الاثنين ١٤ نيسان (أبريل) ٢٠٠٨
بقلم محمود الغيطاني

أوقات غير لائقة للموت

يبتسم متشوقا كعادته كلما رأيته ببسمته الطفولية التي أحبها، يقبل عليّ ليتلقفني في أحضانه، يقول لي بصوته الأجش المألوف بالنسبة لي:

- محمود، إيه أخبارك؟ واحشني كتير

أنسى تماما أني أصطحب زوجتي وولديّ (يوسف وآدم) معي، كنت قد قررت اصطحابهم في حفل افتتاح مكتبة سنابل منذ شهر تقريبا، أقول له بحب عميق أكنه له:

- واحشني كتير والله يا أستاذ خيري

يصمت قليلا ليقول:

- إيه أخبار كتابتك.

- تمام.

- اتأخرت كتير يا محمود، لم أر لك شيء منذ كائن العزلة.

- مين قال الكلام دا؟ يا أستاذ خيري أنا ماشي بنظام.. كل سنة كتاب، كائن العزلة 2006، سينما الطريق 2007، العام القادم لحظات صالحة للقتل.

- والله جميل النظام دا، المهم انك تفضل ماشي عليه دايما.

يصمت قليلا ليقول:

- العنوان دا جميل جدا.

يردد بهدوء "لحظات صالحة للقتل"، أقول له:

- مش المهم العنوان، المهم إن المجموعة يكون لها صدى وتعجبك وتعجب الناس.

بصدق أعرفه فيه منذ فترة:

- أنت عارف إن شغلك كله بيعجبني جدا، لك طريقة مختلفة عن معظم الموجودين وعالم خاص بيك.
يستدرك:

- شوقي عبد الحميد قالي إن فيه روائية جزائرية عايشة في أمريكا عرضت عليك نص مليون دولار عشان تشتري قصتك "الجلوس على الخازوق".

أضحك مليء فيّ لأقول:

- هو يحمّل الأمور أكثر مما تحتمل، كل ما في الأمر أن القصة عجبتها فأرادت أن تمازحني فقط، لا تأخذ الأمور بجدية.

أذكر يومها أننا ظللنا حوالي الساعة والنصف منتحين أحد الأركان في حفل افتتاح مكتبة سنابل، تحدثنا في كل شيء وفي الكثير من الأمور، قال بجدية:

- أقرأ الكثير مما تكتبه في النقد السينمائي، بتعجبني جدا كتابتك فيه، لكن أنا خايف إن كتابتك في النقد السينمائي تؤثر على كتابتك الإبداعية.

- يا أستاذ خيري إحنا مش كل يوم بنكتب إبداع وبالتالي هناك أوقات كتيرة جدا إذا لم نكن في حالة كتابة إبداعية نتعطل، ممكن تعتبر أن كتابتي في السينما تمرين دائم على الكتابة.

ثم أقول بعد فترة صمت:

- النقد السينمائي عندي موازي للإبداع وترجح كفته أحيانا عندي.

ينظر إليّ مستنكرا:

- لا يا محمود، أنت روائي رائع ومبدع جميل، لا تهمل إبداعك أبدا، تعرف أنا بقولك كدا لأني من سنين لم أكتب سطرا إبداعيا واحدا لأن تحقيق التراث والقراءة فيه أخذني تماما وعشان كدا خايف النقد يأخذك أيضا.

حينما نتواعد على اللقاء قريبا جدا كي يأخذ نسخته من "لحظات صالحة للقتل" أنتبه أني قد نسيت ولديّ وزوجتي؛ فأبحث عنهم.

***

يرن جرس الموبايل مزعجا إياي، أنظر في شاشته، دكتور طلعت شاهين:

- أزيك يا دكتور.

- انت فين؟

- في حمام التلات.

- بتعمل إيه عندك؟

- عندي شغل.

- طب تعال لي المعرض، أنا مستنيك ومعايا خيري عبد الجواد.

- نص ساعة أكون عندك.

كان ذلك في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2006، روايتي "كائن العزلة" لم تزل طازجة لم تمض أيام على صدورها، أحاول إنهاء أعمالي على وجه العجلة؛ فمقابلة خيري عبد الجواد عندي أهم من أي شيء، هذا الكاتب أحبه كثيرا وأقرأ له كل ما يكتبه منذ كنت طالبا في بداية المرحلة الثانوية، لقاء أعتقد أنه أهم حدث لي الآن، أسرع لأقابلهما هناك، جلسنا كثيرا، عرفني عليه الدكتور طلعت وأهداه نسخة من روايتي، شكرني عليها كثيرا وبارك لي، مد حبل الثقة والكلام الحميم بيننا سريعا، تحدثنا أنا وهو في الكثير من الأمور، حكى لي عن بداية كتاباته، وأنه كان في عمر مبكر كثيرا، ظنني في بداية العشرينيات فقلت له أني في أوائل الثلاثينيات، قال لي هذا العمر هو الذي يكتب فيه الكاتب أجمل أعماله فهو أيضا قد كتب أفضل أعماله في هذا العمر، أخبره أني أحب له كثيرا روايته "التوهمات"، شرد قليلا ليقول:

- يااااه.. دا انت قلبك أسود قوي، معدتش حد فاكرها الآن، أنا أيضا معدتش فاكرها.

- هي من أجمل أعمالك على الإطلاق.

- مع إن جوها كان كله موت وغم.

- يمكن دا هو السبب في أني أذكر تفاصيلها دايما، تعرف هي مرتبطة عندي باسمك، بمجرد ما حد يقول" خيري عبد الجواد" أقول أنا مباشرة "التوهمات".

ينتهي لقاءنا بعد حوالي الساعتين ليوصلنا الدكتور طلعت شاهين بسيارته، خيري إلى ميدان لبنان وأنا إلى رمسيس كي أتجه إلى شبرا.

***

بعد هذا اللقاء بيومين يرن الموبايل فأرد:

- ألو.

- أستاذ محمود الغيطاني.

- مين معايا؟

- أنا خيري عبد الجواد.

بسعادة حقيقية:

- أهلا أستاذ خيري.

- كان لازم أكلمك عشان أهنيك على الرواية الجميلة دي، لسة مخلصها حالا ومكانش ينفع إني مكلمكش وأهنيك عليها.

تملؤني البهجة، يقول:

- رواية رائعة يا محمود وخاصة إذا كانت هي دي بدايتك، صدقني هتبقى كاتب مهم جدا، أنا مكنتش متخيل إنها حتكون بهذا الجمال.

أشكره كثيرا غير قادر على ترتيب كلمات الشكر نتيجة بهجتي الطاغية، هل أنا فعلا أستمع هذه الكلمات من خيري عبد الجواد الذي كنت أقرأ له كثيرا وأحب كتابته؟ يقول لي أنه يرغب في لقائي فأوافق مباشرة، يقترح أن نتقابل في آتيلييه القاهرة يوم الثلاثاء فأوافقه.

يأتي خيري عبد الجواد مصطحبا معه شخص آخر لم أره من قبل، يعرفني عليه فأعرف أنه الناقد شوقي عبد الحميد يحيى، الصديق الأقرب لخيري، أرحب به، ألاحظ وجود نسخة من "كائن العزلة" مع شوقي عبد الحميد، يحدثني خيري كثيرا عن روايتي وأنا أنصت له فرحا بينما عيناي تتابعان شوقي عبد الحميد الذي لم يرفع عيناه عني منذ جلسته وأندهش من صمته الدائم منذ بداية الجلسة، يشعرني الرجل بأني فأر تجارب أمامه، يقول لي شوقي بعد فترة:

- خيري معجب جدا بروايتك، وعامل لك دعاية كبيرة جدا، كل ما يقابل حد يقوله "كائن العزلة"، هوسني من كتر ما كلمني عنها.

أشكره مبتسما، يقول خيري:

- عملك جميل ومهم يا محمود، لا تستمع لما سيقال عنه، ستسمع كلام كتير جدا وأنك مش حتقدر تكتب عمل تاني بمثل هذا الجمال، وأنها سيرة ذاتية، وأنها وأنها.... لا تنتبه لأي كلمة تقال عن روايتك سواء بالسلب أو الإيجاب، أكتب فقط، هم قالوا عني ذلك بعد التوهمات وكتبت بعدها الكثير.

- يذكرني كلامه بما قاله لي من قبل الروائي محمد ناجي بأن لا أنتبه إلى أي شيء يقال عن كتابتي، فهي لم تعد ملكي بعد أن صدرت، كل ما عليّ هو أن أكتب فقط، أوافقه بعد التواعد على اللقاء مرة أخرى قريبة.

***

أفكر في الاتصال بخيري عبد الجواد كي نلتقي وأهديه نسخته من مجموعة "لحظات صالحة للقتل"، كان قد قال لي في لقاءنا الأخير أثناء حفل افتتاح "سنابل" أنه سينتظرها بشوق وأكد عليّ ألا أنسى نسخته منها، أدخل إلى الآتلييه لأجلس وحدي، أقرأ في جريدة "الدستور" خبر صدور المجموعة، تشاركني "أمل خالد" المنضدة لتسألني:

- هو خيري كان تعبان؟

- خيري مين؟

- خيري عبد الجواد مات

أصمت صمتا مطبقا، أندهش غير قادر على الاستيعاب، أشعر بضيق في التنفس، أقول غير مصدق:

- مين اللي قالك الكلام دا؟

- وأنا داخلة الآتلييه قرأت الخبر على الباب.
أتناول الموبايل لأطلب شوقي عبد الحميد، أقول غير قادر على النطق:

- الخبر دا صحيح.

يرد بحزن طاغ:

- صحيح يا محمود.

- امتى الكلام دا؟

- أول أمس بعد المغرب.

- وليه مقلتليش؟

- أنا مقدرتش أستوعب الصدمة ولم أتصل بأي إنسان، ربنا يرحمه.

أنهي المكالمة لأسقط في صمت عميق، تعتذر لي "أمل" لأنها نقلت لي خبرا سيئا إلى هذه الدرجة، أقول شاردا:

- هو من الأصدقاء الحقيقيين والقلائل جدا يا أمل، تتساوى مكانته عندي مع محمد عبد السلام العمري، والروائي محمد ناجي، وعم جميل عطية إبراهيم.

أصمت طويلا غير راغب في الحديث، أتناول " الدستور" محاولا الانشغال بها، أذكر جميع لقاءاتنا منذ عرفته وكل ما كان يدور بيننا من حديث، ضحكته الجميلة التي كان يضحكها، وعدي له بنسخته من المجموعة الجديدة وانتظاره لها، أنظر للصفحة الأخيرة من الدستور لأقرأ(وفاة الروائي "خيري عبد الجواد" اثر إصابته بأزمة سكر) أعتدل مندهشا، يا ربي، هل كان الأمر حقا مصادفة يا خيري؟ هل كان قدرا أن تنتظر المجموعة بشغف أعرفه فيك ليكون خبر صدورها متزامنا مع خبر وفاتك في ذات الجريدة لا يفصل بينهما سوى صفحة واحدة؟ وهل ستقرأها الآن كما كنت تريد، وهل سيرن جرس موبايلي بعد يومين لتهنأني عليها كما سبق أن فعلت معي؟ هل ستفعل ذلك بالفعل أم ستلتزم الصمت الطويل؟ حقا لم تكن تلك الأوقات لائقة لموتك، ولكن ليرحمك الله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى