الأحد ١٤ حزيران (يونيو) ٢٠٢٠
بقلم غزالة الزهراء

التوائم

بمجرد أن وطأت قدماه صحن البيت ضج صغاره مغتبطين لقدومه، بنفس اللهفة العارمة يبتغون من صميمهم لو يحضنهم، ويداعبهم، ويناجيهم كما يفعل ككل مرة معهم إثرعودته من عمله، هم بدون شك بحاجة أكيدة إلى من يزرع حولهم بساتين حب مثمرة، وحدائق اهتمام ينشأون في حجرها الحميم من غير كبوة ولا عقد.

التوائم الثلاثة تعودوا منه أن يفتح لهم ذراعيه بغية ضمهم إلى شاطئ صدره وتقبيلهم معا، ولكن لم يفعل وكأنما قوة جبارة أضعفته، وأبادت حماسته، وأطفأت شعلة الشوق فيه، لا قدرة له على التغلب مما آل إليه حاله البائس، ولذا اكتفى فقط بقذف ابتسامة هزيلة في وجوههم، لا إراديا انساق هيثم إلى غرفة نومه كما تساق الشاة الوديعة للذبح، أقفل الباب بإحكام رافضا التحدث إلى أي أحد، الانعزال التام في هذا الظرف المتقوقع يكون له بمثابة المرهم الذي يلطف من شدة حروقه، وهو كحبة رمل ضئيلة في قاع بحر هائج مائج تساءل متذمرا: لماذا فعلت بي كل هذا؟ هل أنا مجرد حشرة حقيرة محرم عليها البقاء على هذا الكوكب؟

سكاكين الأسى تمزق كيانه إربا إربا كما ذئاب مسعورة متعطشة للبطش، يتأوه مفجوعا إلى حد الموت، من يشعر بانهياراته المباغتة؟ ومن يواسيه في هذه اللحظة الراهنة ليرمم ما تداعى من جماليات الحياة بداخله؟ إنه في ذروة الوجع.

طرقات على الباب متواصلة، تطلب منه زوجته أن يفتحه لترى أمره، لا يستجيب لطلبها عاقدا العزم على البقاء بمفرده، هي من غرزت خنجرها المسموم في صدره وظهره، وداست على نبل مشاعره بتصرفاتها المعفنة، هي من تسببت في هذا كله، أليست شبيهة بأفعى رقطاء تود ابتلاعه؟

يتمتم متألما: بنات حواء كلهن مذمومات، خبيثات، خادعات لأزواجهن، موبوءات يتغذين من فضلات الرذيلة، يتصنعن الطهارة علنا ولكنهن عكس ذلك، لا أمان فيهن، سحقا لهن جميعا، سحقا لهن جميعا.

صوت يتعالى من أعماق روحه صافيا كخرير ماء، ودافئا كحنان أمه: انظر إلى أصابع يدك فهي لا تتشابه، لا تعمم حكمك الطائش على الكل، ولا تخلط بين البياض والسواد، البياض بياض والسواد سواد، أمك مثلا أليست هي من أحرقت سنين عمرها في تنشئتك، وناضلت لأجلك لتكون رجلا سويا؟ أليست هي من أخلصت لأبيك في حبها، وحافظت عليه في حضوره وغيابه؟ وأختك مثلا ألم تكن تتسم بطيبة السريرة، ورفعة سلوكها؟ ألم يدفعك هذا إلى أن ترفع رأسك، وتشمخ بأنفك إلى عنان السماء؟ لا تتمادى في هجومك الشرس ضد كل النساء، فهناك من يتوجب عليك أن تحييهن التحية الخالصة وترفع لهن القبعة.

منذ شهر ونيف وقعت جريمة انتحار اهتز لها الحي برمته، عثروا صبيحة يوم الأحد على جثة جار مشنوقا بحبل غليظ، وتناقلت الألسن خبرا مفاده أن الرجل المسكين اكتشف بأن الأولاد ليسوا بأولاده بل جاءوا عن طريق الفاحشة.

فكرة شائنة عششت في خيال هيثم وتوالدت كالوباء، ولذا عليه التأكد من أن التوائم هم أولاده حقا، وها هي المصيبة تحط على رأسه حين صارحه الحكيم بقوله: أنت عقيم، لا تنجب أطفالا.

من هول ما تسرب إلى أذنيه أوشك على السقوط أرضا، سأله وضباب كثيف يكتسح كل ذاته: ماذا تقول!؟ أنا عقيم !؟ لا أنجب أطفالا!؟

على إثر هذه الصدمة انسل إلى الشارع بخطوات متكسرة يجر أذيال هزيمته، صوت الطبيب لازال يخرب طبلتي أذنيه بقوة، وينغرس عنوة ولا يبارحهما، أحس بدوار يلفه، وألم حاد كضربة منجل يحز أمعاءه، كاد يقيء، وكاد يغمى عليه، السيارات تمرق أمام عينيه متسارعة، وكذا الحافلات، عاقب نفسه عقابا لا تتحمله نفس: لم لا أقذف بنفسي أمام العجلات لأتنصل من ثوب العذاب الذي ألبستني إياه تلك العاهرة؟ ما فائدة وجودي في هذا الوجود؟

فجأة يعود إلى رشده، ويقتلع من دماغه ما أراد الاقدام عليه، ويواصل سيره البطيء إلى أن يبلغ منزله.

طرقات على الباب تتواصل من قبل زوجته، لا يستجيب لها، عازم في هذه اللحظة على المغادرة عوض ارتكابه لجريمة قتل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى