الأربعاء ٢٤ نيسان (أبريل) ٢٠١٩
بقلم نور الدين خالد بديع عطوان

أنا الميت الحي

أشعر أن هذا اليوم سيكون مختلفًا فقط إذا توقفت العصافير عن غرز مخالبها في أغصاني ولو كفت عن التغوط على فروعي لكان اليوم أكثر مثالية، لكن هذا لا يمنع أنني أستمتع بلحظة الشروق الخلابة، أكره فصل الصيف لأن الحديقة تضج بالضوضاء وتكثر الحشرات. ويزعجني هؤلاء القرود الذين يتعمدون إزعاجي بأحذيتهم الملوثة، وهم يتسلقون عليَّ لإثبات مهاراتهم وتحدياتهم أمام بعضهم البعض، وهؤلاء الذين يضايقوني بسبب فلاشات كاميراتهم المزعجة، تبًا لكم، كم سئمت وقوفي هكذا أتصنت على هذا وذاك!! سئمت سماع شجار الأزواج، وسئمت مطاردة الكلاب للهررة التي لا تلبث إلا أن تغرز مخالبها فيَّ وتظل معلقة بي وكأنني طوق نجاة مجاني، سئمت نقر الهدهد في جذوري كي يخرج الديدان التي تدغدغني كل حين ولا أستطيع أن أمنعها من فعلتها هذه.. أكره فصل الربيع فأهل الحي يتمخضون عن أفكار مضرة نتيجتها الوحيدة تقليم فروعي، يا إلهي، كم أعشق قطرات المطر وهي تنساب على أوراقي وفروعي الخشبية، أعشق رائحة التراب المبلل، أدمنت رائحة المطر، أحب سكون الليل، أتسلى أحيانًا عندما يجلس أسفل مني أو يتوارى خلفي العاشقين، أستمتع بالتصنت عليهم وأُثَار وأغار من لمساتهم وقبلاتهم الخاطفة المسروقة، هذه اللحظات تذكرني بنفسي عندما كنت شابًا كنت أفعل مثلهم، أتسلق الأشجار غير عابئ بأحد، وكنت أختلس النظر على الجيران من النوافذ مستعينًا بأشجار الحي، كما أنني كنت أنفرد بصديقتي فوق أحد الفروع، أعينها على الصعود متلذذًا بلمس جسدها، ولا أتركها تفلت من ذراعاي إلا بعد أن أكون قد استمتعت بها، صديقتي رومانسية، كانت من فرط سعادتها وهي بين ذراعاي كانت تغني أحلى الألحان، كانت لها رائحة مختلفة لازلت أذكرها إلى الآن، ترى أين هي الآن؟ أتراها ماتت مثلي؟؟ وتحول جسدها لرماد؟؟ أتراها أحد مكونات هذا الكون العجيب؟؟ محظوظ أنا كوني أصبحت شجرة في حياتي الأخرى فتحت الأشجار آلاف القصص وآلاف الأسرار، أذكر أني يومًا سمعت إخوة يتفقون على جمع الميراث وحرمان أخيهم الصغير رغم كونهم للوهلة الأولى طيبين، وأخوهم مسكين لكنه الشيطان تبًا له يفسد العلاقات، وذات يوم بكيت لبكاء فتاة جاءت برفقة ولدها ليلعب هنا في الحديقة، وأخذت تقرأ كتابًا ما عندما دققت النظر في محتواه اكتشفت أنه كتاب أدعية للمتوفى، انهارت المسكينة في البكاء وانهار معها قلبي، وددت لو كانت فروعي أذرعًا بشرية أزيح همها وأمسح دموعها وأخفف ألمها، وأخبرها أنه مهما كان قساوة من فقدت فهو الآن أكثر حرية مما سبق بل أكثر سعادة، يعيش بانطلاق مع أحبائه سواء أهل الأرض أم أهل البرزخ، عالم نقي، التجول فيه حر لا يسكنه إلا الطيبون، لا مكان للجشع أو الغش أو الخيانة، لنا مطلق الحرية أن نعود للأرض في أي صورة كانت، شرط ألا تكون بشرية، لكن هيهات كوني شجرة يحول بيني وبين كل ما أفكر فيه لكني سعيد، بدأت الشمس في التعامد، هذا أفضل، إنها الظهيرة إذن، أجل، أجل، ها هو الأذان يرفع، يا الله اشتقت لسماع القارئ المفضل لي. اشتقت للطواف ولمس الكعبة، ما هذه الضوضاء يا ترى؟؟ الحي مرة أخرى يرصف الطريق بنفس الطريقة العقيمة الخاطئة، آه لو كنتم تعملون تحت يدي كان مصيركم الوحيد التسريح من العمل، ما هذا؟؟!! تغشون أيضًا في طبقات الأسفلت، ألا تملون من السرقة، لن تفيدكم يا أغبياء، صدقوني، عندما تصيرون مثلي ستندمون على كل خطأ اقترفتموه وتودون لو يتوقف الزمن لتصحيح ما يمكن تصحيحه، لا، لا، مهلًا يا هذا، أنا أهز فروعي كي تنتبه لما تفعل. أنت مخطئ، هناك أمر ما غير مفهوم، لا، مهلًا مهلًا، ما هذا الصوت؟؟؟ أيها الأوغاد دعوني، دعوني لا تقطعوني،،، لاااا. عليكم اللعنة !!!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب من مصر

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى