ، والزَّيتَ بالماءِ، حتى صارت قراءاتُهم أشبهُ بطبقِ (العجقة) أو السَّلطةِ، فهم لا يُفرِّقونَ بين ما هو أيدولوجي، وبين ما هو لُغوي، ولا يُفرِّقونَ بين ما هو ابستمولوجي أو أنطولوجي، ولا يُدرِكونَ أبعادَ التَّموضعِ التَّاريخي لأيِّ مفهومٍ، ولا يُفرِّقونَ بين المجتمعِ السِّياسيِّ والمجتمعِ الإنسانيِّ، وليس لديهم أدنى تصوُّرٍ عن العلاقةِ بين المعرفةِ والمَصالحِ، كما أنَّهم على غيرِ وعي بمفهومِ الهيمنةِ الثَّقافيَّةِ، هم فقط ناقلو معرفةٍ على غيرِ فهمٍ أو إدراكٍ، أو هم نُسخٌ رديئةٍ لمرجعيَّاتِهم، لا يعرفون كيف تتلاسنُ المفاهيمُ وتتبلَّورُ ، وليس لهم أدنى معرفةٍ بأدواتِ كلِّ مفهومٍ، فهل يَحقُّ لي أن أُقشِّرَ التُّفاحَ بالفأس، وأن أُقطِّعَ اللَّحمَ بريشِ الحَمَامِ .

باختصارٍ شديدٍ: العقلُ النُّقديُّ العربيُّ اليومَ مأزومٌ، ليس له أي قدراتٍ ابتكاريَّةٍ، بل هو عقلٌ هجينٌ، يعملُ بجيناتٍ غريبةٍ، دخيلةٍ، خارطتُه الجينيَّةُ لا تتعرَّفُ على المفاهيمِ، رُبَّما البعضُ منهم يحتاجُ إلى لقاحٍ أشبهُ بلقاحِ الكورونا لعلَّه يحمي النُّصوصَ من الدَّمِ الفاسدِ أو المتخثِّرِ .

إنَّ أبسطَ المفاهيمِ النَّقديَّةِ المُتعلِّقةِ بفكرةِ الأجناسِ الأدبيَّةِ لا يفهمُها الكثيرون، فهم لا يعرفونَ أنَّ للأجناسِ الأدبيَّةِ أعرافٌ، وأعراقٌ، وتقاليدُ قارَّةٌ منذ أرسطو، وأفلاطون، والفلسفةِ السِّفسطائيَّةِ، ولا يعلمونَ أنَّ أيَّ ناقدٍ لم يقرأ هوسلر، أو كانت، أو هيجل، أو ماركس، أو نيتشه لا يستطيعُ أن يُفرِّقَ بين السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ، وقصيدةِ النَّثرِ، أو بين ما هو واقعيٍّ أو مُتخيَّلٍ، أو بين ما هو تاريخيٍّ أو شِعريٍّ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى